في وقت تطوّر فيه المؤسسات الطبية إرشادات جديدة للتعامل مع أعراض انقطاع الطمث، تكشف مراجعة علمية عن نقص حاد في الأبحاث المتعلقة باستخدام العلاج الهرموني في العالم العربي. المشكلة ليست في غياب الأدوية وحدها، بل في المعلومات التي تصل إلى النساء، وطبيعة الاستشارات الطبية، والفجوة بين ما يعرفه العلم وما يُناقَش داخل العيادات.
قد تستيقظ امرأة في منتصف الليل وهي تتصبب عرقاً، رغم أن الغرفة ليست حارة.
وقد تبدأ أخرى بملاحظة اضطرابات في النوم، أو تغيرات في المزاج، أو صعوبة في التركيز، أو تغيرات متكررة في انتظام دورتها الشهرية.
بالنسبة إلى بعض النساء، تمر هذه الأعراض بصورة خفيفة ولا تؤثر كثيراً في الحياة اليومية.
لكن أخريات يعانين أعراضاً قد تستمر سنوات، وتؤثر في العمل والنوم والعلاقات والصحة النفسية.
ورغم ذلك، ما زالت المرحلة التي تمر بها ملايين النساء تُختصر في كثير من النقاشات العربية بتعبير ثقيل: «سنّ اليأس».
لكن ماذا لو كانت المشكلة لا تكمن في المرحلة البيولوجية نفسها، بل في نقص المعرفة والرعاية المحيطة بها؟
في 8 تشرين الأول 2026، نشرت مجلة Nature مقالاً للباحثة هالة زهر الدين فحص، دعت فيه الأنظمة الصحية العربية إلى التعامل بصورة أكثر جدية مع احتياجات النساء خلال مرحلة انقطاع الطمث.
وسلطت الضوء على نقص الأبحاث والتدريب الطبي، وضعف الحوار حول الأعراض والعلاجات الممكنة.
وكانت مراجعة علمية نُشرت في شباط من العام نفسه قد كشفت جانباً آخر من المشكلة.
فبعد البحث عن الدراسات المتعلقة باستخدام العلاج الهرموني في الدول العربية الـ22، لم يجد الباحثون سوى 15 دراسة مستوفية لشروط المراجعة، موزعة على سبع دول فقط.
وفي تشرين الأول أيضاً، أصدر أطباء النساء والتوليد في الولايات المتحدة إرشادات علاجية حديثة تتناول الهبّات الساخنة واضطرابات النوم والمزاج.
وهنا يبرز السؤال: لماذا تتقدم المعرفة الطبية المتعلقة بمرحلة انقطاع الطمث، بينما لا تزال المعلومات المتاحة عن واقع النساء العربيات محدودة إلى هذه الدرجة؟
أولاً… ما الذي يحدث لجسم المرأة؟
انقطاع الطمث، أو Menopause، مرحلة طبيعية من الحياة ترتبط بانخفاض وظيفة المبيضين وتراجع مستويات هرمون الإستروجين.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن معظم النساء يصلن إلى هذه المرحلة بين سن 45 و55 عاماً.
ويُعد انقطاع الطمث الطبيعي قد حدث بعد مرور 12 شهراً متتالياً من دون دورة شهرية، عندما لا توجد أسباب طبية أو فسيولوجية أخرى تفسر ذلك.
لكن التحول لا يبدأ فجأة بعد آخر دورة.
فقد تسبقه مرحلة تمتد عدة سنوات تُعرف باسم «مرحلة ما حول انقطاع الطمث» أو Perimenopause، تتغير خلالها مستويات الهرمونات وانتظام الدورة الشهرية.
وقد تظهر خلالها الهبّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات النوم، والجفاف المهبلي، والتغيرات المزاجية.
وتختلف شدة الأعراض ومدتها بصورة كبيرة بين النساء.
فبعضهن لا يحتجن إلى علاج خاص، بينما تحتاج أخريات إلى تقييم طبي لأن الأعراض تؤثر بوضوح في نوعية حياتهن.
والأهم أن انقطاع الطمث ليس مرضاً بحد ذاته، لكن ذلك لا يعني أن الأعراض المصاحبة له يجب أن تُترك دون رعاية.
22 دولة عربية… و15 دراسة فقط
في 9 شباط 2026، نشر باحثون من مؤسسات في عُمان وبريطانيا والعراق مراجعة منهجية في مجلة Frontiers in Global Women’s Health.
هدفت الدراسة إلى فهم العوامل التي تؤثر في معرفة النساء العربيات بالعلاج الهرموني لمرحلة انقطاع الطمث، ومدى استخدامه، والعقبات التي قد تمنع الاستفادة منه.
بحث الفريق في قواعد بيانات علمية متعددة عن دراسات منشورة حتى آذار 2025.
