آلاف المزارعين نزحوا، عشرات آلاف الهكتارات تأثرت، وخسائر الإنتاج بمئات ملايين الدولارات. خلف هذه الأرقام أزمة أعمق: ماذا يحدث عندما يعجز المزارع عن الوصول إلى أرضه موسماً بعد آخر؟ وهل تكفي التعويضات لإعادة قطاع خسر أشجاراً ومواسم وأسواقاً وسنوات من الاستثمار؟
تحقيق – المسمار
في الأرض الزراعية، لا تبدأ الخسارة دائماً عندما تحترق شجرة أو تُدمّر دفيئة.
قد تبدأ ببساطة عندما يصبح الطريق إلى الحقل خطراً.
حينها يبقى الزيتون بلا قطاف، وتتوقف أعمال الحراثة والري والتسميد، ولا تُزرع الخضار في موعدها، ويغادر العامل الزراعي، ويخسر المزارع موسماً قد يكون مصدر دخله الوحيد طوال السنة.
هذا ما يجعل قراءة أثر الحرب على الزراعة في لبنان أكثر تعقيداً من إحصاء الأراضي المحروقة والمنشآت المدمرة. فالضرر المباشر جزء واحد فقط من الصورة، بينما تمتد الخسارة إلى الإنتاج الذي لم يحدث أصلاً، والأرض التي لم تُزرع، والأشجار التي تحتاج سنوات لتعويضها، والأسر التي فقدت مصدر رزقها.
والأرقام التي ظهرت تباعاً منذ اندلاع المواجهات في تشرين الأول/أكتوبر 2023 ترسم صورة ثقيلة.
في أحدث المعطيات المنشورة على موقع وزارة الزراعة عام 2026، أُشير إلى تضرر نحو 22% من إجمالي الأراضي الزراعية في لبنان، وإلى أكثر من 17 ألف مزارع متضرر، فيما بلغت نسبة المزارعين الذين نزحوا من مناطقهم 76.7%، مقابل 23.3% بقوا في قراهم، ونحو ألفي مزارع ما زالوا في مناطق مصنفة خطرة.
لكن خلف كل نسبة سؤال أكبر:
إذا استمر المزارع بعيداً عن أرضه، فهل تبقى المشكلة خسارة موسم، أم تتحول تدريجياً إلى تهديد لبقاء الزراعة نفسها؟
من الأرض المحروقة إلى الإنتاج المفقود
في المراحل الأولى من المواجهات، كانت الأرقام تتركز بصورة أساسية على الأضرار المرئية.

في آذار/مارس 2024، تحدثت وزارة الزراعة عن قصف طال 55 بلدة، وعن أكثر من 2100 دونم احترقت بالكامل ونحو 6000 دونم من الأراضي الحرجية والزراعية المتضررة.
وفي تلك المرحلة وحدها، سجلت الوزارة نفوق نحو 340 ألف طير و970 رأساً من الماشية، وتضرر 91 خيمة زراعية و310 قفران نحل، إضافة إلى استهداف مزارع ومستودعات أعلاف.
كما تحدث وزير الزراعة آنذاك عن تضرر ما لا يقل عن 600 هكتار من الأراضي الزراعية بصورة مباشرة، منها نحو 200 هكتار بشكل كامل، وعن خسارة قرابة 60 ألف شجرة زيتون، بينها أشجار معمرة.
لكن هذه كانت صورة مبكرة للحرب.
ومع اتساع العمليات، اتسعت معها دائرة الخسارة.
أحد تقييمات الأمن الغذائي أشار إلى أن المساحات التي تأثرت بالحرائق الناتجة عن القصف في الجنوب وصلت إلى 1897 هكتاراً، وأن 63% من المزارعين واجهوا صعوبات في الوصول الآمن إلى أراضيهم، بينما اضطر 26% إلى ترك حقولهم بالكامل بسبب النزوح.
كذلك واجه 85% من الأسر الزراعية صعوبات في نقل منتجاتها، وأبلغ 72% من المزارعين عن خسائر في الدخل.
وهنا يظهر الفارق الأساسي بين الضرر والخسارة.
فالبيت البلاستيكي المدمر ضرر يمكن تصويره وحساب ثمنه. أما محصول لم يُزرع، أو زيتون لم يُقطف، أو سوق فقد مزارعوه القدرة على الوصول إليه، فهو خسارة اقتصادية تمتد إلى ما بعد لحظة القصف.
