من كفرصير إلى بيروت، ومن المتنبي إلى السياسة والمقاومة، عاش مصطفى سبيتي حياةً يصعب فصل الشعر فيها عن الموقف. شاعر وأديب وباحث حمل اللغة بوصفها معرفةً وسلاحاً، وعبر عقوداً من التحولات اللبنانية من اليسار إلى خيارات سياسية أخرى، فيما ظل الجنوب حاضراً في قصيدته وذاكرته. وفي أيلول/سبتمبر 2026، انتهت رحلته عن 74 عاماً، لكن بقيت وراءه كتب وقصائد وتجربة أدبية وفكرية تستحق أن تُقرأ بعيداً عن اختزال صاحبها في موقف سياسي أو قصيدة واحدة.
لم تكن سيرة مصطفى سبيتي سيرة شاعر جلس بعيداً عن العالم ليكتب عنه.
كان العالم يدخل قصيدته مباشرة: الجنوب وحروبه، الفقر والنزوح، بيروت، فلسطين، السياسة، الهزائم والانتصارات، اللغة العربية، المتنبي، الموت، والإنسان الذي يحاول أن يجد لنفسه مكاناً وسط كل هذا الصخب.
رحل سبيتي في أيلول/سبتمبر 2026 عن عمر ناهز الرابعة والسبعين، بعد صراع مع المرض، منهياً مسيرة امتدت بين الشعر والأدب واللغة والسياسة والفكر. وقبل رحيله بمدة لم تكن طويلة، كان قد عاش خسارة أخرى: تدمير منزله في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الحرب، ومعه مكتبته وما احتوته من كتب وأوراق ومسوّدات تراكمت على امتداد سنوات طويلة.
لكن قصة مصطفى سبيتي لم تبدأ من بيروت، بل من مكان أبعد جنوباً.
من كفرصير بدأت الحكاية
وُلد مصطفى سبيتي في بلدة كفرصير في قضاء النبطية، في جنوب لبنان، ونشأ في بيئة كان الشعر واللغة جزءاً من ذاكرتها الثقافية والاجتماعية.
كان الجنوب في تلك المرحلة مختلفاً عن الجنوب الذي تعرفه الأجيال الجديدة اليوم. منطقة تعاني الحرمان وضعف حضور الدولة، وتعيش تدريجياً تحت وطأة الصراع العربي الإسرائيلي والاعتداءات التي ستصبح لاحقاً جزءاً من حياة سكان القرى الحدودية والجنوبية.
ومن هذه البيئة تشكّلت شخصية سبيتي.
لم يكن الجنوب بالنسبة إليه مسقط رأس فحسب. أصبح لاحقاً موضوعاً أدبياً وسياسياً ووجدانياً دائماً؛ أرضاً يعود إليها في القصيدة كلما أراد الحديث عن الهوية أو المقاومة أو الخسارة أو الذاكرة. وقد عاش معظم حياته مرتبطاً بكفرصير ويوميات أهل الجنوب، وهو ما انعكس بوضوح في شعره ومواقفه.
أما بدايات تعليمه، فتحمل شيئاً من سيرة جيل كامل من أبناء المناطق المهمشة. وتشير روايات منشورة عن حياته إلى تجربة تعليمية قاسية في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تحولت غرفة تستخدم فرناً صباحاً إلى مساحة للتعليم بعد الظهر، في صورة تختصر جانباً من الظروف الاجتماعية التي عرفها أبناء الجنوب الذين انتقل بعضهم إلى المدينة بحثاً عن العمل والتعليم والحياة الأفضل.
كبر الطفل، لكن ذاكرة تلك البيئة لم تغادر الشاعر لاحقاً.
شاعر… ولكن أكثر من شاعر
يصعب وضع مصطفى سبيتي تحت عنوان مهني واحد.
فقد درس الحقوق، ودرّس الرياضيات، واشتغل بالشعر والرواية والقصة والفكر واللغة والفلسفة، كما مارس الرسم. وكانت معرفته باللغة العربية وتراثها واحدة من أبرز السمات التي طبعت شخصيته الثقافية.
لم يكن الشعر لديه مجرد انفعال عابر، بل صناعة تحتاج إلى معرفة باللغة والنحو والعروض والتاريخ الشعري العربي.
وهنا ظهر الاسم الذي سيلازم سبيتي طوال حياته:
أبو الطيب المتنبي.
