من شواطئ بيروت إلى مرسيليا وباليرمو وإزمير، تتبع الفنانة اللبنانية ليلي أبي شاهين مياه البحر المتوسط، لا لتصوّر جماله، بل لتسأل عمّن يملك الحق في عبوره. في معرض «بحرنا» الذي يفتتح في متحف سرسق، تتحول الأساطير القديمة والقوانين الحديثة والجسد البشري إلى أدوات لفهم بحر يجمع الشعوب ويفصل بينها في الوقت نفسه. لكنّ السؤال الأعمق يتجاوز العمل الفني: كيف أصبح فضاء ارتبط بالتجارة والتبادل الثقافي والهجرة مساحة للحدود والمراقبة والموت؟ وماذا يستطيع الفن أن يكشف مما تخفيه الخرائط؟

صياد يقول إن البحر يسافر… وفنانة تحوّل الجملة إلى مشروع
تبدأ الحكاية من جملة بسيطة نقلتها ليلي أبي شاهين عن أحد الصيادين: «البحر المتوسط يسافر».
قد تبدو العبارة توصيفًا شاعريًا لطبيعة المياه وحركتها. لكنها أصبحت نقطة انطلاق مشروع فني وبحثي مستمر منذ عام 2021، تتنقل فيه الفنانة بين مدن تقع على سواحل البحر نفسه، وتعيش تحت أنظمة سياسية وقانونية مختلفة.
في السادس من تشرين الثاني 2026، تستقبل قاعتا العرض المتجاورتان في الطابق الأرضي من متحف سرسق ببيروت معرضها الفردي «Mare Nostrum»، الذي أشرفت على تقييمه الفني ياسمين حلو.
يستمر المعرض حتى 21 شباط 2027، ويعيد تقديم مشروع اشتغلت عليه أبي شاهين في مدن بينها باليرمو الإيطالية وإزمير التركية ومرسيليا الفرنسية وبيروت.
المفارقة التي يقوم عليها المشروع واضحة: المياه تتحرك وتتصل ببعضها، لكنّ البشر الذين يعيشون على ضفافها يخضعون لحدود وقوانين مختلفة.
ومن هنا، لا تتعامل الفنانة مع البحر بوصفه مشهدًا طبيعيًا يمكن تأمله من بعيد، بل بوصفه مساحة سياسية وتاريخية وقانونية.
فالساحل الذي يراه الصياد امتدادًا لحياته اليومية قد تنظر إليه الدولة بوصفه حدودًا، والمهاجر بوصفه طريقًا، وشركات التجارة بوصفه ممرًا اقتصاديًا، والفنان بوصفه أرشيفًا متحركًا للقصص.
لكن هل تكفي هذه الرؤى المختلفة لفهم البحر كله؟
ليلي أبي شاهين… من قاعة المحكمة إلى خشبة المسرح
ليست العلاقة بين القانون والفن لدى ليلي أبي شاهين مجرد فكرة اختارتها لمعرض واحد.
فالفنانة المولودة في بيروت عام 1985 درست القانون في جامعة القديس يوسف، ثم في جامعة باريس ديكارت، وعملت في الاستشارات والأبحاث القانونية بين لبنان وفرنسا وهولندا.

لاحقًا، درست الفنون الأدائية في جامعة باريس الثامنة، وبدأت تطوير ممارسة فنية تجمع بين البحث والمحاضرة الأدائية والفيديو والتركيب الفني.
وهذا المسار يفسّر جانبًا من خصوصية أعمالها.
فهي لا تستخدم القانون باعتباره موضوعًا خارجيًا تضيف إليه صورة أو عرضًا، بل تحاول مساءلة الطريقة التي ينتج بها القانون مفاهيم المكان والملكية والسلطة والحقوق.
ظهرت هذه الاهتمامات في أعمال سابقة، منها «Exquisite Corpse» عام 2021 و«Abjad Hawwaz: How I Was Destroyed By a Mall Thrice» عام 2022، الذي تناول قضايا التخطيط العمراني وإعادة الإعمار في بيروت.
وفي مشروع «بحرنا»، تنتقل الأسئلة من المدينة إلى الجغرافيا البحرية.
فالحدود التي تظهر على الخريطة خطوطًا واضحة لا تمتلك وجودًا ماديًا مماثلًا داخل المياه.
