في بلد اعتاد سكانه دفع فاتورتين للحصول على خدمة واحدة، تبدو عبارة «كهرباء أكثر استقراراً وبكلفة أقل» أكبر من مجرد وعد اقتصادي.
فخلف كل ساعة تقنين، هناك مؤسسة تحتاج إلى مولّد، وعائلة تدفع اشتراكاً إضافياً، ومريض يحتاج إلى تيار كهربائي لتشغيل جهاز طبي، ومحل تجاري يضيف تكلفة الطاقة إلى أسعار منتجاته.
ولذلك، عندما وقف رئيس الحكومة نواف سلام إلى جانب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في السراي الحكومي يوم 16 تشرين الأول 2026، كان الإعلان عن مشروع متكامل للكهرباء بمثابة خبر ينتظره كثير من اللبنانيين.
قال سلام إن لبنان وقطر اقتربا من التوصل إلى مشروع لتأهيل البنية التحتية لإنتاج الكهرباء وتطويرها، تتولى بموجبه جهات قطرية التمويل والتنفيذ والتشغيل، من دون كلفة استثمارية مسبقة على الخزينة اللبنانية.
لكنّ العبارة التي تستحق التدقيق هنا ليست «قطر ستدفع»، بل «من دون كلفة استثمارية مسبقة».
فالتمويل المسبق من جهة خاصة لا يساوي، في العقود الاستثمارية، تقديم الخدمة مجاناً طوال مدة التشغيل.
والمستثمر الذي يموّل إنشاء المعامل يحتاج إلى آلية لاسترداد أمواله وتحقيق العائد، سواء عبر بيع الطاقة أو ترتيبات مالية أخرى يتفق عليها الأطراف.
وهنا يبدأ السؤال الذي حاولت «المسمار» تفكيكه بالرجوع إلى الوثائق المنشورة: ما الالتزامات التي قد يتعهد بها لبنان مقابل الحصول على محطات جديدة دون تمويل بنائها مباشرة من الموازنة؟
ماذا تقترح الخطة القطرية فعلياً؟
في 19 تشرين الأول، كشفت وكالة رويترز تفاصيل وثيقة مؤرخة في تشرين الأول 2026، تحمل اسم «البرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة».
وبحسب ما نشرته الوكالة، يشمل المقترح إنشاء محطتين جديدتين تعملان بالغاز الطبيعي بنظام الدورة المركبة.
الأولى في دير عمار شمال لبنان، والثانية في الزهراني جنوبه، بقدرة تبلغ 825 ميغاواط لكل منهما.
وهذا يعني قدرة اسمية إجمالية مقدارها 1650 ميغاواط للمحطتين المقترحتين.
وتتضمن الخطة أيضاً تطوير 800 ميغاواط من الطاقة الشمسية، و440 ميغاواط من طاقة الرياح، وإقامة قدرات لتخزين الطاقة في البطاريات.
كما تشمل استجرار الكهرباء من سوريا، بدءاً من قدرة مقترحة تبلغ 300 ميغاواط عبر مسارين منفصلين.
لكن الأرقام المقترحة لا تعني أن جميع هذه القدرات أصبحت متاحة أو جاهزة.
فالقدرة الاسمية للمعمل لا تساوي الطاقة المنتجة فعلياً على مدار السنة، كما أن إنتاج الشمس والرياح يعتمد على الظروف الطبيعية، وعلى سلامة الشبكة والتخزين وإدارة الأحمال.
كذلك، فإن الحديث عن تنفيذ الخطة خلال ثلاث سنوات هو إطار زمني مشروط بالحصول على الموافقات وتأمين التمويل والتجهيزات، وليس موعد تشغيل مضموناً.
وأهم ما ورد في تقرير رويترز أن الخطة لا تزال بحاجة إلى موافقة الحكومتين اللبنانية والقطرية، وأنها قابلة للتعديل.
