تخيّل أن تطلب مؤسسة عربية من نظام ذكاء اصطناعي تحليل آلاف الشكاوى التي تلقتها من المواطنين، بهدف معرفة أكثر المشكلات إلحاحاً. يبدأ النظام بقراءة النصوص، وتصنيفها، واستخراج الكلمات المتكررة، ثم يقدّم تقريراً منسّقاً بالأرقام والرسوم البيانية.
تبدو العملية دقيقة وسريعة، وربما أكثر كفاءة من مراجعة الشكاوى يدوياً. لكن ماذا يحدث إذا كان النظام لا يفهم بعض التعابير المحلية؟ أو إذا اعتبر السخرية تعبيراً عن الرضا؟ أو فشل في التمييز بين لهجتين تحمل فيهما الكلمة نفسها معنيين مختلفين؟
عندها لن تكون المشكلة مجرد خطأ في الترجمة، بل قد تصبح خطأ في تحليل البيانات، وربما في القرار الذي يُبنى على ذلك التحليل.
هذه ليست واقعة موثّقة عن مؤسسة بعينها، بل مثال افتراضي يوضح مشكلة حقيقية تواجه تطوير الذكاء الاصطناعي باللغة العربية: كيف يمكن للآلة أن تحلل مجتمعاً لا تعكس البيانات المتاحة عنه تنوع لغته وثقافته وتجربته اليومية؟
وفي وقت يتسابق فيه العالم على تطوير نماذج أكثر قدرة على التفكير والتحليل والإنتاج، يبرز سؤال يستحق اهتماماً عربياً يتجاوز الاحتفاء بالتكنولوجيا الجديدة:
هل نشارك فعلاً في بناء المعرفة التي يتعلّم منها الذكاء الاصطناعي، أم نكتفي باستخدام أنظمة بُني جزء كبير من معرفتها في سياقات أخرى؟
0.7%… رقم يكشف فجوة أكبر من اللغة
في تشرين الأول 2026، أصدر البنك الدولي تقريره الاقتصادي الإقليمي بعنوان «من الانقسام إلى الفرص: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو»، متناولاً إمكانات الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان.
ومن أبرز ما أورده التقرير أن العربية، التي يتحدث بها أكثر من 500 مليون شخص وفق تقديره، لا تمثّل سوى نحو 0.7% من روابط صفحات الويب في البيانات التي يستند إليها.
يعتمد هذا المؤشر على إحصاءات مشروع Common Crawl، الذي يجمع صفحات متاحة على شبكة الإنترنت ويصنّف لغتها الأساسية.
والرقم صادم إذا قورن بحجم المجتمع الناطق بالعربية، لكنه يحتاج إلى تفسير دقيق.
فهو لا يعني أن العربية تشكّل 0.7% فقط من جميع المعلومات الموجودة على الإنترنت، ولا أن حصتها في بيانات تدريب جميع نماذج الذكاء الاصطناعي تساوي هذه النسبة تحديداً. فالنماذج قد تتعلّم أيضاً من الكتب، والمستندات المرخّصة، والبيانات الاصطناعية، والمواد الصوتية، ومصادر أخرى لا تغطيها إحصاءات صفحات الويب.
مع ذلك، يبقى الرقم مؤشراً مهماً إلى التفاوت في حضور اللغات ضمن مصدر يُستخدم على نطاق واسع في بناء مجموعات البيانات النصية.
والسؤال هنا لا يتعلق بعدد الكلمات العربية وحده.
فحتى لو توفرت ملايين الصفحات، لا يكفي ذلك لضمان أن تكون المعلومات دقيقة أو متنوعة أو معاصرة أو ممثّلة لمختلف المجتمعات العربية.
قد تحتوي البيانات على كمّ كبير من النصوص الصحافية والرسمية، لكنها لا تعكس بالقدر نفسه اللغة المستخدمة في الحياة اليومية، أو المصطلحات المهنية المحلية، أو اختلاف التجارب الاجتماعية بين بلد وآخر.