«حافظ المتنبي»
كانت علاقة مصطفى سبيتي بالمتنبي أبعد من إعجاب شاعر بشاعر.
حفظ الكثير من شعره، واستعاد أبياته في أحاديثه ومجالسه، وتعمّق في لغته وصوره وأوزانه إلى درجة أن بعض أصدقائه ومحبيه أطلقوا عليه لقب «حافظ المتنبي»، فيما وصفه آخرون بـ«خليفة المتنبي».
ولم تبق هذه العلاقة شفوية.
ففي عام 1986 صدر له «شرح ديوان أبي الطيب المتنبي» عن دار الكتب العلمية في بيروت، وهو عمل يكشف مقدار انشغاله باللغة والنحو والدلالة والصورة الشعرية، وليس بالقصيدة بوصفها بناءً جمالياً فقط.
ومن هنا يمكن فهم تمسكه الطويل بالوزن والقافية.
ففي الوقت الذي كانت فيه قصيدة النثر تتسع في المشهد الثقافي العربي، بقي سبيتي قريباً من القصيدة العمودية، وكتب كذلك قصيدة التفعيلة، محاولاً أن يحتفظ بالموسيقى الشعرية العربية من دون أن يجعلها منفصلة عن قضايا عصره.
كان شاعراً يأتي من التراث، لكنه يريد أن يتحدث عن الحاضر.
القصيدة بين اللغة والموقف
في تجربة سبيتي، لم تكن القصيدة زينة لغوية.
كان يرى في الشعر مساحة للموقف والاحتجاج والسؤال. ولهذا حضرت في نصوصه قضايا الجنوب وفلسطين وبيروت والحرب والمقاومة، إلى جانب التأملات الإنسانية والشخصية والموت.
وتكشف عناوين مؤلفاته نفسها عن علاقته الوثيقة بعالم الشعر وإيقاعه، ومن أبرز أعماله الشعرية «براعم على حطب الخليل» الصادر عام 1992، و**«سَبَل القوافي»** عام 2006، و**«أرَج الروي»** عام 2010، إضافة إلى «وداعاً عروض» وأعمال أخرى.
لكن الرجل الذي عرف العروض والقافية جيداً لم يجعل تجربته أسيرة شكل واحد.
في «سَبَل القوافي» مثلاً تتجاور القصيدة العمودية مع التفعيلة، ويتداخل الخاص بالعام؛ تجربة الإنسان الفرد مع أسئلة المدينة والوطن والحرب.
وهكذا تحولت اللغة عنده من معرفة أكاديمية إلى أداة لقراءة العالم.
من الشعر إلى السياسة
لا يمكن كتابة سيرة مصطفى سبيتي من دون السياسة.
فالرجل ابن جيل لبناني كانت السياسة بالنسبة إليه جزءاً من الحياة اليومية، لا نقاشاً بعيداً عنها.
في شبابه انتمى إلى منظمة العمل الشيوعي في لبنان، متأثراً بالمناخ اليساري الذي استقطب أعداداً كبيرة من المثقفين والشباب اللبنانيين في تلك المرحلة، ولا سيما مع صعود القضية الفلسطينية وتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
وبحسب شهادات منشورة بعد وفاته، لم يقتصر انخراطه على النشاط الفكري والسياسي، بل حمل السلاح في مرحلة من حياته، وروى مقربون منه أنه اعتُقل لنحو ثلاثة أشهر في سجن قلعة الشقيف.
لكن مسيرته السياسية لم تبق ثابتة.
مع تغير لبنان والمنطقة، تغيّرت أيضاً بعض خيارات سبيتي. انتقل الرجل الذي خرج من التجربة اليسارية والشيوعية لاحقاً إلى تأييد خط حزب الله والمقاومة الإسلامية، وهو انتقال يعكس جانباً من التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها جزء من جيله في جنوب لبنان.
وهو جانب من سيرته لا ينبغي إخفاؤه أو تحويله في المقابل إلى العنوان الوحيد لتجربته.
فمصطفى سبيتي كان صاحب مواقف سياسية واضحة ومثيرة للنقاش أحياناً، لكن قراءة نتاجه الأدبي كاملاً تكشف شخصية أكثر تركيباً من أن تُختصر بانتماء سياسي واحد.
