في لبنان، وصلت أزمة الكهرباء إلى مفارقة غير معتادة: مؤسسة عامة تقطع التغذية عن مؤسسات عامة أخرى، ليس بسبب عطل فني أو نقص مباشر في الإنتاج، بل بسبب فواتير متراكمة لم تُسدّد.
في 2 تشرين الثاني 2026، بدأت مؤسسة كهرباء لبنان تنفيذ قرار بقطع التيار عن إدارات ومؤسسات رسمية وبلديات ومصالح مستقلة لم تسوِّ مستحقاتها، بعد إنذارات متكررة. وشملت إجراءاتها مصالح المياه، مع استثناء المستشفيات الحكومية.
وفي اليوم نفسه، أعلنت المؤسسة أن عدداً من الجهات بادر إلى دفع أجزاء من المبالغ المطلوبة وتقديم تعهدات خطية بتسديد الباقي على أقساط شهرية، فعادت التغذية إلى الجهات التي استوفت شروط التسوية.
لكن مراجعة الوثائق الرسمية تكشف أن المشكلة لم تظهر فجأة في تشرين الثاني.
فقد سبق لرئاسة مجلس الوزراء أن طلبت، في 25 حزيران، من الإدارات والمؤسسات والبلديات دفع مستحقات الكهرباء من الاعتمادات المرصودة في موازناتها. وفي تموز، نشر وزير الطاقة والمياه جدولاً بالمبالغ المتراكمة. ثم صدر إنذار جديد في آب، قبل أن يتحول التهديد إلى قطع فعلي في تشرين الثاني.
وهنا يبدأ سؤال «المسمار»: إذا كانت الحكومة تعلم بوجود هذه المستحقات منذ أشهر، فلماذا وصل النزاع المالي بين مؤسساتها إلى مرحلة تهدد تشغيل مرافق عامة أساسية؟
الوثيقة الأولى: الحكومة طلبت الدفع منذ حزيران
في 25 حزيران 2026، أصدر رئيس الحكومة نواف سلام التعميم رقم 16/2026، موجهاً إلى الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والمجالس والهيئات.
واستند التعميم إلى قرارين لمجلس الوزراء، أحدهما يعود إلى 4 كانون الأول 2025، والآخر إلى 23 نيسان 2026.
وطلب سداد مستحقات اشتراكات الكهرباء واستهلاكها المتراكمة لمؤسسة كهرباء لبنان من الاعتمادات المخصصة لهذه الغاية في موازنات الجهات المعنية.
هذا المستند مهم لأنه يثبت أن مسألة المتأخرات كانت معروفة لدى رئاسة الحكومة قبل أكثر من أربعة أشهر من بدء القطع.
كما أنه يحدد إحدى الأدوات التي يفترض أن تُستخدم للسداد: الاعتمادات المالية المرصودة ضمن الموازنة.
لكن التعميم لا يجيب عن مسألتين.
الأولى: هل امتلكت جميع المؤسسات المتأخرة اعتمادات كافية بالفعل؟
والثانية: إذا كانت الاعتمادات متوافرة، فما الذي حال دون تحويلها إلى مؤسسة كهرباء لبنان؟
لا يمكن اعتبار الجهة التي لم تدفع ممتنعة عمداً عن الدفع قبل فحص وضعها المالي واعتماداتها ومراسلاتها مع وزارة المالية.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار نقص السيولة مبرراً تلقائياً لتراكم الفواتير من دون خطة تسوية.
ولذلك، فإن نقطة البداية الحقيقية ليست أسماء المؤسسات التي قُطعت عنها الكهرباء، بل سبب تعثر الدفع لدى كل مؤسسة على حدة.
الوثيقة الثانية: وزير الطاقة ينشر جدول المستحقات
في 24 تموز 2026، نشر وزير الطاقة والمياه جو الصدي بياناً رسمياً أرفقه بجدول للمستحقات المترتبة على الإدارات والمؤسسات العامة لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان.
