في بلد اعتاد مواطنوه انتظار الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، ظهر على كورنيش بيروت كرسي أزرق عملاق، لا ليجلس عليه أحد، بل ليصبح معلماً فنياً جديداً. لم تكن المشكلة في لونه، ولا في تصميمه، ولا حتى في وجوده. ما أثار الجدل هو المشهد المحيط به: احتفال رسمي، شخصيات سياسية، كاميرات، وخطابات عن الأمل والصداقة، في وقت لا تزال فيه أسئلة اللبنانيين اليومية معلّقة.
هكذا تحوّل مجسّم فني إلى مادة للسخرية والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي. وبين من رأى فيه إضافة ثقافية للعاصمة، ومن اعتبر الاحتفاء به غير متناسب مع أزمات البلاد، خرج الكرسي من إطاره الفني ليدخل في نقاش أوسع حول الأولويات العامة، وصورة الإنجاز في لبنان.

كرسي بخمسة أمتار… واحتفال على مستوى الدولة
في 27 تشرين الأول 2026، شهد كورنيش عين المريسة في بيروت افتتاح مجسّم «كرسي ساب – بيروت» (La Chaise de SAB – Beyrouth)، برعاية السيدة الأولى نعمت عون وحضورها، وبالشراكة مع السفارة الفرنسية، وبدعوة من شركة «بلو شورز إنترناشونال».
وحضر المناسبة وزيرا السياحة لورا الخازن لحود والإعلام بول مرقص، والنائبان نجاة عون صليبا وسيمون أبي رميا، ومحافظ بيروت مروان عبود، ورئيس البلدية إبراهيم زيدان، إلى جانب شخصيات ثقافية واجتماعية.
العمل مستوحى من الكرسي الأزرق المرتبط بمدينة نيس الفرنسية، ويحمل توقيع الفنانة الفرنسية سابين جيرودي، المعروفة باسم SAB. ويبلغ ارتفاع نسخته البيروتية نحو خمسة أمتار، مع قاعدة من الرخام اللبناني وخريطة للبنان ضمن التصميم.
وبحسب القائمين على المشروع، يرمز الكرسي إلى الصداقة اللبنانية الفرنسية، وإلى التواصل الثقافي بين ضفتي البحر المتوسط، في محاولة لإضافة معلم فني جديد إلى الواجهة البحرية للعاصمة.
من الناحية الفنية، لا غرابة في إقامة مجسّمات ضخمة داخل المساحات العامة. فالمدن تستخدم الفن في تشكيل هويتها العمرانية واستقطاب الزوار وإحياء الأماكن المشتركة.
لكن في لبنان، لم يُناقش العمل بوصفه قطعة فنية فقط. لقد تحوّل حجم الاحتفاء الرسمي به إلى القضية الأكثر حضوراً.
لماذا ضحك اللبنانيون؟
لم تمرّ صور الافتتاح بهدوء على مواقع التواصل الاجتماعي.
فقد انتشرت تعليقات ساخرة من المجسّم وحجمه، ومن الحضور الرسمي الذي واكب تدشينه، فيما ربط آخرون المناسبة بتردّي الخدمات والأوضاع المعيشية.
لم تكن ردود الفعل موحّدة، إذ ظهرت أيضاً مواقف دافعت عن أهمية الفن والمبادرات الثقافية. لكن السخرية التي وثّقتها وسائل إعلام لبنانية أظهرت وجود فجوة بين الرسالة التي أراد منظمو المشروع تقديمها والطريقة التي تلقّى بها بعض الجمهور الحدث.
وهذه الفجوة تستحق التحليل.
فالكرسي، في الاستخدام اليومي، رمز بسيط للراحة والاستقرار. لكن عندما يصبح مجسّماً ضخماً لا يمكن الجلوس عليه، ويُفتتح بحضور رسمي واسع، يتحول إلى مادة سهلة للمفارقة الاجتماعية.
اللبناني الذي يواجه ضغوط الإيجار وفواتير الخدمات وتكاليف المعيشة قد لا يرى في المجسّم المشكلة بحد ذاتها، بل قد يتساءل عن معنى الاحتفاء بإنجاز رمزي وسط احتياجات ملموسة لم تُلبَّ بعد.