وبعد مراجعة النتائج وفق شروط علمية محددة، اختار 15 دراسة مقطعية فقط.
وتوزعت هذه الدراسات على الإمارات والسعودية ومصر والعراق والأردن والبحرين ولبنان.
ولم يجد الباحثون دراسات مستوفية لشروط هذه المراجعة في الدول العربية الخمس عشرة الأخرى.
لكن يجب توضيح نقطة مهمة: هذا لا يعني عدم وجود أي أبحاث عن صحة النساء أو انقطاع الطمث في تلك الدول.
فالعدد يتعلق حصراً بالدراسات التي تناولت استخدام العلاج الهرموني ومعرفته والعوامل المرتبطة به، واستوفت المعايير المحددة للمراجعة.
وتراوحت أحجام العينات في الدراسات المشمولة بين 29 و591 مشاركة.
وهي عينات محدودة، تختلف في أعمار النساء اللاتي شملتهن، وطريقة جمع البيانات، والمواقع التي أُجريت فيها.
لذلك لا تستطيع هذه المراجعة وحدها تقديم معدل وطني دقيق لاستخدام العلاج الهرموني في كل بلد عربي.
لكنها تكشف بوضوح فجوة في الأدلة العلمية التي يمكن الاستناد إليها عند تطوير الرعاية الصحية.
أرقام متباينة من لبنان إلى مصر والخليج
أظهرت المراجعة اختلافات كبيرة بين الدراسات.
ففي 11 دراسة من أصل 15، أبلغ أقل من 20% من المشاركات عن استخدام العلاج الهرموني.
وفي دراسة أُجريت في الإسكندرية بمصر وشملت 450 امرأة، لم تسجل أي مشاركة استخداماً سابقاً للعلاج.
أما في دراسة بحرينية شملت 260 امرأة، فبلغت النسبة 3.9%.
وفي دراسة أُجريت في الطائف بالسعودية على 383 مشاركة، بلغت النسبة 6.2%.
لكن نتائج بعض الدراسات الأخرى كانت أعلى بكثير.
ففي بحث شمل 220 امرأة في أبوظبي والشارقة، بلغت نسبة الاستخدام المبلغ عنها 48%.
وفي دراسة لبنانية أُجريت في بيروت وشملت 123 مشاركة، بلغت النسبة 29.8%.
ولا يمكن تحويل هذه النتائج إلى ترتيب للدول العربية بحسب جودة رعاية النساء.
فالدراسات لم تستخدم جميعها المنهجية نفسها، ولا الفئات العمرية نفسها، وبعضها أُجري قبل أكثر من عشر سنوات.
كما أن ارتفاع استخدام العلاج الهرموني لا يثبت بالضرورة أن الرعاية أفضل.
فقد تتلقى امرأة علاجاً مناسباً بعد تقييم دقيق، بينما قد تتلقى أخرى وصفة من دون مناقشة كافية للمخاطر والفوائد.
والهدف الطبي ليس رفع عدد الوصفات إلى أقصى مستوى، بل تمكين كل امرأة من الحصول على الرعاية المناسبة لحالتها.
ماذا تكشف الدراسة اللبنانية؟
تكتسب الأرقام اللبنانية أهمية خاصة لأنها توفر مثالاً على الفرق بين المعرفة الطبية واستخدام العلاج.
ففي الدراسة التي شملت 123 امرأة في بيروت، أظهرت المراجعة أن نحو 64% من المشاركات لديهن معرفة بالعلاج الهرموني، بينما بلغت نسبة الاستخدام المبلغ عنها 29.8%.
لكن لا يجوز اعتبار هاتين النسبتين ممثلتين لجميع النساء في لبنان.
كما أن الدراسة الأصلية تعود إلى عام 2020، وبالتالي لا تصف بالضرورة وضع الخدمات الصحية في 2026.
ومع ذلك، تظهر هذه النتائج أهمية السؤال عن مصدر المعلومات الطبية.
فقد أشارت المراجعة إلى أن الإعلام كان من مصادر المعلومات المؤثرة لدى النساء في بعض الدراسات، بينما لم تكن الاستشارات الطبية دائماً المصدر الرئيسي للمعرفة.
وهذا يفتح باباً للمساءلة.
هل تحصل المرأة على تفسير واضح لأعراضها خلال زيارة الطبيب؟
وهل تُناقَش معها الخيارات العلاجية المختلفة؟
وهل تعرف متى يكون العلاج الهرموني مناسباً ومتى قد يشكل خطراً؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسات أحدث وأوسع نطاقاً، لا إلى تعميم نتائج عينة صغيرة.
لماذا يخاف البعض من العلاج الهرموني؟
من أكثر العوامل التي رصدتها المراجعة المخاوف المتعلقة بسلامة العلاج الهرموني وآثاره الجانبية.