وشدد على أن المبالغ المطلوبة هي مستحقات مالية مقابل الكهرباء، وليست طلباً للحصول على سلفة جديدة من الدولة.
وأشار أيضاً إلى أن الدولة لم تعوّض المؤسسة عن قيمة بعض الإعفاءات المتعلقة بالكهرباء والمياه المقررة للمناطق المتضررة من الحرب في الجنوب.
هذا التفصيل يغيّر طريقة قراءة الأرقام.
فليس كل مبلغ يظهر ضمن المطالبات المالية من النوع نفسه.
هناك فواتير استهلاك مترتبة على جهة عامة، وهناك مبالغ مرتبطة بإعفاءات أقرتها السلطات، وقد توجد تسويات أو مدفوعات لاحقة تغيّر الرصيد المطلوب.
والخلط بين هذه الفئات قد ينتج رقماً إجمالياً كبيراً، لكنه لا يسمح بفهم المسؤولية الفعلية عن كل جزء منه.
لذلك ينبغي تفكيك المبالغ وفق طبيعتها القانونية والمحاسبية قبل وصفها بأنها ديون متأخرة على إدارات محددة.
248 مليون دولار… ماذا يتضمن الرقم؟
في 26 تشرين الأول 2026، نشر موقع The Beiruter معطيات تفيد بأن مستحقات المؤسسات العامة لمؤسسة كهرباء لبنان تبلغ نحو 248 مليون دولار، بينها 49 مليون دولار مرتبطة بإعفاءات.
وشمل العرض فترة تبدأ في تشرين الثاني 2022 وتمتد حتى نهاية حزيران 2026، بحسب المعطيات المنشورة.
لكن هذا الإجمالي لا ينبغي التعامل معه بوصفه مبلغاً نهائياً مستحق التحصيل من جميع الجهات في تاريخ نشر التحقيق.
فقد تكون هناك مدفوعات جرت بعد إعداد الجدول، أو تسويات جديدة، أو إعفاءات تحتاج إلى تحميل كلفتها على جهة مختلفة.
كما أن اختلاف تاريخ احتساب الرصيد يمكن أن يفسر التباين بين الأرقام المتداولة في التغطيات الصحافية، التي تراوحت بين نحو 240 و250 مليون دولار.
وهذا التباين ليس دليلاً بحد ذاته على وجود تزوير في الأرقام.
لكنّه يجعل نشر كشف حساب محدث، يميز بين أصل الفاتورة والمدفوعات والإعفاءات والرصيد الحالي، شرطاً ضرورياً لأي مساءلة مالية جدية.
فالسؤال ليس كم يبلغ الرقم الأكبر المتداول في الإعلام، بل كم يبلغ المبلغ الواجب تسديده قانوناً، ومن أي جهة، وفي أي تاريخ.
لماذا تحتل مصالح المياه موقعاً حساساً؟
بحسب المعطيات المنشورة في تشرين الأول، بلغت المستحقات المنسوبة إلى مؤسسة مياه لبنان الجنوبي وفروعها نحو 88 مليون دولار، ما جعلها في مقدمة الجهات الواردة في العرض الصحافي.
وتحدثت تغطيات أخرى عن مجموع مستحقات كبير على مصالح المياه على مستوى البلاد.
لكن يجب الحذر من الجمع بين رقم يخص مؤسسة واحدة ورقم يخص القطاع كله، أو افتراض أن كليهما يمثل رصيداً نهائياً مدققاً في التاريخ نفسه.
أهمية هذه الأرقام لا ترتبط بالمحاسبة وحدها.
فالكهرباء تدخل في تشغيل مضخات المياه ومحطات الضخ والمعالجة والتوزيع. وإذا فقدت منشأة مياه التغذية المطلوبة ولم تتوافر لها بدائل تشغيلية، فقد تتأثر قدرتها على توفير الخدمة.
لكن قطع الكهرباء عن مبنى إداري تابع لمؤسسة مياه لا يعني بالضرورة توقف كل محطات الضخ التابعة لها.