هنا تصبح السخرية أداة للتعبير عن عدم الرضا، لا حكماً نقدياً بالضرورة على القيمة الفنية للعمل.

هل المشكلة في الفن أم في ترتيب الأولويات؟
من الخطأ اعتبار إنشاء عمل فني في بيروت أمراً غير ضروري لمجرد أن البلاد تعاني أزمات اقتصادية.
فالمدن تحتاج إلى الثقافة بقدر حاجتها إلى البنية التحتية. والمساحات العامة ليست مجرد طرق وأرصفة، بل أماكن للحياة الاجتماعية والفنون والذاكرة المشتركة.
كما أن المشروع جاء بمبادرة من جهة خاصة وبشراكة ثقافية، ولا تتوافر في المعلومات المنشورة أدلة كافية تسمح بالقول إنه موّل من المال العام أو أنه جاء على حساب مشروع خدمي محدد.
لذلك، فإن توجيه اتهامات مالية غير موثّقة سيكون غير دقيق.
لكن ذلك لا يمنع طرح أسئلة مشروعة حول الأولويات.
لماذا اكتسب افتتاح مجسّم فني هذا الحضور الرسمي؟ وما المعايير التي تحدد مستوى الاحتفاء بالمشاريع العامة؟ وهل تحظى المبادرات التي تمسّ حياة المواطنين اليومية بالاهتمام الإعلامي والمؤسساتي نفسه؟
إنها أسئلة تتعلق بطريقة تقديم الإنجازات إلى الجمهور، لا برفض الفن أو التقليل من قيمته.
المدينة ليست معرضاً مفتوحاً فقط
تكمن أهمية كورنيش بيروت في كونه واحداً من أبرز الأماكن العامة التي يستطيع الناس ارتيادها من دون دفع رسوم دخول.
فهو مساحة للمشي والرياضة واللقاءات العائلية والتأمل في البحر، ويشكّل جزءاً من الحياة الاجتماعية للمدينة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للمجسّمات الفنية أن تضيف قيمة بصرية وثقافية إلى المكان، شرط أن تأتي ضمن رؤية أوسع لتحسين الفضاء العام والمحافظة عليه.
لكن معنى المساحة العامة لا يُختزل في وجود معلم يصلح للتصوير.
فالمدينة التي تحترم سكانها تحتاج أيضاً إلى أرصفة آمنة، ومقاعد يمكن استخدامها، وإنارة، ونظافة، ومرافق تراعي احتياجات كبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.
وهذه المتطلبات لا تتعارض مع الفن، بل تكمله.
فالقيمة الحقيقية لأي مشروع داخل الفضاء العام لا تتحدد فقط بما يضيفه إلى صورة المدينة، بل أيضاً بعلاقته بالناس الذين يستخدمون المكان يومياً.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان الكرسي الأزرق جميلاً أو قبيحاً، بل كيف ينسجم مع احتياجات الواجهة البحرية والحق في الاستفادة منها.
من نيس إلى بيروت… هل يكفي استيراد الرمز؟
يحمل الكرسي الأزرق في مدينة نيس الفرنسية ارتباطاً تاريخياً بصورة الواجهة البحرية والهوية السياحية للمدينة.
ومن خلال نقل هذا الرمز إلى بيروت، سعى القائمون على المبادرة إلى خلق صلة ثقافية بين المدينتين المتوسطيتين.
وقد أوضحت الفنانة سابين جيرودي، في تصريحات صحافية، أن الهدف من العمل هو إيجاد مساحة للتلاقي، وأن النسخة اللبنانية حافظت على روح التصميم الأصلي مع إضافة عناصر محلية.
لكن نجاح الرموز الثقافية لا يتوقف على نيات صانعيها وحدها.
فالرمز الذي يكتسب معناه في مدينة معينة قد يُقرأ بصورة مختلفة تماماً عندما ينتقل إلى مجتمع آخر.
في نيس، يستحضر الكرسي الأزرق علاقة تاريخية بالكورنيش والبحر والسياحة. أما في بيروت، فقد وجد نفسه أمام جمهور يعيش ظروفاً اقتصادية واجتماعية مختلفة، ويستخدم السخرية أحياناً لمساءلة المشهد العام.