لكنها تحدد صلاحيات الدول، وتنظيم الملاحة، واستغلال الموارد، وشروط الدخول إلى أراضيها.
وهنا تحاول الفنانة تحويل المفاهيم القانونية المجردة إلى تجارب جسدية وبصرية يستطيع الجمهور التفاعل معها.
امرأة مربوطة بحجر… عندما تصبح الأسطورة حكاية معاصرة
في عام 2021، قدمت أبي شاهين بمدينة باليرمو الإيطالية عملًا أدائيًا بعنوان «Choreography for a Woman and a Stone»، أي «كوريغرافيا لامرأة وحجر».
استند العمل إلى إعادة قراءة أسطورة سيزيف الإغريقية، الشخصية التي حُكم عليها بدفع صخرة إلى أعلى الجبل بصورة متكررة.
لكنّ أبي شاهين غيّرت موقع الشخصية في الحكاية.
فبدل الرجل الذي يدفع الصخرة، أصبحت هناك امرأة تتحرك بصورة دائرية، مربوطة بحبل إلى حجر موضوع في مركز مساحة أداء تبلغ ثمانية أمتار في ثمانية.
لمدة تقارب أربعين دقيقة، تواصل المرأة الحركة، بينما يحدد الحجر مسارها وحدود حريتها.
لا يعود الحجر مجرد جسم ثقيل، بل يتحول إلى مركز ثابت تتحرك حوله شخصية لا تستطيع الابتعاد عنه بالكامل.
ويمكن قراءة العمل بوصفه تأملًا في القيود المتكررة والعلاقة بين الجسد والمكان والسلطة.
لكنّ أهميته الفنية لا تكمن في تحويل الأسطورة القديمة إلى رسالة سياسية مباشرة.
إنها تكمن في جعل المشاهد يختبر معنى التكرار والجهد والارتباط المكاني من خلال الزمن والحركة، بدل الاكتفاء بسماع شرح نظري عنهما.
في هذا العمل، لا تُعرض الحدود على خريطة.
بل يُعاد إنتاج شعور التقييد بواسطة الحبل والحجر والجسد.
وهذه إحدى الإمكانات الخاصة للفنون الأدائية: تحويل مفهوم مجرد إلى تجربة محسوسة، من دون الادعاء بأن التجربة تماثل واقع الأشخاص الذين يواجهون القيود القانونية أو النزوح في حياتهم.
لماذا تعود الأساطير الإغريقية إلى شواطئ المتوسط؟
لم تتوقف أبي شاهين عند أسطورة سيزيف.
ففي عام 2022، قدمت عمل «Secrets of the Infinite Sea» في مدينة بريمن الألمانية، ضمن سلسلة «بحرنا»، مستعيدة شخصية بروميثيوس من الميثولوجيا الإغريقية.
واصلت الفنانة لاحقًا تطوير هذا المسار في أعمال أدائية وبحثية أخرى، بينها «Tantalus Cries» في أثينا عام 2026.

لكن ما الذي يجعل الأساطير القديمة مناسبة للحديث عن الحدود الحديثة؟
الإجابة ترتبط بالطريقة التي عملت بها الأسطورة تاريخيًا.
فهي لم تكن دائمًا حكاية خيالية للتسلية، بل ساهمت في تفسير العالم وتنظيم العلاقات بين البشر والآلهة والطبيعة والسلطة، قبل تطور النظم القانونية الحديثة بأشكالها المعروفة.
وعندما تعيد الفنانة استخدام هذه القصص، فهي لا تحاول إثبات أنها وقائع تاريخية، بل تختبر قدرتها على طرح أسئلة معاصرة.
مَن يعاقب؟ ومَن يملك سلطة تحديد المصير؟ وما الذي يجعل الإنسان مرتبطًا بمكان لا يستطيع مغادرته؟
لكنّ استخدام الأساطير يحمل أيضًا تحديًا فنيًا.
فقد يتيح قراءة عميقة للتجربة الإنسانية، لكنه قد يحوّل الوقائع السياسية المعاصرة إلى رموز عامة إذا ابتعد كثيرًا عن تاريخها وأصحابها.
ولهذا، فإن قوة العمل تتوقف على قدرته على الربط بين الأسطورة والسياق المعاصر، من دون أن يذيب الفروق بينهما.
البحر الذي لا نراه على الخرائط
تفتح الأسئلة الفنية لأبي شاهين بابًا لفهم جانب من القانون الدولي للبحار.