ولا تثبت الأخبار المنشورة أن جميع المناطق التي تخدمها المؤسسات المعنية تعرضت لانقطاع المياه نتيجة إجراءات القطع.
لتحديد الأثر الفعلي، ينبغي معرفة الاشتراكات التي قُطعت، والمنشآت المرتبطة بها، ومدة الانقطاع، ومصادر الطاقة البديلة، وما إذا اضطرت المؤسسة إلى تقليص الضخ أو شراء وقود إضافي.
وهنا يظهر سؤال أكثر حساسية: إذا كانت مؤسسة عامة عاجزة عن سداد فاتورة الكهرباء، فهل تؤدي معاقبتها بالقطع إلى حل الأزمة المالية أم إلى نقل كلفتها إلى المواطنين الذين يدفعون ثمن المياه والكهرباء أصلاً؟
الإجابة ليست واحدة لجميع الحالات، لكنها تتطلب تقديراً للأثر قبل اتخاذ القرار.
من يدفع عندما تتوقف مضخة مياه؟
يمكن تحديد نوعين مختلفين من التكاليف.
الأول هو المبلغ الذي تحاول مؤسسة كهرباء لبنان تحصيله من الجهة المستهلكة.
والثاني هو الكلفة التي قد تنشأ عند انقطاع التغذية، كاستخدام مولدات أو شراء وقود إضافي أو تعطيل خدمة أساسية.
ولا تتوافر في الوثائق المنشورة التي راجعناها بيانات تسمح بحساب الكلفة الثانية بصورة وطنية.
فلا نعرف، مثلاً، كم ساعة توقفت فيها مضخات مياه بسبب إجراءات 2 تشرين الثاني، أو كم لتر وقود إضافياً استُهلك في المواقع المتأثرة، أو إذا ترتبت أعباء تشغيلية تفوق قيمة المتأخرات القصيرة الأجل.
لكن غياب هذه الأرقام يحدد اختباراً استقصائياً قابلاً للتنفيذ.
فإذا كشفت مؤسسة المياه عن قيمة الفواتير المتأخرة، ومدة القطع، وكلفة البدائل، يمكن مقارنة ما وفرته مؤسسة كهرباء لبنان أو حصلته بما تكبدته المرافق الأخرى للحفاظ على عملها.
وعندها يمكن تحديد ما إذا كانت التسوية المالية قد حسّنت وضع المال العام على مستوى الدولة، أو أنها نقلت التكلفة من مؤسسة عامة إلى أخرى.
حالة تكشف مشكلة الأرقام: وزارة الدفاع
في 25 تشرين الأول 2026، أصدر وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى بياناً رسمياً رداً على تقرير إعلامي تحدث عن مستحقات غير مدفوعة على الجيش اللبناني.
وأكد البيان أن وزارة الدفاع كانت قد سددت، قبل أكثر من شهرين، كامل المستحقات المتراكمة لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، بقيمة تقارب 11 مليوناً و430 ألف دولار.
وأضاف أن وزير الطاقة والمياه كان قد شكر وزارة الدفاع خلال لقاء في 21 آب على تسديد هذه المبالغ.
تستحق هذه الواقعة التوقف عندها لأنها تظهر مشكلة أساسية في استخدام جداول الديون القديمة.
فقد يتضمن جدول صادر عن فترة محاسبية سابقة مبلغاً غير مسدد على جهة معينة، ثم تدفعه الجهة لاحقاً، فيما يستمر تداول اسمها بين المؤسسات المدينة.
ولا يكفي هنا اعتماد بيان وزارة الدفاع وحده لإعادة احتساب إجمالي المستحقات الوطنية، إذ يلزم أيضاً التحقق من تسجيل السداد لدى مؤسسة كهرباء لبنان ومطابقته للحسابات المعنية.
لكن البيان الرسمي يثبت وجود اعتراض معلن على معلومات تداولتها وسائل الإعلام، ويؤكد ضرورة استخدام تاريخ محدد لكل رصيد مالي.