وفرة البيانات لا تعني بالضرورة جودة التمثيل.
وهذا هو جوهر الفجوة.
العربية التي نكتبها ليست دائماً العربية التي نتحدث بها
يتعامل كثير من الناس مع اللغة العربية بوصفها وحدة متجانسة، لكن الواقع اللغوي أكثر تعقيداً.
هناك العربية الفصحى المستخدمة في التعليم والإعلام والوثائق الرسمية، وهناك لهجات متعددة تختلف في المفردات والتراكيب وطرق التعبير.
اللبناني لا يستخدم دائماً المفردات نفسها التي يستخدمها المغربي، والسوري قد يعبّر عن فكرة بطريقة تختلف عن المصري أو العراقي أو اليمني.
وفوق ذلك، تتغير اللغة داخل البلد الواحد، وبين الأجيال والبيئات الاجتماعية والمهن.
في لبنان، مثلاً، لا تقتصر الكتابة الرقمية على الحروف العربية. يستخدم بعض الأفراد مزيجاً من العربية والإنكليزية والفرنسية، كما يكتبون أحياناً باللهجة اللبنانية باستخدام الحروف اللاتينية والأرقام، في ما يُعرف شعبياً بالـ«عربيزي».
يمكن لشخص أن يكتب: «ma 3am efham»، بينما يكتب آخر «مش عم بفهم»، ويعبّر ثالث عن المعنى نفسه بالفصحى.
يفهم القارئ البشري المطلع على هذه الأنماط أن العبارات قد تؤدي المعنى نفسه، لكن النظام الآلي يحتاج إلى قدرات خاصة لربط هذه الأشكال المختلفة.
وإذا كان الهدف ترجمة الرسائل فحسب، فقد يظهر الخطأ في كلمة أو جملة.
أما إذا كان الهدف تحليل آراء الجمهور أو تصنيف الشكاوى أو قياس مستويات الرضا، فقد يتحول سوء الفهم إلى نتيجة إحصائية مضلّلة.
وهنا يبرز الفرق بين أن يستطيع الذكاء الاصطناعي التحدث بالعربية، وأن يستطيع فهم المجتمعات التي تتحدث بها.
الأول يمكن ملاحظته من خلال إجابات سليمة لغوياً. أما الثاني فيحتاج إلى اختبارات أعمق تشمل السياق واللهجة والمعنى الضمني والثقافة المحلية.
ماذا كشفت اختبارات 2026؟
لم يعد الحديث عن صعوبات فهم اللهجات مجرد انطباع شخصي لدى المستخدمين.
في أيار 2026، نشر باحثون دراسة بعنوان DialectalArabicMMLU ضمن مؤتمر الموارد اللغوية والتقييم LREC.
أنشأ الفريق معياراً لتقييم النماذج اللغوية عبر خمس لهجات عربية: السورية والمصرية والإماراتية والسعودية والمغربية.
وتضمّن الاختبار 15 ألف زوج من الأسئلة والأجوبة باللهجات الخمس، موزعة على 32 مجالاً أكاديمياً ومهنياً، فيما شمل التقييم 19 نموذجاً لغوياً مفتوح الأوزان، تتراوح أحجامها بين مليار و13 مليار معامل.
أظهرت النتائج تفاوتاً ملحوظاً في الأداء بين اللهجات، واستمرار صعوبات التعميم اللغوي.
لكن من الضروري وضع نتائج الدراسة في حدودها الصحيحة: فهي لم تختبر جميع النماذج التجارية المتاحة، ولا تكفي لإصدار حكم موحّد على قدرة كل أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم العربية.
قيمتها أنها تقدّم طريقة منهجية لاختبار الفروق التي قد تخفيها التقييمات العامة.
وفي تشرين الأول من العام نفسه، قدّمت دراسة أخرى بعنوان EDRAC اختباراً لفهم المقروء والإجابة عن الأسئلة باللهجات العربية، معتمداً على 499 مقطعاً مستمدّاً من تفاعلات كلامية طبيعية، و4,977 زوجاً من الأسئلة والأجوبة.