أي إننا أمام برنامج استثماري مقترح، لا مشروع مكتمل العقود والتنفيذ.
عشرون عاماً من الغاز: مَن يحدّد السعر؟
لا تقتصر الخطة على بناء المحطات.
فبحسب الوثيقة التي استندت إليها رويترز، تتضمن المبادرة اتفاقاً لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى لبنان لمدة عشرين عاماً، عبر شركة قطر للطاقة.
وتقترح إنشاء أو استخدام بنية لاستقبال الغاز المسال وتخزينه وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، بما في ذلك وحدة عائمة بطاقة تبلغ 3.5 ملايين متر مكعب يومياً، والاستفادة من خط الغاز العربي عبر سوريا بطاقة تبلغ 4.5 ملايين متر مكعب يومياً.
ويفترض المقترح أيضاً تأهيل بعض البنى القائمة وتطوير الربط اللازم لوصول الغاز إلى المعامل.
لكن ما لا تكشفه المعلومات المتاحة هو السعر الذي سيدفعه لبنان مقابل الغاز.
فهل سيُربط السعر بمؤشر عالمي للغاز الطبيعي المسال؟
أم بسعر النفط؟
وهل يتضمن العقد حداً أدنى للكميات التي يلتزم لبنان بشرائها حتى لو انخفض استهلاكه؟
وهل توجد غرامات إذا لم يتمكن لبنان من سحب الكميات المتعاقد عليها؟
هذه الأسئلة مرتبطة ببنود معروفة في أسواق الغاز، لكنها ليست إثباتاً بأن الاتفاق القطري سيعتمد أياً منها.
ولأن سعر الوقود يؤثر بصورة مباشرة في كلفة إنتاج الكهرباء، لا يمكن الحكم مسبقاً بأن الخطة ستوفر على اللبنانيين أموالاً محددة قبل إعلان صيغة تسعير الغاز وتكاليف نقله وتخزينه وإعادة تغويزه.
والأهم أن العشرين عاماً المعلنة تتعلق باتفاق الغاز المقترح، ولا يجوز اعتبارها تلقائياً مدة عقد تشغيل جميع محطات الكهرباء.
ما معنى BOT… ولمن ستكون المحطات؟
أوضح رئيس الحكومة أن نموذج المشروع هو البناء والتشغيل ونقل الملكية، المعروف اختصاراً بـBOT.
يقوم هذا النموذج، في صورته العامة، على تمويل جهة استثمارية للمشروع وإنشائه وتشغيله فترة تعاقدية، ثم نقل ملكيته أو أصول محددة منه إلى الجهة العامة وفق شروط العقد.
ومن الناحية النظرية، يتيح هذا النموذج لدولة تعاني ضائقة مالية إنشاء بنية تحتية تحتاجها من دون دفع كامل كلفتها عند البدء.
لكنّه يطرح أسئلة مالية وقانونية حاسمة.
فهل تشتري مؤسسة كهرباء لبنان كل الطاقة المنتجة من المعامل، أم الكميات التي تحتاجها فقط؟
هل يكون الدفع مقابل الكهرباء المولدة فعلياً، أم يتضمن بدلاً لقاء إبقاء المحطة جاهزة للإنتاج؟
من يتحمل مخاطر تغيّر أسعار الوقود؟
وماذا يحدث إذا لم تتمكن مؤسسة كهرباء لبنان من تسديد مستحقاتها؟
وهل تقدم الدولة ضمانات للمستثمرين أو الممولين؟
وما شروط إعادة المحطات إلى الدولة عند انتهاء مدة التشغيل؟
لا تكفي معرفة أن المشروع يعتمد BOT للإجابة عن هذه الأسئلة.
فالعقد نفسه، والملحقات المالية واتفاقيات شراء الطاقة والضمانات، هي التي تحدّد توزيع المخاطر والكلفة الفعلية على مدى السنوات.