فأي قائمة للمدينين لا تذكر تاريخ إعدادها وآخر دفعة مسجلة قد تتحول من وسيلة للمحاسبة إلى مصدر معلومات مضللة.
من الإنذار إلى القطع… كيف تطورت القرارات؟
يمكن إعادة بناء مسار الملف من الوثائق المنشورة:
25 حزيران 2026: رئاسة الحكومة تصدر تعميماً يطلب من الجهات العامة تسديد مستحقات الكهرباء.
24 تموز 2026: وزير الطاقة ينشر جدولاً بمستحقات الإدارات والمؤسسات العامة، ويطالب بتحصيلها.
14 آب 2026: مؤسسة كهرباء لبنان تصدر إنذاراً جديداً وتمنح مهلة لتسديد المتأخرات، مع استثناء المستشفيات الحكومية من إجراءات القطع.
23 تشرين الأول 2026: مجلس إدارة المؤسسة يحدد صباح 2 تشرين الثاني موعداً لقطع الكهرباء عن الجهات التي لم تدفع رغم الإنذارات.
2 تشرين الثاني 2026: المؤسسة تعلن بدء إجراءات القطع، ثم توضح إعادة التغذية إلى جهات دفعت جزءاً من مستحقاتها وقدمت تعهدات خطية بالتقسيط.
هذا التسلسل يظهر أن القرار لم يصدر بصورة مفاجئة.
لكنه يكشف أيضاً أن محاولات المعالجة السابقة لم تكن كافية لتسوية جميع الحسابات قبل حلول الموعد النهائي.
والسؤال الذي ينبغي توجيهه إلى وزارة المالية والجهات المدينة هو ما الذي جرى بين كل إنذار والذي تلاه.
هل قُدمت طلبات نقل اعتمادات؟ وهل رُفضت أو تأخرت؟ وهل اعترضت بعض الإدارات على الفواتير؟ وهل جرى تدقيق العدادات والاشتراكات؟
من دون هذه المراسلات، يبقى تفسير أسباب التعثر ناقصاً.
قطع ثم إعادة وصل… هل أثبتت الحملة فعاليتها؟
في 2 تشرين الثاني، أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان أن عدداً كبيراً من الجهات المعنية تواصل معها بعد بدء الإجراءات، ودفع مبالغ جزئية، وتعهد بتسديد الباقي على أقساط شهرية.
وأكدت أن إعادة الكهرباء اقتصرت على الجهات التي استوفت شروط التسوية، مع التزامها دفع الفواتير الجديدة بانتظام.
وتعكس هذه المعلومات استجابة فعلية من مؤسسات كانت متأخرة في السداد.
لكن نجاح الحملة لا يمكن قياسه بعدد الاتصالات أو التعهدات وحده.
فالمعيار المالي هو حجم المبالغ المحصلة فعلياً، ونسبة التزام الجهات بالأقساط في الأشهر اللاحقة، وما إذا كانت المتأخرات الجديدة ستتوقف عن التراكم.
ولم تنشر البيانات التي أمكن مراجعتها حصيلة نهائية متكاملة توضح مقدار التحصيل في يوم القطع، وعدد المؤسسات التي دفعت، وعدد الاشتراكات التي بقيت مفصولة.
كما لا تكفي التعهدات الخطية لإثبات أن جميع المبالغ المتأخرة أصبحت مضمونة السداد.
فالتحصيل الكامل يبقى مرتبطاً بتنفيذ هذه التعهدات وبقدرة المؤسسات على تسديد الفواتير المقبلة.
هل المشكلة في الامتناع عن الدفع أم في الموازنات؟
تمثل هذه المسألة إحدى أكثر نقاط التحقيق تعقيداً.
تؤكد مؤسسة كهرباء لبنان أن تحصيل مستحقاتها واجب لحماية المال العام وضمان استمرارية الإنتاج وشراء الوقود.