وأظهرت الدراسة أن جودة الإجابة من حيث المعنى لا تتطابق دائماً مع دقتها في استخدام اللهجة المطلوبة.
بمعنى آخر، قد يقدّم النموذج جواباً يبدو صحيحاً من الناحية العامة، لكنه لا يحافظ بالضرورة على الخصائص اللغوية التي تمنح الكلام معناه المحلي.
وهذه ملاحظة أساسية لأي مؤسسة تريد بناء نظام تواصل أو تحليل بيانات لمجتمع عربي محدد.
فلا يكفي أن ينجح النموذج في اختبار عام باللغة العربية؛ يجب أن يُختبر أيضاً على اللغة التي سيواجهها في الاستخدام الحقيقي.
حين تتحوّل الفجوة اللغوية إلى مشكلة في تحليل البيانات
لفهم خطورة هذه المسألة، علينا النظر إلى أحد أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في المؤسسات: تحليل النصوص واستخراج المؤشرات منها.
يمكن للشركات أن تحلل تعليقات عملائها، وللجامعات أن تدرس ملاحظات الطلاب، وللبلديات أن تصنّف الشكاوى، وللمؤسسات الإعلامية أن ترصد النقاش العام حول قضية معينة.
وتستخدم هذه التطبيقات تقنيات مثل تصنيف النصوص، وتحليل المشاعر، واستخراج الكيانات، وتلخيص المحتوى.
لكن نتائج التحليل تعتمد على قدرة النظام على فهم المعنى، لا على عدّ الكلمات فقط.
لنفترض أن مجموعة من المستخدمين كتبت تعليقاً باللهجة اللبنانية: «عنجد خدمة بتجنّن»، بينما كتب آخرون العبارة نفسها في سياق ساخر بعد تجربة سيئة.
التطابق اللفظي لا يضمن التطابق في الموقف.
وقد يحتاج النظام إلى سياق المحادثة، أو معلومات إضافية، أو مراجعة بشرية، لفهم ما إذا كان التعليق إيجابياً أو سلبياً.
وإذا لم يكن نظام التحليل مدرّباً أو مقيّماً بصورة كافية على هذه الاستخدامات، فقد ترتفع احتمالات الخطأ.
لكن المشكلة الأعمق لا تظهر دائماً في التعليق الواحد؛ بل في تراكم النتائج.
فإذا أخطأ النظام بصورة متكررة في تصنيف نوع محدد من التعبيرات أو اللهجات، فقد يُنتج مؤشراً عاماً لا يعكس آراء جميع الفئات بالقدر نفسه.
هكذا قد تبدو لوحة البيانات منظمة ودقيقة حسابياً، بينما يستند جزء من تصنيفاتها إلى فهم لغوي غير متوازن.
البيانات لا تصبح محايدة لمجرد تحويلها إلى أرقام.
وهنا تكمن مسؤولية محلّل البيانات: لا يكفي أن يسأل إن كانت العمليات الحسابية صحيحة، بل عليه أن يفحص أيضاً كيف صُنّفت البيانات أصلاً، ومن غاب عن العينة، وأين يمكن أن تتراكم الأخطاء.
مَن يُمثَّل في البيانات… ومَن يبقى خارجها؟
هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن اختلاف اللهجات، وهو اختلاف فرص إنتاج البيانات الرقمية نفسها.
ليست جميع التجارب الإنسانية موثّقة على الإنترنت بالقدر نفسه.
فبعض المجتمعات والمؤسسات تمتلك موارد لنشر محتواها وتنظيمه وأرشفته وإتاحته رقمياً، بينما تبقى تجارب أخرى محصورة في مستندات ورقية، أو محادثات شفوية، أو سجلات لا يمكن الوصول إليها بسهولة.
وحتى داخل اللغة الواحدة، قد تحظى موضوعات معينة بحضور واسع، فيما تبقى موضوعات أخرى محدودة التوثيق.