وتعود بعض هذه المخاوف إلى نقاش طبي واسع بدأ عام 2002، بعد نشر نتائج أولية من دراسة Women’s Health Initiative الأميركية، أثارت القلق بشأن العلاقة بين بعض أنظمة العلاج الهرموني وسرطان الثدي وأمراض أخرى.
لكن الأبحاث اللاحقة أظهرت أن تقييم المخاطر يحتاج إلى تفاصيل أكثر مما توحي به العناوين العامة.
فالعمر الذي تبدأ فيه المرأة العلاج، والفترة التي مضت منذ انقطاع الطمث، ونوع الهرمونات المستخدمة، وطريقة إعطائها، والتاريخ المرضي، كلها عوامل تؤثر في ميزان الفوائد والمخاطر.
ولهذا لا يجوز القول إن العلاج الهرموني آمن لجميع النساء.
كما لا يجوز اعتباره خطيراً بالدرجة نفسها على جميع النساء.
فالعلاج الذي قد يكون مناسباً لامرأة تبلغ 52 عاماً وتعاني هبّات ساخنة شديدة، قد لا يكون مناسباً لامرأة أخرى لديها تاريخ مرضي يزيد مخاطر الجلطات أو بعض أنواع السرطان.
والقرار الطبي يحتاج إلى تقييم فردي ومناقشة واضحة، وليس إلى الخوف المطلق أو الترويج المطلق.
إرشادات جديدة تغيّر طريقة النقاش
في 15 تشرين الأول 2026، أصدر الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد ACOG إرشادات سريرية جديدة لإدارة الأعراض المرتبطة بانقطاع الطمث.
وتتناول الإرشادات الهبّات الساخنة والتعرق الليلي واضطرابات النوم والمزاج.
وجاءت لتحل محل نشرة إرشادية سابقة صدرت عام 2014.
وفي 23 تشرين الأول، أعلنت الجمعية الأميركية لأطباء النساء والتوليد التقويمي تأييدها لهذه التوصيات.
وتؤكد الإرشادات أهمية التثقيف المبكر، ومناقشة الخيارات بين المريضة والطبيب، وإتاحة العلاجات الهرمونية وغير الهرمونية المناسبة للحالة.
وتوصي بالعلاج الهرموني الجهازي لمعالجة الأعراض الوعائية الحركية المزعجة، مثل الهبّات الساخنة، لدى النساء اللواتي لا توجد لديهن موانع طبية.
كما تؤكد أن توقيت بدء العلاج مهم في تقييم المخاطر.
وبالنسبة إلى النساء الأصغر من 60 عاماً أو اللواتي لم تمضِ على انقطاع الطمث لديهن أكثر من عشر سنوات، قد يكون ميزان الفوائد والمخاطر أكثر ملاءمة، بحسب الحالة الصحية.
لكن هذه قاعدة عامة للتقييم، وليست وصفة تلقائية لكل امرأة.
ويجب كذلك مراعاة وجود الرحم من عدمه، لأن بعض أنظمة الإستروجين تحتاج إلى إضافة هرمون بروجستيروني لحماية بطانة الرحم.
واللافت أن الإرشادات لا تختزل الخيارات في العلاج الهرموني.
بل تتناول أدوية غير هرمونية وتدخلات سلوكية ونفسية، وفق نوع الأعراض وشدتها والأدلة المتاحة.
وهذا ما ينبغي أن يصل إلى النساء: خيارات متعددة تُناقَش بصورة علمية، لا قرار واحد مفروض على الجميع.
هل الأعشاب الطبيعية بديل مضمون؟
أظهرت المراجعة العربية أن بعض النساء يفضّلن العلاجات العشبية أو المنتجات التي تُسوّق باعتبارها «طبيعية».
وقد يكون هذا الخيار مرتبطاً بالمعتقدات الاجتماعية، أو بتجارب شخصية، أو بالقلق من العلاجات الدوائية.
لكن وصف منتج بأنه طبيعي لا يكفي لإثبات فعاليته أو سلامته.
فبعض المستحضرات العشبية قد تتداخل مع أدوية أخرى، وقد تختلف مكوناتها وتركيزاتها بحسب الجهة المصنعة.
وتشير الإرشادات الطبية الحديثة إلى أن الأدلة لا تدعم استخدام عدد من المكملات النباتية بصورة روتينية لمعالجة أعراض انقطاع الطمث.
ولا يعني ذلك أن كل تدخل غير دوائي عديم الفائدة.
فالعلاج السلوكي المعرفي وبعض التدخلات الموجهة إلى النوم والتعامل مع الأعراض يمكن أن يساعد بعض النساء، بحسب الحالة والأدلة العلمية.
لكن ينبغي التمييز بين التدخلات التي خضعت لاختبارات علمية مناسبة، والمنتجات التي تعتمد على الشهادات الشخصية أو الوعود التجارية.