وهذا موقف له أساس مالي واضح: لا يمكن لمرفق كهربائي أن يعتمد بصورة مستمرة على استهلاك غير مدفوع من جهات يفترض أن تسدد فواتيرها.
لكن جهات عامة تواجه بدورها صعوبات مالية، وقد لا تكفي اعتماداتها لتغطية كلفة الاستهلاك والتشغيل في الظروف الحالية.
وهنا لا يكفي أن تتبادل المؤسسات الاتهامات.
فإذا كانت الاعتمادات المالية موجودة ولم تُستخدم، ينبغي معرفة سبب عدم السداد.
أما إذا كانت الاعتمادات غير كافية، فتبرز مسؤولية إعداد الموازنات وتأمين التمويل واتخاذ قرارات تصحيحية قبل تراكم الدين.
وتبقى هناك حالة ثالثة: فواتير قد تكون محل اعتراض أو تحتاج إلى تدقيق، ولا يجوز حسمها من خلال بيانات عامة.
لذلك، فإن مساءلة كل جهة تتطلب مراجعة ثلاثة مستندات على الأقل: كشف فواتيرها، والمبالغ المرصودة لها في الموازنة، وسجل المدفوعات والتسويات.
الإعفاءات المرتبطة بالجنوب… على مَن تقع كلفتها؟
في بيان تموز، أثار وزير الطاقة مسألة الإعفاءات التي أقرتها الدولة لمناطق متضررة من الحرب، مشيراً إلى أن كلفتها لم تُعوّض لمؤسسة كهرباء لبنان.
هذه النقطة تستحق تحقيقاً مالياً مستقلاً.
فالإعفاء الذي تقرره السلطة العامة لمصلحة فئة متضررة قد يكون إجراءً اجتماعياً مبرراً في ظروف استثنائية، لكنه لا يلغي الكلفة الاقتصادية للخدمة.
ويصبح السؤال: هل تتحمل مؤسسة كهرباء لبنان هذه الكلفة من إيراداتها، أم يفترض أن تعوضها الخزينة وفق قرار الإعفاء؟
كما ينبغي تحديد المبالغ المستحقة عن كل فترة، والجهة التي اعتمدت الإعفاء، والآلية التي كان يفترض استخدامها للتعويض.
ولا يجوز التعامل مع هذه المبالغ كما لو أنها فواتير امتنع مواطنون متضررون عن دفعها خلافاً للقانون.
فالإعفاء المعتمد رسمياً يختلف عن عدم السداد غير المبرر.
وخلط الملفين قد يؤدي إلى تحميل المستفيدين من الإعفاء مسؤولية نقص إيرادات لا يعود قرارها إليهم.
المستشفيات استُثنيت… فماذا عن المرافق الأخرى؟
استثنت مؤسسة كهرباء لبنان المستشفيات الحكومية من قرار قطع الكهرباء.
ويعكس ذلك إدراكاً بأن انقطاع التغذية عن مرفق صحي قد يعرض خدمات حيوية للخطر.
لكن وجود هذا الاستثناء يطرح سؤالاً يتعلق بمعايير حماية المرافق الأساسية الأخرى.
فمحطات ضخ المياه وبعض مرافق الاتصالات وخدمات الطوارئ قد تكون ضرورية أيضاً لاستمرار الحياة اليومية.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه المؤسسات يجب أن تُعفى تلقائياً من دفع فواتيرها.
بل يطرح ضرورة الفصل بين مسؤولية المؤسسة المالية عن السداد وبين ضمان استمرار الخدمة العامة المقدمة للمواطنين.
ويمكن، من حيث المبدأ، تصميم تسويات مالية وجداول دفع مع حماية اشتراكات تشغيلية محددة، إذا أجاز الإطار القانوني ذلك وتوافرت الضمانات اللازمة.
لكن تقييم هذه البدائل يحتاج إلى معرفة الصلاحيات التنظيمية لمؤسسة كهرباء لبنان، وطبيعة كل اشتراك، والأثر الفعلي لأي انقطاع.