وحتى تاريخ إعداد هذا التحقيق، لم نعثر على نسخة منشورة من اتفاق نهائي يحدد هذه العناصر في المشروع القطري المقترح.
وثيقة أقدم من الإعلان القطري
عند تتبع دور مؤسسة التمويل الدولية، ظهرت وثيقة رسمية تستحق الانتباه.
ففي 20 تشرين الثاني 2025، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية، التابعة لمجموعة البنك الدولي، أنها ستتولى دور المستشار الرئيسي للحكومة اللبنانية في إعداد وتنفيذ مشروع شراكة مع القطاع الخاص لتطوير إنتاج الكهرباء باستخدام الغاز.
وكان المشروع الذي أعلنت عنه المؤسسة يشمل تأهيل معمل دير عمار الأول، بقدرة قائمة مقدارها 465 ميغاواط، وتطوير وحدة عائمة لاستقبال الغاز وإعادة تغويزه.
كما تضمن بناء معمل دير عمار الثاني بقدرة 825 ميغاواط.
وبعد نحو أحد عشر شهراً، ظهر معمل بقدرة 825 ميغاواط في دير عمار ضمن الخطة القطرية التي كشفتها رويترز.
هذا التقاطع لا يثبت وجود عقدين متعارضين أو تمويل مزدوج.
لكنه يفتح سؤالاً استقصائياً محدداً: هل سيصبح المشروع القطري امتداداً للبرنامج الذي بدأت مؤسسة التمويل الدولية إعداده، أم سيجري تعديل نطاقه وأطرافه وهيكليته المالية؟
وهل دراسة الجدوى التي أُعدّت للمشروع السابق ستُستخدم في التفاوض الجديد؟
في تصريحه بتاريخ 16 تشرين الأول، أكد سلام أن المشروع يُحضّر بدعم من مؤسسة التمويل الدولية، ما يشير إلى وجود صلة مؤسساتية بين مسار الإصلاح السابق والمبادرة الحالية.
لكن حجم هذه الصلة ودور المؤسسة في تقييم الاتفاق النهائي يحتاجان إلى مستندات تفصيلية.
قانون الشراكة الجديد: هل تمر الصفقة بالمنافسة؟
ثمة تطور تشريعي مهم حصل قبل الإعلان القطري.
ففي 5 كانون الثاني 2026، صدر القانون رقم 31 الذي عدّل القانون رقم 48/2017 الخاص بتنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ونُشر القانون المعدّل في العدد الثالث من الجريدة الرسمية بتاريخ 15 كانون الثاني 2026.
وشملت التعديلات مشاريع القطاعات المنظمة، ومنها الكهرباء، بما لا يتعارض مع القوانين الخاصة بهذه القطاعات.
كما تناولت الدراسات الفنية والاقتصادية والتمويلية، واختيار الشريك الخاص، ونشر نتائج التقييم، وآليات الرقابة والضمانات التي يمكن توفيرها للممولين.
وينص الإطار القانوني المعدل على إجراءات تنافسية في اختيار الشريك الخاص في المشاريع التي تخضع له.
هنا يظهر سؤال قانوني أساسي.
إذا نُفّذ الاتفاق القطري من خلال شراكة بين القطاعين العام والخاص، فما الإجراءات التي ستُستخدم لاختيار شركات التنفيذ والتشغيل؟
وهل تُطرح المشاريع على أساس المنافسة، أم ضمن ترتيبات خاصة باتفاق بين دولتين؟
وفي حال اعتماد ترتيبات حكومية خاصة، ما سندها القانوني، وكيف ستُحفظ قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص وحماية المال العام؟
لا نستطيع الجزم مسبقاً بأن نموذجاً واحداً سيُطبّق على جميع مكونات الخطة، أو أن أي إجراء استثنائي سيكون مخالفاً.
لكنّ نشر الأساس القانوني لكل مكوّن، وطريقة اختيار المستثمر، ودراسة الجدوى، بات أمراً ضرورياً لتقييم المشروع.