فبحسب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمكن للدولة الساحلية أن تحدد بحرها الإقليمي حتى مسافة لا تتجاوز 12 ميلًا بحريًا، تمارس فيها سيادتها وفق القيود والقواعد الدولية المعمول بها.
كما تنظم الاتفاقية ما يُعرف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، التي يمكن أن تمتد حتى 200 ميل بحري من خطوط الأساس، وتتمتع الدولة الساحلية فيها بحقوق سيادية محددة تتعلق بالموارد والأنشطة الاقتصادية، لا بسيادة مطلقة مماثلة للبحر الإقليمي.
هذه الفروق أساسية.
فالمياه لا تتحول بمجرد رسم الخطوط إلى أملاك خاصة للدول بالمعنى المبسط الذي قد توحي به الخرائط.
بل تخضع لمسارات قانونية مختلفة تنظم الحقوق والواجبات والحريات.
وفي المتوسط تحديدًا، تتداخل المطالبات والمصالح البحرية نتيجة قرب السواحل وكثرة الدول المطلة عليه.
لكنّ الفنانة تطرح سؤالًا يتجاوز التقسيم القانوني: ماذا يحدث إذا بدأنا التفكير في البحر باعتباره فضاءً متصلًا، بدل اعتباره امتدادًا للحدود البرية؟
هذا سؤال فني وفلسفي، وليس اقتراحًا قانونيًا مكتملًا لإلغاء الحدود البحرية.
ولا ينبغي الخلط بينه وبين ادعاء أن البشر يستطيعون الانتقال بحرية مطلقة بين الدول وفق القانون الحالي.
فالتنقل والدخول إلى الأراضي يخضعان لقواعد تختلف عن حرية الملاحة أو حقوق الدول في موارد البحار.
لكنّ قدرة الفن على طرح سؤال من خارج الأطر القانونية المعتادة قد تساعد الجمهور على فهم أن هذه الأطر نتاج تاريخ سياسي وقانوني، وليست جزءًا طبيعيًا من حركة المياه نفسها.
المتوسط… بحر تجارة أم مقبرة للمهاجرين؟
من الصعب اليوم الحديث عن المتوسط بوصفه فضاءً للتواصل الثقافي من دون التوقف عند طرق الهجرة التي تعبره.
فالبحر الذي حمل التجارة والأفكار واللغات بين ضفافه أصبح أيضًا واحدًا من أخطر مسارات الهجرة غير النظامية.
وفي تقرير نشرته المنظمة الدولية للهجرة في 17 أيلول 2026، أعلنت أن أعداد الوافدين بحرًا إلى أوروبا تراجعت بنحو 39% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
لكنّ الوفيات وحالات الفقدان ارتفعت.
فحتى 15 أيلول، أحصت المنظمة ما لا يقل عن 2292 شخصًا توفوا أو فُقدوا أثناء محاولات الوصول بحرًا إلى أوروبا عبر مسارات المتوسط والأطلسي، مقارنة بـ1999 خلال الفترة المقابلة من عام 2025.
من المهم التوضيح أن الرقم يشمل المسارين المتوسطي والأطلسي معًا، وليس البحر المتوسط وحده.
كما أن الأرقام تمثل الحالات المسجلة، وقد تكون الخسائر الفعلية أعلى بسبب حوادث لا تُوثق بالكامل.
هذه المعطيات لا تعني أن معرض «بحرنا» يوثّق هذه الحالات بعينها، ولا أن الفنانة اعتمدت هذه الأرقام ضمن أعمالها.
لكنها تبيّن السياق المعاصر الذي يستقبل فيه الجمهور مشروعًا يطرح أسئلة عن الحدود وحرية الحركة.
فبينما تستطيع سفن الشحن والسلع عبور طرق تجارية واسعة ضمن أنظمة منظمة، قد يواجه أشخاص يبحثون عن الحماية أو فرص الحياة مخاطر كبيرة أثناء الانتقال عبر البحر.
وهنا تتجلى المفارقة التي يمكن للفن أن يجعلها مرئية.
فالخطوط نفسها التي تُظهر طرق الملاحة والحدود القانونية قد تخفي قصصًا إنسانية مختلفة تمامًا.
«بحرنا»… لكن مَن المقصود بكلمة «نا»؟
يحمل عنوان المعرض معنى تاريخيًا يتجاوز ترجمته المباشرة.