هذا يثير سؤالاً مهماً عند استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الواقع الاجتماعي.
إذا كانت البيانات المتاحة تعكس بصورة أوضح الفئات الأكثر حضوراً رقمياً، فهل يمكن اعتبار الاستنتاجات المستخرجة منها تمثيلاً دقيقاً للمجتمع كله؟
الإجابة العلمية تقتضي الحذر.
لا نستطيع استنتاج رأي مجتمع كامل من بيانات منشورة على منصة واحدة من دون معرفة خصائص مستخدميها وطبيعة العينة.
ولا يصح افتراض أن عدم ظهور قضية في البيانات يعني عدم وجودها في الواقع.
هذه قواعد معروفة في البحث الإحصائي، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تمنح أدوات الذكاء الاصطناعي نتائجها شكلاً لغوياً واثقاً وسريعاً.
فالخطر ليس أن تقول الآلة أحياناً «لا أعرف»، بل أن تنتج استنتاجاً يبدو مكتملاً بينما لا تكشف بوضوح حدود البيانات التي استندت إليها.
الذكاء الاصطناعي العربي… هل بدأت المعالجة؟
لا يعني هذا المشهد أن العالم العربي غائب عن تطوير الذكاء الاصطناعي.
على العكس، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات بحثية وتقنية تسعى إلى بناء نماذج أكثر اهتماماً باللغة العربية وسياقاتها.
في قطر، طوّر معهد قطر لبحوث الحوسبة، التابع لجامعة حمد بن خليفة، منصة «فنار» التي تستهدف دعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، وأعلن خلال 2026 عن أعمال مرتبطة بالجيل الثاني من المنصة.
وفي الإمارات، أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وشركاؤها في 15 تشرين الأول 2026 إطلاق عائلة «جيس 3» (Jais 3)، التي تشمل نماذج لغوية وأدوات للتعامل مع الكلام العربي، بما في ذلك اللهجات.
وفي السعودية، أعلنت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» إتاحة نموذج «علّام 7B» للباحثين والمطورين عبر منصة Hugging Face.
تمثل هذه المشاريع جهوداً مهمة لبناء قدرات محلية وإقليمية، لكنها لا تعني أن فجوة البيانات قد أُغلقت بالكامل.
كما ينبغي التمييز بين إعلان الجهات المطوّرة عن قدرات نماذجها وبين نتائج التقييمات المستقلة التي تختبر تلك القدرات في ظروف محددة.
فامتلاك نموذج عربي متقدم خطوة مهمة، لكنه لا يعوّض وحده الحاجة إلى بيانات متنوعة، ومعايير اختبار شفافة، وخبرات بشرية قادرة على تطوير الأنظمة ومراجعة نتائجها.
المطلوب ليس نموذجاً يتحدث العربية بفصاحة فقط، بل منظومة معرفة تستطيع أن تفهم اختلاف العرب أيضاً.
لماذا لا يكفي جمع المزيد من البيانات؟
قد يبدو الحل بسيطاً: لنجمع المزيد من النصوص العربية، ونستخدمها في تدريب نماذج أفضل.
لكن بناء مجموعات بيانات موثوقة ليس عملية تجميع عشوائي.
أولاً، يجب التأكد من جودة المعلومات، وإزالة التكرار والأخطاء، ومعرفة مصادر النصوص وتواريخها.
ثانياً، ينبغي الانتباه إلى التوازن بين الفصحى واللهجات، وبين البلدان والموضوعات والأنماط المختلفة من التواصل.
ثالثاً، لا بد من إشراك متحدثين أصليين وباحثين مختصين عند تصنيف البيانات وتقييمها، لأن بعض الفروق اللغوية يصعب فهمها من خارج سياقها.
ورابعاً، هناك سؤال أخلاقي لا يمكن تجاوزه: من يملك البيانات؟ وهل يحق للجهات المطوّرة جمعها واستخدامها وإعادة نشرها؟
فالشكاوى الصحية، والسجلات التعليمية، والرسائل الشخصية، والوثائق التي تتضمن معلومات حساسة ليست مواد مجانية للتدريب لمجرد أنها مكتوبة بالعربية.