خيبات اليسار
لم يتعامل سبيتي مع تجربته اليسارية القديمة باعتبارها صفحة ينبغي محوها.
على العكس، عاد إليها بالنقد والمراجعة.
وكتب «خيبات مناضل شيوعي»، وهو عنوان يكاد يلخص وحده علاقة جيل كامل بالأحلام السياسية الكبرى التي حملها في شبابه، قبل أن تصطدم بالحرب والانقسامات والتحولات التي عرفها لبنان والمنطقة.
فالتمرد عند سبيتي لم يكن موجهاً إلى خصومه فقط.
مارس النقد تجاه التجارب التي انتمى إليها أيضاً، وظهرت في كتاباته لغة ترفض تحويل الهزيمة إلى انتصار لفظي أو تغليف الواقع بالشعارات.
ومن هنا كانت تجربته السياسية جزءاً من أدبه، تماماً كما كان أدبه وسيلة للتعبير عن رؤيته السياسية.
الجنوب الذي لم يغادره
إذا كان المتنبي يسكن مكتبة مصطفى سبيتي، فإن الجنوب كان يسكن وجدانه.
كفرصير والنبطية والقرى والحقول والزيتون والحروب والاعتداءات والنزوح ليست مجرد جغرافيا في تجربته، بل عناصر تتكرر في رؤيته للعالم.
عاش تحولات الجنوب اللبناني منذ مرحلة الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، مروراً بالحرب الأهلية والاجتياحات والاحتلال الإسرائيلي والمقاومة والتحرير والحروب المتلاحقة.
ولهذا يصعب الفصل بين قصيدته وبين الأرض التي خرج منها.
ففي نصوصه، تتحول الأرض أحياناً إلى ذاكرة، وأحياناً إلى جرح، وفي أحيان أخرى إلى موقف سياسي.
وظل هذا الارتباط حاضراً حتى سنواته الأخيرة.
بيروت… المدينة الجريحة
وكما كتب الجنوب، حضرت بيروت في شعره.
لم يرها فقط مدينة للضوء والثقافة، بل مدينة تحمل تاريخاً من النزوح والحروب واللاجئين والانقسامات.
وفي قصيدته عن «بيروت الثكلى» تظهر المدينة كأنها سفينة تحمل النازح واللاجئ وتمضي في بحر مضطرب، في صورة تكشف كيف كان سبيتي يستخدم البنية الشعرية التقليدية أو الموزونة لالتقاط واقع سياسي واجتماعي معاصر.
وبعد عقود، ستعود الحرب إلى حياته الشخصية بصورة أكثر قسوة.
حين أخذت الحرب البيت والمكتبة
في سنواته الأخيرة، لم تعد الحرب بالنسبة إلى مصطفى سبيتي مادةً للقصيدة فقط.
خلال الحرب الأخيرة، دُمر منزله في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت بغارة إسرائيلية. وتذكر مصادر تناولت سيرته أنه كان قد غادر المنزل قبل ساعات، متوجهاً إلى قرية الجاهلية في الشوف، حيث أقام بصورة مؤقتة في «كهف الفنون».
ومع المنزل، خسر مكتبته الخاصة.
بالنسبة إلى كاتب أمضى حياته بين الكتب والمسوّدات واللغة، لا تكون المكتبة مجرد أثاث.
إنها ذاكرة.
كتب قرأها وعلّق عليها، أوراق كتبها، مسوّدات ربما لم ترَ النور، وتفاصيل صغيرة تراكمت خلال عقود.
وفي مفارقة قاسية، عاش الشاعر الذي كتب طويلاً عن الحرب والجنوب والنزوح تجربة الفقد بنفسه في أواخر حياته.
سقط البيت، لكن النصوص التي خرجت منه بقيت.
سبيتي الروائي
على الرغم من أن الشعر شكّل الجزء الأبرز من تجربته، لم يبق سبيتي داخله.
دخل عالم الرواية أيضاً عبر «طفران وارلي»، الصادرة في طبعتها الأولى عام 2010 في 344 صفحة.
في الرواية تظهر شخصية سبيتي من زاوية مختلفة: السخرية، التأمل، أسئلة الوجود والحياة والموت، ونظرته إلى الإنسان وعلاقته بالعالم.
وهنا يخف حضور الشاعر صاحب المنبر قليلاً، ليظهر الكاتب الذي يتأمل هشاشة الإنسان وتناقضاته.