وهذا لا يلغي القيمة الفنية للمبادرة، لكنه يوضح أن استقبال الأعمال الفنية يتأثر بالسياق الاجتماعي الذي توضع فيه.
حين تتحول صورة الإنجاز إلى موضوع للجدل
تكشف قصة الكرسي الأزرق جانباً من العلاقة المعقّدة بين المؤسسات والمجتمع اللبناني.
فالمواطن لا ينظر إلى الاحتفالات الرسمية بمعزل عن تجربته اليومية مع الخدمات والمؤسسات.
وعندما تتكرر الأزمات، يصبح الجمهور أكثر حساسية تجاه طريقة استخدام الرموز والخطابات الاحتفالية، حتى عندما يكون الحدث ثقافياً ومحدود الأثر المالي.
قد يكون المشروع بالنسبة إلى منظميه تعبيراً عن الصداقة والأمل والانفتاح. لكنه بالنسبة إلى بعض المتابعين مناسبة لطرح أسئلة عن طبيعة الإنجازات التي تستحق الاهتمام الرسمي.
ولا يعني الاختلاف بين القراءتين أن إحداهما تُبطل الأخرى.
فالعمل الفني يمكن أن تكون له قيمة ثقافية، وفي الوقت نفسه يمكن انتقاد حجم الاحتفاء به أو توقيته أو طريقة تقديمه.
بل إن النقاش العام حوله قد يكون دليلاً على أن الفن قادر على إثارة أسئلة اجتماعية تتجاوز الغاية الأصلية من إنتاجه.
غير أن تحويل الانتقادات كلها إلى مجرد سخرية من الفن يتجاهل مضمونها، كما أن اختزال العمل إلى مادة للهجوم على المسؤولين يحجب إمكان مناقشة قيمته الثقافية الفعلية.
هل نحتاج إلى كرسي آخر أم إلى مفهوم مختلف للإنجاز؟
ربما لا تكمن أهمية الجدل في الكرسي نفسه، بل في السؤال الذي أثاره: ما الذي يعتبره اللبنانيون إنجازاً اليوم؟
بالنسبة إلى المؤسسات الثقافية، يمكن أن يكون إنشاء معلم فني جديد مساهمة في صورة المدينة وحياتها العامة.
أما بالنسبة إلى مواطن يواجه مصاعب معيشية يومية، فقد يرتبط الإنجاز بتحسن الخدمات أو توافر فرص العمل أو القدرة على العيش بكرامة.
وهذان المعنيان ليسا بالضرورة متناقضين.
فالمجتمع الذي يسعى إلى التعافي يحتاج إلى الفنون والمساحات الجميلة، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على معالجة المشكلات الأساسية.
ويصبح التحدي الحقيقي في الجمع بين الأمرين، بحيث لا يتحول الفن إلى بديل رمزي عن الخدمات، ولا تتحول الأزمات إلى مبرر لإقصاء الثقافة من الحياة العامة.
الخاتمة: الكرسي الذي كشف أكثر مما أراد
لم يحلّ الكرسي الأزرق أزمة اقتصادية، ولم يُقدَّم أساساً على أنه مشروع لمعالجة هذه الأزمات. لكنه نجح في إثارة نقاش اجتماعي يتجاوز حجمه ووظيفته الفنية.
فمن خلال التفاعل مع صورة واحدة، عبّر لبنانيون عن مواقف مختلفة من الفن والسلطة والأولويات العامة.
وبين من رأى في المجسّم إضافة جمالية، ومن وجد في افتتاحه مناسبة للسخرية، ظهرت مسألة أعمق تتعلق بعلاقة المواطن بالدولة وبالمعنى الذي يمنحه كل طرف لكلمة «إنجاز».
قد يصبح الكرسي الأزرق معلماً معروفاً على كورنيش بيروت، لكن الإنجاز الذي ينتظره المواطن لا يمكن قياسه بحجم المجسّمات أو عدد المشاركين في افتتاحها، بل بما يتغير فعلاً في حياته اليومية.
وفي بلد اعتاد شعبه البحث عن الاستقرار، قد يكون السؤال الأكثر تعبيراً عن اللحظة اللبنانية بسيطاً:
هل نحتفل بكرسي لا يستطيع أحد الجلوس عليه، بينما لا يزال كثيرون يبحثون عن مكان آمن يستقرون فيه؟