56 ألف هكتار تأثرت بخسائر الإنتاج
هذا الفارق أصبح أكثر وضوحاً في التقييمات اللاحقة.

فبحسب تقييم علمي نشرته وزارة الزراعة عام 2026، بلغت المساحة المتضررة مباشرة والتي تحتاج إلى إعادة تأهيل واستصلاح، باستثناء المحاصيل الحقلية، نحو 1380 هكتاراً.
لكن المساحة المتأثرة بـخسائر الإنتاج بلغت نحو 56,320 هكتاراً.
والسبب لم يكن تدمير كل هذه الأراضي مادياً، بل تعذر الوصول إليها، وتوقف أو تراجع النشاط الزراعي، وضياع المواسم، واضطراب سلاسل التوريد والتسويق.
وقدرت الدراسة خسائر الإنتاج الزراعي بنحو 530.5 مليون دولار.
وهذا الرقم يكشف جانباً لا يظهر عادة في صور الدمار:
يمكن أن تكون الأرض سليمة، ومع ذلك يخسر المزارع كل شيء تقريباً إذا لم يستطع الوصول إليها.
118 مليون دولار أضراراً… و586 مليوناً خسائر
التقييم المشترك الذي أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية، والذي غطى الفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قدّر الأضرار المادية الزراعية بنحو 118 مليون دولار.
لكن الخسائر الاقتصادية بلغت نحو 586 مليون دولار.
أي أن الخسائر الناتجة عن تعطّل الإنتاج والنشاط الاقتصادي كانت أكبر بكثير من قيمة الأصول التي تعرضت للضرر المباشر.
وشملت التداعيات المحاصيل والثروة الحيوانية والغابات والصيد وتربية الأحياء المائية، مع تركز الأثر بصورة خاصة في جنوب لبنان والبقاع.
وقدر التقرير احتياجات إعادة الإعمار والتعافي الزراعي بنحو 263 مليون دولار، منها 95 مليون دولار ذات أولوية لعامي 2025 و2026.
وهذا يضع الأزمة أمام معادلة مختلفة:
إعادة بناء حائط أو شراء آلة زراعية أمر ممكن نسبياً؛ أما إعادة بناء دورة إنتاج زراعية كاملة فقد تحتاج سنوات.
البنك الدولي: نحو 1.2 مليار دولار
وتتغير الأرقام بحسب الفترة الزمنية والمنهجية والقطاعات التي تدخل في الحساب.
ففي تقييم أولي نشره البنك الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قُدرت الأضرار والخسائر التي أصابت الزراعة نتيجة تدمير المحاصيل والثروة الحيوانية ونزوح المزارعين بنحو 1.2 مليار دولار.
وكان ذلك ضمن كلفة أوسع للأضرار والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب في لبنان قدرت حينها بنحو 8.5 مليارات دولار.
لذلك، من غير الدقيق صحافياً وضع أرقام 118 مليوناً و586 مليوناً و1.2 مليار دولار إلى جانب بعضها باعتبارها تقديرات متناقضة.
إنها تقديرات صادرة عن جهات مختلفة، لفترات ومنهجيات ونطاقات مختلفة.
وهذه نقطة أساسية في أي تحقيق في حجم الخسائر: لا يوجد رقم واحد قادر وحده على اختصار الكارثة الزراعية.
76.7% نزحوا: عندما يصبح المزارع بعيداً عن أرضه
أحد أخطر المؤشرات لا يتعلق بالدولار ولا بالهكتارات.

إنه النزوح.
تشير بيانات منشورة عبر وزارة الزراعة في 2026 إلى أن 76.7% من المزارعين المشمولين بالمعطيات نزحوا من مناطقهم، بينما بقي 23.3% في قراهم، مع وجود نحو ألفي مزارع في مناطق خطرة.
وفي تقييم سريع سابق أجرته FAO بالتعاون مع وزارة الزراعة بعد تصاعد الحرب في أيلول/سبتمبر 2024، أجريت مقابلات هاتفية مع 4335 أسرة زراعية في 12 قضاء، بينها بنت جبيل والنبطية ومرجعيون وحاصبيا وصور وصيدا.
الهدف لم يكن فقط معرفة حجم الدمار، بل قياس أثر النزوح على قدرة الأسر الزراعية على المحافظة على مصادر رزقها.
وهنا يصبح النزوح الزراعي مختلفاً عن النزوح في قطاعات أخرى.
الموظف قد ينتقل ـ نظرياً ـ بعمله إلى منطقة أخرى.