ولذلك يجب ألا تتحول الدعوة إلى توسيع البيانات العربية إلى تبرير لجمع المعلومات الشخصية دون أساس مشروع أو ضوابط لحمايتها.
وقد تكون مجموعات بيانات أصغر، موثّقة ومراجَعة جيداً، أكثر فائدة لبعض الاستخدامات من مجموعات ضخمة مجهولة الجودة.
كما أن تحسين النماذج لا يستلزم دائماً تدريب نموذج جديد من الصفر؛ فقد تساعد تقنيات استرجاع المعلومات من مصادر موثوقة، أو التخصيص المحدود، أو تطوير أدوات تقييم محلية، في تحسين نتائج تطبيقات بعينها.
المسألة، إذاً، لا تتعلق بمن يستطيع امتلاك أكبر قدر من البيانات، بل بمن يستطيع تحويل البيانات إلى معرفة قابلة للاختبار والمساءلة.
لبنان أمام السؤال نفسه
في لبنان، تبرز أهمية هذه القضية في مجالات عديدة، من الخدمات العامة والتعليم إلى الإعلام والاقتصاد الرقمي.
لكن قبل الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل مشكلات المجتمع، ينبغي أن نسأل عن حالة البيانات التي نريد تحليلها.
هل السجلات منظّمة؟ هل هناك تعريف موحّد للمؤشرات؟ هل توثّق البيانات تاريخ جمعها ومصدرها وحدود استخدامها؟ هل يمكن التمييز بين المعلومة المؤكدة والتقدير؟
ثم يأتي السؤال اللغوي: هل تستطيع الأنظمة فهم العربية الفصحى واللبنانية المحكية والكتابة المختلطة باللغات الأخرى؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بحكم عام على جميع المؤسسات اللبنانية؛ فمستويات الرقمنة وجودة البيانات تختلف بحسب الجهة والقطاع.
لكنها أسئلة ينبغي طرحها قبل شراء أي نظام تحليلي أو اعتماد توصيات آلية في اتخاذ القرارات.
فأداة متطورة لا تستطيع تعويض سجل غير مكتمل، ولا إصلاح تعريف إحصائي خاطئ بمجرد استخدام نموذج أكبر.
وفي هذا السياق، قد تكون الأولوية العملية لدى كثير من المؤسسات هي تحسين البنية الأساسية للمعلومات: تنظيم السجلات، وتوحيد معاييرها، وتوثيق مصادرها، وإتاحة ما يمكن إتاحته قانونياً وأخلاقياً للبحث.
بعد ذلك يصبح استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر معنى.
فالتكنولوجيا لا تصنع المعرفة من فراغ، بل تعمل بما نقدّمه لها من معلومات، وبما نضعه من معايير للتحقق منها.
من استهلاك الذكاء الاصطناعي إلى المشاركة في صناعته
يختزل النقاش العام أحياناً مستقبل الذكاء الاصطناعي العربي في سؤال واحد: هل نمتلك نموذجاً ينافس النماذج العالمية؟
لكن المنافسة لا تُحسم بحجم النموذج أو عدد معاملاته وحدهما.
هناك عناصر أخرى لا تقل أهمية: جودة مجموعات البيانات، وتنوعها، وإمكان مشاركة الباحثين فيها، وتوافر أدوات تقييم مستقلة، وقدرة المؤسسات على تحويل الأبحاث إلى تطبيقات نافعة.
وليس ضرورياً أن تطوّر كل دولة عربية نموذجاً أساسياً مستقلاً حتى تستفيد من الذكاء الاصطناعي.
يمكن للتعاون البحثي بين الجامعات والمختبرات والمؤسسات العامة أن يسهم في إنتاج مجموعات بيانات مفتوحة عندما تسمح الحقوق والخصوصية بذلك، وتطوير اختبارات مشتركة، وتبادل المعرفة التقنية.