من المستفيد التجاري؟
خلال المؤتمر الصحافي المشترك، أعلن رئيس الوزراء القطري أن شركة قطر للطاقة اتفقت مع شركة توتال إنرجيز الفرنسية على التطوير المشترك لمحطة للطاقة الشمسية في لبنان.
وأوضح أن المشروع جزء أولي من توجه أوسع إلى شراكة في قطاع الطاقة.
وهذا الإعلان يؤكد أن المبادرة تتضمن استثمارات تجارية، وليس مساعدات حكومية مجانية بالكامل.
فالشركات المشاركة تسعى، بصورة مشروعة في الأصل، إلى تحقيق عائد على استثماراتها.
لكن من الضروري الفصل بين الجهات التي أعلنت مشاركتها في تطوير مشروع شمسي وبين الشركات التي قد تتولى بناء محطات الغاز أو تشغيلها.
إذ إن الإعلان عن تعاون قطر للطاقة وتوتال إنرجيز في محطة شمسية لا يثبت أنهما حصلتا على جميع عقود الخطة.
كما نقلت تقارير إعلامية عن مصادر غير مسماة احتمال مشاركة شركة UCC القطرية في تنفيذ أجزاء من المشروع، لكن ذلك لا يساوي قرار تلزيم نهائياً منشوراً.
المطلوب هو قائمة رسمية بالأطراف الاستثمارية، وشركات المشروع، وطبيعة كل اتفاق، وآلية اختيار الشركاء.
أرض الجيش والطاقة الشمسية
أعلن وزير الطاقة جو الصدي، في حديث إعلامي بتاريخ 16 تشرين الأول، أن من المشاريع المطروحة محطة شمسية تعتزم قطر للطاقة تنفيذها على أرض مخصصة للجيش اللبناني بقدرة تتراوح بين 100 و150 ميغاواط.
وأشار إلى أن هذا المشروع أُقرّ في مجلس الوزراء.
لكن هذا الإعلان يحتاج إلى استيضاح مختلف عن مشروعَي دير عمار والزهراني.
فأرض الدولة، أو الأرض الموضوعة في تصرف مؤسسة عامة، ليست مجرد تفصيل جغرافي.
ويفترض أن تُحدّد المستندات طبيعة الحق الذي يحصل عليه المستثمر لاستخدامها، ومدته، وأي بدلات مالية أو حقوق انتفاع، ومصير المنشآت عند انتهاء المشروع.
كما ينبغي معرفة العلاقة بين هذه المحطة الشمسية المحددة والخطة الأوسع التي تتحدث عن 800 ميغاواط من الطاقة الشمسية.
فليس صحيحاً افتراض أنهما مشروع واحد أو أن القدرة الأولى تُضاف حكماً إلى الثانية من دون الاطلاع على الخطة المعتمدة.
هل تصل الكهرباء الجديدة إلى البيوت؟
إنشاء معامل إنتاج إضافية لا يضمن وحده إيصال الكهرباء بصورة مستقرة إلى المستهلك.
فالنظام الكهربائي يحتاج أيضاً إلى شبكة نقل وتوزيع قادرة على استيعاب الإنتاج، ومراكز تحكم حديثة، وعدادات وجباية، وصيانة، وحدّ من الهدر.
وفي تشرين الأول 2024، وافق البنك الدولي على مشروع بقيمة 250 مليون دولار لدعم الطاقة المتجددة وتعزيز الشبكة الكهربائية في لبنان.
كما شهد العام 2025 تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، بعد انتظار طويل منذ صدور القانون 462/2002.
هذه مسارات إصلاح مهمة، لكنها منفصلة إدارياً ومالياً عن المشروع القطري إلى أن تظهر وثائق تثبت خلاف ذلك.
وأي دراسة جدوى شاملة للمشروع الجديد يجب أن تأخذ في الاعتبار قدرة الشبكة على نقل الكهرباء، وتكلفة الإصلاحات المطلوبة، وجدول تنفيذها.