فعبارة «Mare Nostrum» لاتينية تعني «بحرنا»، وقد استخدمها الرومان للإشارة إلى البحر المتوسط.
وتحمل العبارة دلالات متعددة، ارتبط بعضها بالنفوذ الروماني في المنطقة، بينما استخدمت أيضًا بوصفها توصيفًا جغرافيًا لبحر تتشارك ضفافه شعوب مختلفة.
وفي العصر الحديث، أعادت إيطاليا استخدام الاسم في عملية بحرية أُطلقت في 18 تشرين الأول 2013، وكانت تهدف إلى إنقاذ الأرواح ومكافحة تهريب البشر في البحر المتوسط.
وانتهت العملية في 31 تشرين الأول 2014، بحسب البحرية الإيطالية.
لا يعني تشابه الاسم أن مشروع أبي شاهين مرتبط تنظيميًا بتلك العملية.
لكنه يمنح العنوان طبقة إضافية يمكن من خلالها قراءة العلاقة بين اللغة والملكية والسلطة.
فعندما نقول «بحرنا»، من يدخل ضمن ضمير الجماعة؟
هل هو بحر سكان الضفة الشمالية؟ أم الجنوبية؟ أم جميع المجتمعات التي تعيش حوله؟
وهل يمكن الحديث عن بحر مشترك عندما تختلف حقوق الحركة والحماية والموارد بين الأشخاص والدول؟
لا تقدم العبارة إجابة واحدة.
وهذه المساحة المفتوحة للتأويل هي ما يمنح العنوان قيمته النقدية.
القانون لا يمنح الماء جواز سفر… لكنه يفرض واجب الإنقاذ
إلى جانب القواعد التي تنظّم المناطق البحرية، يفرض القانون الدولي واجبات تتعلق بإنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر في البحر.
فتنص المادة 98 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على التزامات مرتبطة بتقديم المساعدة للأشخاص المعرضين للهلاك في البحر، ضمن الشروط القانونية ذات الصلة.
كما تهدف الاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ البحري لعام 1979 إلى تنظيم التعاون بين الدول في عمليات الإنقاذ.
وفي أيار 2026، أعلنت المنظمة البحرية الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغرفة الشحن الدولية تحديث دليل يتعلق بإنقاذ المهاجرين واللاجئين في البحر وإنزالهم في أماكن آمنة.
وتكشف هذه القواعد أن العلاقة بين القانون والبحر ليست محصورة في السيادة والموارد والمنع.
فالقانون نفسه يتضمن التزامات تتعلق بحماية الحياة البشرية.
لكنّ وجود النصوص لا يحسم تلقائيًا جميع الخلافات المتعلقة بكيفية تطبيقها، أو بتحديد الجهات المسؤولة عن التنسيق والإنزال الآمن.
وهذا أحد المجالات التي يستطيع الفن مساءلتها من منظور مختلف عن التقرير القانوني.
فهو لا يحدد مسؤولية دولة في حادثة معينة، لكنه يستطيع أن يدفع المشاهد إلى التفكير في المسافة بين القاعدة القانونية والتجربة الإنسانية التي يُفترض أن تحميها.
من معرض فني إلى نقاش عام… أين تنتهي وظيفة الفن؟
لا يُطلب من ليلي أبي شاهين أن تحل أزمة الهجرة في المتوسط، أو أن تضع بديلًا لقانون البحار.
فالفنان ليس مشرّعًا، والعمل الفني ليس محكمة دولية.
لكنّ الفن يستطيع القيام بوظيفة مختلفة: أن يجعل الأفكار التي تبدو بديهية موضوعًا للسؤال.
فالخريطة التي نستخدمها يوميًا قد تبدو أداة محايدة لوصف العالم، لكنها تتضمن اختيارات متعلقة بطريقة تقسيم المكان وتسميته وتمثيله.
والحدود التي تظهر كخطوط صغيرة قد تكون لها آثار كبيرة في حياة الأشخاص.
والأسطورة التي نتعامل معها بوصفها حكاية قديمة قد تكشف، بعد إعادة قراءتها، تصورات مستمرة عن العقاب والسلطة والمصير.
مع ذلك، فإن هذه القدرة النقدية ليست مضمونة بمجرد اختيار موضوع سياسي.