كما يمكن دعم الأرشفة الرقمية للتراث والمحتوى العلمي العربي، وتمويل توثيق اللهجات، وتدريب مختصين في علوم البيانات واللغويات الحاسوبية.
لكن الأهم هو الانتقال من مجرد استخدام الأدوات إلى القدرة على تقييمها ونقدها وتطويرها.
فالمستخدم الذي يحصل على إجابة عربية سليمة قد يظن أن النظام يفهم السياق كاملاً، بينما يدرك الباحث أن الطلاقة اللغوية ليست دليلاً كافياً على الدقة أو العدالة أو التمثيل.
وهنا تحديداً يبدأ الدور الحقيقي للبحث العلمي.
مَن يكتب ذاكرة المستقبل؟
لم تعد البيانات مجرد سجلات نحتفظ بها للمراجعة. إنها تتحول تدريجياً إلى مادة تتعلّم منها أنظمة يُطلب منها تلخيص المعرفة وتحليل الأسواق وتقديم المساعدة في التعليم والخدمات والعمل.
وحين تصبح هذه الأنظمة وسيطاً بين الإنسان والمعلومات، فإن ما تعرفه وما تجهله لا يعود مسألة تقنية محضة.
فالمجتمع الذي لا يوثّق لغته وتجربته ومعرفته بصورة جيدة قد يجد نفسه أقل حضوراً في بعض الأدوات التي ستشارك في تنظيم المعرفة الرقمية مستقبلاً.
لكن الحل لا يكمن في تحويل كل ما نكتبه ونقوله إلى بيانات تدريب، ولا في الانغلاق داخل نماذج محلية معزولة عن التطور العالمي.
الحل يبدأ بإدراك أن السيادة المعرفية ليست امتلاك خوادم ونماذج فقط، بل امتلاك القدرة على إنتاج البيانات وفهمها وحمايتها ومراجعة الاستنتاجات المبنية عليها.
قد يتحدث الذكاء الاصطناعي بالعربية اليوم بطلاقة تثير الإعجاب. وقد يتحسن أكثر خلال السنوات المقبلة. لكن البلاغة وحدها لا تعني أنه يعرف تفاصيل حياة الناس أو تاريخ مجتمعاتهم أو المعاني التي تختبئ خلف لهجاتهم.
ومن هنا، لا أرى أن سؤال مستقبل الذكاء الاصطناعي العربي ينبغي أن يكون: متى ستتعلم الآلة لغتنا؟
بل: من سيعلّمها واقعنا، وبأي بيانات، ووفق أي معايير، ولصالح مَن؟
لأن العالم الذي يترك للآخرين وحدهم مهمة توثيق معرفته، قد يجد نفسه يوماً أمام آلات قادرة على التحدث باسمه، لكنها لا تعرفه كما ينبغي.
المصادر والمراجع
-
البنك الدولي – تقرير «من الانقسام إلى الفرص: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو»، تشرين الأول 2026.
التقرير الرسمي والبيانات المرتبطة به -
Common Crawl – إحصاءات التوزيع اللغوي لصفحات الويب.
الإحصاءات الأصلية ومنهجية تصنيف اللغات -
DialectalArabicMMLU – دراسة منشورة في مؤتمر LREC 2026.
الورقة البحثية في أرشيف ACL -
EDRAC: Benchmarking Arabic Dialect Reading Comprehension – دراسة منشورة في EMNLP 2026.
الورقة البحثية -
AraDiCE: Benchmarks for Dialectal and Cultural Capabilities in LLMs – مؤتمر COLING 2025.
الورقة البحثية -
معهد قطر لبحوث الحوسبة – منصة فنار للذكاء الاصطناعي العربي.
الصفحة البحثية الرسمية -
جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي – الإعلان عن Jais 3، 15 تشرين الأول 2026.
الإعلان الرسمي -
الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي – نموذج علّام 7B.
البيان الرسمي