وإذا ارتفع الإنتاج من دون أن تتحسن الجباية والخسائر الفنية وغير الفنية، فقد تبقى مؤسسة الكهرباء عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية رغم زيادة القدرة الإنتاجية.
ومن هنا، لا بدّ من معرفة ما إذا كانت خطة قطر تتضمن تمويلاً فعلياً للبنية التحتية المرتبطة بالشبكة، وكيف ستُنسّق مع مشاريع البنك الدولي القائمة.
ماذا عن فواتير المواطنين؟
بالنسبة إلى المواطن اللبناني، قد تبدو تفاصيل ضمانات المستثمرين بعيدة عن حياته اليومية.
لكنّها قد تؤثر في النهاية على فاتورته.
إذا اتفقت الدولة على شراء الكهرباء بسعر مرتفع، أو التزمت بكميات تفوق الحاجة، فقد تنعكس هذه الشروط على مالية المؤسسة أو على متطلبات الدعم أو التعرفة.
أما إذا نجحت في تأمين طاقة منتظمة بكلفة أقل من الإنتاج الحالي والمولدات الخاصة، فقد يستفيد المستهلك والاقتصاد من تراجع الكلفة الإجمالية للحصول على الكهرباء.
لكنّ النتيجة لا تُحسم بالنوايا.
فالاختبار الحقيقي هو مقارنة الكلفة الكاملة للكهرباء الناتجة عن المشروع، بما فيها الوقود والنقل والتشغيل والضمانات وتكاليف الشبكة، بالبدائل الممكنة.
ويُضاف إلى ذلك سؤال اجتماعي: هل يمكن تحسين التغذية بصورة متوازنة في جميع المناطق، أم سيبقى بعض المشتركين يدفعون ثمن الشبكة العامة والمولدات معاً؟
فالقدرة الجديدة، إذا تحققت، ستكون ذات قيمة فقط بقدر ما تتحول إلى خدمة فعلية يمكن للمواطن دفع ثمنها.
الزهراني… لماذا يهمّ الجنوب تحديداً؟
يضع المقترح القطري منطقة الزهراني في جنوب لبنان ضمن المواقع الأساسية لمحطات الغاز الجديدة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في منطقة تعاني آثار الحرب وتضرر البنى التحتية وتراجع النشاط الاقتصادي.
فالمعمل الجديد، إذا أُقر ونُفّذ، قد يخلق أعمالاً إنشائية وفرصاً مرتبطة بالتشغيل والصيانة والخدمات.
لكنّ الإعلان عن القدرة الكهربائية لا يكفي لمعرفة أثره المحلي.
يحتاج سكان المنطقة إلى معلومات حول الموقع الدقيق للمشروع، والمساحة التي سيشغلها، والآثار البيئية، ونوعية الانبعاثات، واحتياجات المياه والتبريد، وتدابير السلامة.
كما ينبغي معرفة ما إذا كانت هناك دراسات لتقييم الأثر البيئي والاجتماعي، وكيف ستُنشر نتائجها، وما فرص مشاركة المجتمع المحلي فيها.
ولا يمكن القول إن المشروع سيفيد المنطقة اقتصادياً أو سيضرّها بيئياً بصورة محددة من دون هذه الدراسات.
لكن من حق السكان معرفة ما يُخطَّط لإقامته في محيطهم قبل بدء التنفيذ، لا بعد وصول المعدات.
ماذا تغيّر في 21 تشرين الأول؟
بعد خمسة أيام من الإعلان المشترك، أكد وزير الطاقة جو الصدي أن الاجتماعات الفنية بين الجانبين اللبناني والقطري مستمرة بصورة مكثفة، وأن العمل يركز على التفاصيل التقنية من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي.
ولم يحدد موعداً للتوقيع.