الملفات التي ينبغي فتحها قبل إعلان نجاح الحملة
لكي نعرف ما إذا كانت الإجراءات الأخيرة عالجت مشكلة حقيقية أم أجّلتها، ينبغي نشر مجموعة مترابطة من البيانات.
أولاً، كشف رسمي محدث بالمستحقات على كل جهة عامة، مع تحديد تاريخ الرصيد والفواتير والإعفاءات والمدفوعات.
ثانياً، بيان بالاعتمادات المرصودة في موازنات الإدارات والمؤسسات المعنية، وما إذا كانت كافية لتغطية الفواتير.
ثالثاً، قائمة بالاشتراكات التي قُطعت عنها الكهرباء فعلياً، لا مجرد أسماء المؤسسات التي وردت في الإنذارات.
رابعاً، حصيلة المبالغ المحصلة بعد إجراءات القطع، وشروط اتفاقات التقسيط، ونسب الالتزام بها.
خامساً، تقرير عن أثر القطع على خدمات المياه والاتصالات والإدارات العامة، وتكاليف تشغيل البدائل إن وجدت.
سادساً، بيان مستقل يحدد قيمة الإعفاءات التي يفترض أن تعوضها الدولة لمؤسسة كهرباء لبنان والأساس القانوني لذلك.
وسابعاً، آلية تمنع تراكم المتأخرات مجدداً بدلاً من انتظار أزمة تحصيل جديدة بعد أشهر.
هذه البيانات ليست أسراراً تجارية بالمعنى المعتاد، بل تتعلق باستخدام المال العام واستمرارية خدمات عامة أساسية، مع مراعاة ما يلزم حجبه قانوناً من تفاصيل حساسة.
هل تتحمل الدولة كلفة ديونها مرتين؟
تكشف الوثائق الرسمية عن مشكلة مالية وإدارية ممتدة منذ ما قبل قرار القطع.
فالحكومة طلبت السداد، ووزارة الطاقة نشرت جدولاً بالمستحقات، ومؤسسة كهرباء لبنان أصدرت إنذارات، ثم بدأت قطع التغذية عن الجهات التي لم تسوِّ أوضاعها.
وبعد بدء التنفيذ، أعلنت المؤسسة حصول مدفوعات جزئية وتعهدات بالتقسيط.
لكن هذه الخطوات لا تثبت وحدها أن الأزمة انتهت.
فالمطلوب معرفة المبالغ التي حُصّلت، والرصيد الذي بقي مستحقاً، وأسباب عدم السداد لدى كل مؤسسة، وكلفة أي اضطراب أصاب خدمات عامة أخرى.
كما أن اختلاف الأرقام بين الجداول القديمة والبيانات الأحدث يستوجب تحديث الحسابات قبل تحميل جهة معينة مسؤولية رصيد لم يعد قائماً أو لم يتحدد على نحو نهائي.
المشكلة لا تكمن في أن مؤسسة كهرباء لبنان تطالب بحقوقها المالية؛ بل في أن الدولة وصلت إلى مرحلة باتت فيها حماية إيرادات مؤسسة عامة قد تؤثر في تشغيل مؤسسات عامة أخرى.
فإذا دفعت الدولة كلفة استهلاك الكهرباء، ثم تحمّلت كلفة إضافية لتشغيل مرافق تعطلت بسبب عدم تسديد الفواتير، تصبح المساءلة عن إدارة المال العام أكثر إلحاحاً.
لكن إثبات هذه الكلفة المزدوجة يحتاج إلى حسابات تشغيل فعلية، لا إلى افتراضات.
ويبقى سؤال «المسمار»:
عندما تقطع الدولة الكهرباء عن مؤسساتها لتحصيل ديونها، فهل تستعيد المال العام… أم تكشف أن مؤسساتها لم تعد قادرة على تسوية حساباتها من دون تعريض خدمات المواطنين للخطر؟