أما المزارع، فوسيلة إنتاجه الأساسية ثابتة في مكانها.
أرضه لا تنتقل معه.
وشجر الزيتون لا يمكن نقله إلى شقة النزوح.
حسن غزالة: الخسارة لا تتوقف عند المنشأة الزراعية

هذه المشكلة ليست جديدة على المزارعين في الجنوب، وإن كان حجم الحرب الأخيرة قد جعلها أكثر حدة.
المهندس الزراعي حسن غزالة، الذي ورد سابقاً بصفته مشرفاً على زراعات محمية في منطقة جنوب الليطاني، كان قد حذر في سياق أضرار زراعية سابقة من اختزال الخسارة بثمن الحديد والنايلون والمنشآت المتضررة، لأن الضرر يمتد إلى المواسم التي كان يفترض أن تنتجها هذه المنشآت.
وفي حديث صحافي سابق عن خسائر أصابت مزارعين في الجنوب، اعتبر غزالة أن حجم الخسائر يمكن أن يتجاوز قدرة المزارع الفردية على التحمل، داعياً الوزارات المعنية إلى إرسال متخصصين ومهندسين لإجراء تقييم ميداني تمهيداً لتعويض المتضررين.
هذه المقاربة تبدو أكثر أهمية اليوم.
فاحتساب قيمة دفيئة مدمرة أمر ممكن، لكن كيف تُحسب قيمة موسم خضار ضائع؟
وكيف يُحسب فقدان زبائن وسوق اعتاد المزارع توريده لسنوات؟
وكيف تُقدّر خسارة شجرة زيتون معمرة تحتاج الشجرة البديلة سنوات طويلة قبل أن تصل إلى إنتاج مماثل؟
هنا تصبح عملية التعويض أكثر تعقيداً من مجرد إعداد جدول بالأضرار المادية.
المشكلة لا تنتهي بوقف القصف
قد يكون الاعتقاد بأن عودة الهدوء تعني عودة المزارع إلى الإنتاج فوراً واحداً من أكثر التصورات تبسيطاً للأزمة.
المزارع العائد قد يجد أرضه موجودة، لكنه يحتاج إلى رأس مال لإعادة تشغيلها: بذور وشتول وأسمدة وأدوية ومحروقات وآلات وري وعمالة وإصلاح منشآت.
وفي الأشجار المثمرة، يصبح عامل الزمن أكثر قسوة.
الشجرة التي احتاجت سنوات حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج لا يمكن تعويضها بموسم واحد.
أما الأراضي التي تعرضت للحرائق أو أضرار أخرى فتحتاج إلى تقييم فني قبل تحديد قدرتها على العودة إلى الإنتاج.
ولهذا خلص تقييم FAO ووزارة الزراعة إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالمساعدات الطارئة، بل إعادة تأهيل الأصول الزراعية والمحاصيل الدائمة والثروة الحيوانية والمزارع والبنى التحتية، بما فيها شبكات الري والبيوت المحمية والآلات الزراعية.
من يعوض المزارع؟
هنا يصل التحقيق إلى واحدة من أكثر نقاط الملف حساسية.
ما المطلوب من الدولة: إحصاء الخسائر أم إعادة القطاع إلى العمل؟
التعويض النقدي عن الأضرار المباشرة مهم، لكنه لا يكفي وحده.
لأن مزارعاً خسر موسمين لا يحتاج فقط إلى ثمن المعدات التي تضررت، بل يحتاج أيضاً إلى تمويل يسمح له بإطلاق موسم ثالث.
ومن هنا ينبغي أن تقوم أي خطة جدية على مسارين متوازيين: تعويض الضرر المباشر من جهة، وتمويل استعادة الإنتاج من جهة أخرى.
وتشمل الأولويات العملية إجراء مسح ميداني موحد للأراضي والمنشآت، تأهيل الأراضي وشبكات الري والطرقات الزراعية، دعم شراء المدخلات والشتول، مساعدة مربي المواشي والنحل، توفير قروض أو منح تشغيلية بشروط استثنائية، ودعم تسويق الإنتاج عندما يعود.
فمن دون ذلك قد يحصل المزارع على تعويض جزئي عن خسارته، لكنه يبقى عاجزاً عن العودة إلى الإنتاج.
الأزمة مستمرة حتى في 2026
المشكلة الأشد خطورة أن القطاع لم يحصل بعد على فرصة كاملة للتعافي.