وهذا التصريح يؤكد أن المسار لم يصل بعد إلى عقد تنفيذي شامل معلن.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار محطتي الغاز أو اتفاق العشرين عاماً التزامات نافذة ونهائية لمجرد ظهور تفاصيلها في وثيقة مقترحة.
وهنا تكمن فرصة التدقيق قبل التوقيع.
فكلما جرى نشر الدراسات والشروط المالية مبكراً، أصبحت المقارنة بين البدائل ممكنة، وأمكن تدارك المخاطر قبل أن تتحول إلى التزامات طويلة الأجل.
سبعة أسئلة يجب أن تجيب عنها الحكومة
في ضوء الوثائق المنشورة، تتحدد الأسئلة الأساسية التي تحتاج إلى إجابات رسمية:
أولاً: ما القيمة الاستثمارية الإجمالية للمشروع، وكيف ستوزّع على محطات الغاز والطاقة المتجددة والبنية التحتية؟
ثانياً: ما مدة عقود التشغيل وشراء الطاقة، وما الأسعار أو الصيغ التي ستُعتمد لاحتساب المدفوعات؟
ثالثاً: هل ستقدّم الدولة أو مؤسسة كهرباء لبنان ضمانات مالية أو سيادية، وما الالتزامات التي قد تنشأ عنها؟
رابعاً: ما الجهة التي ستختار شركات التنفيذ والتشغيل، وبموجب أي قانون وإجراءات تنافسية أو اتفاقات خاصة؟
خامساً: كيف تتقاطع الخطة الجديدة مع المشروع الذي بدأت مؤسسة التمويل الدولية إعداده لدير عمار عام 2025؟
سادساً: ما الصيغة القانونية لاستخدام الأراضي المخصصة للمشاريع الشمسية، وكيف ستُنظم حقوق الملكية والانتفاع ونقل الأصول؟
سابعاً: ما الأثر المتوقع على فاتورة المشترك، وكيف ستُقاس الوفورات الموعودة بصورة مستقلة وقابلة للتحقق؟
حتى الآن، لا تتيح الوثائق المتاحة الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة كلها.
بين فرصة الإصلاح ومخاطر العقود الطويلة
لا يوجد في المعلومات التي راجعتها دليل يثبت وجود صفقة فساد أو تلاعب في المشروع القطري.
كما لا يوجد ما يبرر رفض المبادرة لمجرد أن شركات أجنبية ستتولى التمويل والتشغيل.
فلبنان يحتاج فعلاً إلى استثمارات في إنتاج الكهرباء وإصلاح بنيته التحتية، بعد سنوات طويلة من الانقطاع والهدر وتراكم الأزمات.
لكن الحاجة إلى الاستثمار لا تُلغي الحاجة إلى نشر شروطه.
والاتفاق الناجح ليس بالضرورة الاتفاق الذي لا تدفع الدولة شيئاً عند توقيعه، بل الذي يحقق كلفة عادلة وخدمة مستقرة ويوزّع المخاطر بطريقة لا تنقل أعباء غير مدروسة إلى الأجيال المقبلة.
فالقرض غير المعلن ليس النتيجة الحتمية لأي عقد BOT، كما أن الربح المشروع للمستثمر ليس دليلاً على هدر المال العام.
المعيار هو ما سيُكتب في العقود، وما ستكشفه دراسة الجدوى، وما إذا كانت هناك رقابة مستقلة ومنافسة وإفصاح عن الالتزامات طويلة الأجل.
في لبنان، لا يحتاج المواطن إلى وعد جديد بأن الكهرباء آتية فحسب. يحتاج إلى معرفة كم سيدفع للحصول عليها، ومَن سيتقاضى الثمن، وما الذي ستملكه الدولة في نهاية الطريق.
ولذلك، يبقى السؤال الذي يطرحه «المسمار»:
إذا كانت قطر ستدفع كلفة إنشاء الكهرباء اليوم، فمَن سيدفع ثمنها غداً… وبأي شروط؟