فالعمل الفني يحتاج إلى لغة بصرية وتجربة متماسكة، وإلى معالجة تسمح للمشاهد بأن يفكر لا أن يتلقى شعارًا جاهزًا.
ولا يمكن الحكم على نجاح معرض أبي شاهين النهائي في تحقيق هذه الأهداف من خلال البيان الصحافي وحده.
فذلك يحتاج إلى مشاهدة الأعمال المعروضة، ودراسة العلاقة بينها، والاستماع إلى تفسير الفنانة والقيّمة الفنية، ثم تقييم التجربة بصورة مستقلة.
لكنّ المشروع كما تقدمه مصادره الرسمية يفتح مجالًا مهمًا لالتقاء البحث القانوني بالفن المعاصر.
بيروت أمام البحر نفسه… ولكن بأي ذاكرة؟
تكتسب عودة «بحرنا» إلى بيروت دلالة خاصة، لأنها إحدى المدن التي تشكّل جزءًا من مسار المشروع نفسه.
فالمدينة ليست مجرد محطة جغرافية على الساحل الشرقي للمتوسط.
إنها مدينة ارتبط تاريخها بالمرفأ والتجارة والهجرة والتحولات العمرانية والحروب، وتعيد باستمرار التفاوض على علاقتها بالبحر.
وقد سبق أن تناولت أبي شاهين قضايا التخطيط العمراني والذاكرة داخل العاصمة اللبنانية، قبل توسيع أبحاثها إلى مدن متوسطية أخرى.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة المعرض بوصفه محاولة للانتقال من ذاكرة مدينة واحدة إلى فضاء أوسع، تتقاطع فيه المدن رغم اختلاف تاريخها وأنظمتها السياسية.
لكنّ المشروع لا يدعو بالضرورة إلى محو خصوصيات هذه المدن.
فبيروت ليست مرسيليا، وباليرمو ليست إزمير، وتجارب سكانها مع البحر والحدود والهجرة ليست متطابقة.
وقد تكمن أهمية المقارنة في الاعتراف بهذه الاختلافات، بدل استخدام وحدة المياه لإنتاج تصور رومانسي عن منطقة منسجمة لم تعرف النزاعات.
فالترابط الجغرافي لا يلغي التفاوت السياسي والاجتماعي.
كما أن البحر الواحد يستطيع أن يكون مجالًا للفرص بالنسبة إلى بعض الأشخاص، ومصدرًا للخطر بالنسبة إلى آخرين.
البحر الذي يصلنا… والحدود التي تفصلنا
ربما تكمن قوة الفكرة التي ينطلق منها «بحرنا» في بساطتها.
فالمياه لا تحمل جنسية، ولا تقف عند خطوط الخرائط.
لكنّ البشر الذين يعيشون على ضفافها يُصنّفون قانونيًا وفق الجنسية والإقامة والحدود وحقوق الدخول والحماية.
وهذه المفارقة ليست اكتشافًا علميًا جديدًا، بل حقيقة سياسية وقانونية يستطيع الفن إعادة طرحها بطريقة تجعلها محسوسة.
ومن خلال الحجارة والأجساد والأساطير والسرديات البحرية، تحاول ليلي أبي شاهين أن تفتح مجالًا للتفكير في معنى المكان الذي نتشاركه من دون أن نتشارك بالضرورة الحقوق نفسها داخله.
ولا يعني ذلك أن الفن قادر وحده على تغيير القوانين أو إزالة الحدود.
لكنه قد يجعلنا ننظر إلى الأشياء التي اعتدنا قبولها كما لو كانت طبيعية، ونسأل كيف أصبحت على هذا النحو.
في النهاية، لا تكمن أهمية السؤال في أن البحر يستطيع السفر من دون جواز، بل في أن الإنسان الذي صنع الخرائط والقوانين قد يجد نفسه عاجزًا عن عبور المسافة التي تقطعها المياه كل يوم.
ومن بيروت، تطلب منا ليلي أبي شاهين أن ننظر إلى المتوسط بطريقة مختلفة: ليس فقط بوصفه البحر الذي يفصل القارات، بل بوصفه مكانًا تتكشف فيه حدود القوة والذاكرة والحق في الحركة.
فربما لا تكون القضية مَن يملك البحر… بل مَن يستطيع الوصول إلى ضفته الأخرى، ومَن لا يصل أبدًا.