ففي بيان مشترك حديث لوزارة الزراعة وFAO وبرنامج الأغذية العالمي، أكدت الجهات الثلاث أن الزراعة، وهي مصدر أساسي للغذاء والدخل، لم تتعافَ بعد من تداعيات نزاع 2024.
وتحدث البيان عن استمرار آثار تضرر الأراضي ونزوح الأسر الزراعية وصعوبة الوصول إلى الأراضي وارتفاع تكاليف المدخلات وعدم الاستقرار الأمني واضطراب الأسواق، محذراً من أن ضياع مواسم زراعية إضافية يمكن أن يفاقم خسائر الإنتاج وانعدام الأمن الغذائي.
وهذا يعني أن الأزمة لم تعد مجرد ملف لتعويض أضرار حرب مضت.
إنها أزمة استمرارية الإنتاج الزراعي نفسه.
الجنوب ليس هامشاً زراعياً
تكتسب المسألة أهمية أكبر لأن الزراعة في الجنوب ليست نشاطاً ثانوياً بالنسبة إلى آلاف الأسر.
وكانت وزارة الزراعة قد أشارت في آذار/مارس 2024 إلى أن القطاع الزراعي يمثل مصدر دخل لنحو 70% من سكان الجنوب، مع اعتماد أسر عديدة بصورة مباشرة على الزراعة وتربية الأبقار والأغنام والنحل.
لذلك فإن خسارة المزرعة لا تعني خسارة محصول فقط.
إنها قد تعني فقدان الأسرة دخلها، وتراجع قدرة المتاجر المحلية على البيع، وانخفاض الطلب على العمال الزراعيين والنقل والتوضيب والتسويق، ثم ازدياد الاعتماد على المساعدات أو الهجرة إلى المدن أو الخارج.
وهكذا تتحول المشكلة من أزمة زراعية إلى أزمة اجتماعية وديموغرافية.
الأمن الغذائي يبدأ من قدرة المزارع على البقاء
المفارقة أن أخطر ما في الأزمة قد لا يظهر اليوم.
فالسوق يستطيع تعويض جزء من نقص الإنتاج المحلي عبر الاستيراد. لكن ذلك لا يعوض خسارة القدرة الإنتاجية المحلية.
وكلما تراجع الإنتاج، ازدادت حساسية الأمن الغذائي لتقلبات سعر الصرف وأسعار الطاقة والنقل والأسواق الدولية.
لذلك فإن حماية المزارع ليست مسألة دعم لفئة مهنية واحدة، بل جزء من حماية قدرة البلد على إنتاج جزء من غذائه.
والأرقام الحالية تعطي إنذاراً واضحاً: 56,320 هكتاراً تأثرت بخسائر الإنتاج، 530.5 مليون دولار قيمة خسائر إنتاج مقدرة في أحد التقييمات، 586 مليون دولار خسائر زراعية في تقييم FAO الأوسع للفترة بين 2023 و2024، وآلاف المزارعين الذين تعرضت مصادر رزقهم للاهتزاز.
الأرض التي لا تُزرع تخسر مرتين
في النهاية، قد تكون المشكلة أكبر من الأرقام نفسها.
الأرض الزراعية تخسر مرة عندما تُقصف أو تحترق.
لكنها تخسر مرة ثانية عندما يصبح صاحبها غير قادر على العودة إليها.
وبين الخسارتين يقف آلاف المزارعين أمام سؤال لا تستطيع الإحصاءات وحدها الإجابة عنه:
هل ستكون هناك زراعة يمكن العودة إليها بعد انتهاء الحرب؟
المطلوب، كما تظهر الوقائع، ليس فقط تعداد الأشجار المحروقة والدفيئات المدمرة وتقدير قيمتها بالدولار. المطلوب معرفة من يستطيع العودة إلى أرضه، ومن يملك المال لزراعتها من جديد، ومن خسر أدواته أو سوقه أو موسمه، ومن يحتاج إلى سنوات لا إلى أشهر كي يستعيد إنتاجه.
من هنا، يصبح ملف الزراعة في الجنوب اختباراً يتجاوز التعويضات.
إنه اختبار لقدرة الدولة على حماية مورد اقتصادي واجتماعي وغذائي، وقدرتها على منع الحرب من تحويل النزوح المؤقت للمزارعين إلى هجر دائم للأرض.
لأن السؤال الحقيقي لم يعد فقط:
كم خسرت الزراعة اللبنانية؟
بل:
كم سيكلف لبنان إذا لم يعد المزارع إلى أرضه؟