ويكشف انتقاله إلى الرواية أن اهتمامه لم يكن بالشكل الشعري وحده، بل بالسؤال الذي يمكن للأدب أن يطرحه، سواء جاء في بيت موزون أو في سرد روائي.
الباحث والناقد
إلى جانب الشعر والرواية، ترك سبيتي أعمالاً تتصل بالنقد والفكر والتراث، بينها «جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة»، إضافة إلى دراساته وكتاباته المرتبطة بالمتنبي واللغة.
وهذا الجانب مهم لفهم تجربته.
فهو لم يكن شاعراً يعتمد على الموهبة وحدها، بل مثقفاً اشتغل على أدوات اللغة وتاريخها، وحفظ ألفية ابن مالك وتعمق في النحو والصرف والعروض، وفق شهادات من عرفوه.
ومن هنا جاء شعره محملاً أحياناً بكثافة لغوية واضحة، وبإيمان بأن معرفة التراث لا تعني بالضرورة الانسحاب من الحاضر.
الموت الذي كتب عنه… ثم جاءه
كان الموت موضوعاً متكرراً في شعر سبيتي.
ظهر مرة في القصيدة السياسية، ومرة في الرثاء، ومرة بوصفه سؤالاً إنسانياً.
لكن اللافت أن الموت في نصوصه لم يكن دائماً نهاية.
في بعض مراثيه، يتحول إلى مواجهة بين الفناء والذاكرة؛ كأن الكتابة محاولة للاحتفاظ بالإنسان بعدما يعجز الجسد عن ذلك.
وفي 19 أيلول/سبتمبر 2026، أصبح الموت جزءاً من سيرته هو.
رحل مصطفى سبيتي بعد صراع مع المرض عن 74 عاماً، بعد حياة عبر خلالها مراحل شديدة الاختلاف من تاريخ لبنان الحديث.
رحل الشاعر، وبقيت الأسئلة التي رافقته.
ماذا يبقى من مصطفى سبيتي؟
قد يختلف قارئ مع مصطفى سبيتي سياسياً.
وقد يفضّل آخر قصيدة النثر على العمود الذي دافع عنه طويلاً.
وقد يرى ناقد أن لغته تنتمي إلى مدرسة شعرية تجاوزتها تحولات الحداثة، فيما يجد قارئ آخر في تمسكه بالإيقاع واللغة العربية الكلاسيكية سبباً أساسياً لقيمة تجربته.
لكن الاختلاف حوله لا يلغي حضوره.
فتجربة سبيتي تمتد على مساحة يصعب اختزالها: شاعر وباحث وروائي ومدرّس وناشط سياسي، جنوبي حمل ذاكرة المكان، ويساري سابق راجع بعض تجربته، ومؤيد لاحقاً للمقاومة الإسلامية، وعاشق للمتنبي أمضى سنوات يطارد أسرار لغته.
وتلك التناقضات ليست هامشاً في سيرته.
ربما هي السيرة نفسها.
فهو ينتمي إلى جيل لبناني عاش أحلام التغيير والثورة، ثم الحرب الأهلية والاجتياحات والاحتلال والتحرير والانقسامات السياسية والانهيارات والحروب المتجددة. جيل تغيرت أمامه الأفكار والتحالفات والبلاد نفسها مرات كثيرة.
وسط كل ذلك، بقي لدى مصطفى سبيتي شيء يعود إليه باستمرار:
اللغة.
حين تبدلت السياسة، بقيت اللغة.
وحين تغيرت التحالفات، بقي الشعر.
وحين دُمر البيت وضاعت المكتبة، بقي ما خرج من تلك المكتبة قبل أن تسقط: الكتب والقصائد والأفكار التي أصبحت ملكاً للقراء.
وهكذا، ربما تكون المفارقة الأخيرة في حياة مصطفى سبيتي أن الرجل الذي أمضى عمره مشغولاً بالبيت الشعري خسر في آخر أيامه بيته الحقيقي.
لكن البيت الآخر بقي.
بيتٌ من الكلمات، بدأ بناؤه قبل عقود في كفرصير، وامتد من الجنوب إلى بيروت، ومن المتنبي إلى قصائد الحرب والحب والموت، حتى أُسدل الستار على حياة صاحبه في أيلول 2026.
أما القصيدة، فلم ترحل معه.