لماذا لا يكفي أن نقول للمرأة «هذه مرحلة طبيعية»؟
قد يكون انقطاع الطمث طبيعياً من الناحية البيولوجية، لكن أثره اليومي ليس متشابهاً عند الجميع.
فاضطراب النوم المتكرر قد يؤثر في القدرة على التركيز والعمل.
وقد تجعل الهبّات الساخنة الشديدة بعض الأنشطة اليومية أكثر صعوبة.
كما قد تترافق التغيرات الهرمونية مع أعراض بولية أو تناسلية تحتاج إلى تقييم وعلاج مناسبين.
ولا يعني ذلك أن جميع التغيرات النفسية والجسدية التي تحدث في منتصف العمر سببها انقطاع الطمث.
فقد تكون هناك أمراض أخرى، مثل اضطرابات الغدة الدرقية أو فقر الدم أو مشكلات النوم أو اضطرابات المزاج، تحتاج إلى تشخيص مستقل.
ولهذا فإن الاستشارة الطبية الجيدة لا تكتفي بنسب كل عرض إلى العمر.
بل تحاول فهم الأعراض، واستبعاد الأسباب الأخرى عند الحاجة، ثم مناقشة الخيارات المناسبة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اعتبار كل امرأة في هذه المرحلة مريضة تحتاج إلى دواء.
فالمرأة التي لا تعاني أعراضاً مؤثرة قد لا تحتاج إلى علاج خاص.
المعيار الأساسي هو احتياجات المرأة وصحتها وتفضيلاتها، لا مجرد عمرها أو توقف دورتها الشهرية.
أين دور الأنظمة الصحية العربية؟
تُظهر مراجعة 2026 أن المشكلات التي تواجه الرعاية المتعلقة بانقطاع الطمث لا ترتبط بنقص الدراسات وحده.
فالعوامل التي تناولتها الأبحاث شملت مستوى التعليم، والتواصل مع الأطباء، والمخاوف المتعلقة بالعلاج، والاعتبارات الاجتماعية، وتوافر الاستشارة.
لكن الدراسة لا تسمح بالحكم على أداء وزارة صحة معينة أو مستشفى محدد.
فليس لدينا، اعتماداً على هذه المراجعة وحدها، جرد شامل لعدد العيادات المتخصصة أو الأطباء المدربين أو الخدمات المتاحة في كل بلد عربي.
وهذه بالضبط فجوة المعلومات التي ينبغي التعامل معها.
ومن الأسئلة التي تستحق إجابات رسمية: هل تتضمن برامج تدريب أطباء الرعاية الأولية معرفة كافية بمرحلة انقطاع الطمث؟ وهل توجد إرشادات سريرية وطنية واضحة؟ وهل تتمكن النساء من الحصول على استشارة مستقلة عن أي ضغوط تجارية أو اجتماعية؟ وهل تُغطى العلاجات المناسبة مالياً؟
كذلك ينبغي معرفة مدى وصول الخدمات إلى النساء خارج المدن الكبرى.
فوجود اختصاصيين في العاصمة لا يكفي بالضرورة لضمان حصول النساء في المناطق الريفية على الرعاية نفسها.
وتختلف الأوضاع بين الدول العربية، لذلك يجب تجنّب تصوير المنطقة كلها كأنها نظام صحي واحد.
ماذا عن صحة القلب والعظام؟
لا تقتصر مرحلة انقطاع الطمث على الهبّات الساخنة واضطرابات النوم.
فانخفاض مستويات الإستروجين يرتبط أيضاً بتغيرات في كثافة العظام، وقد تزداد مخاطر هشاشة العظام والكسور مع التقدم في العمر.
كما تتغير عوامل الخطر القلبية الوعائية خلال مرحلة منتصف العمر وما بعدها.
لكن لا ينبغي تفسير ذلك على أن انقطاع الطمث يسبب وحده كل أمراض القلب أو العظام.
فالعمر والوراثة والنشاط البدني والتغذية والتدخين وضغط الدم والسكري وعوامل أخرى تؤدي أدواراً مهمة.
ولهذا تشمل الرعاية الجيدة مراجعة عوامل الخطر الصحية وتقييم الحاجة إلى الفحوص الوقائية المناسبة.
ولا يُوصى بالعلاج الهرموني بصورة عامة لمجرد الوقاية من أمراض القلب لدى جميع النساء.
بل تُحدَّد دواعي استخدامه بحسب الأعراض والفوائد والمخاطر الفردية والتوصيات الطبية المعتمدة.
وهنا يصبح الفرق واضحاً بين الطب المبني على الأدلة وبين التسويق لفكرة أن دواءً واحداً يمكنه إيقاف جميع آثار التقدم في العمر.
15 دراسة… ماذا لا تخبرنا؟
رغم أهمية المراجعة العلمية، أقر الباحثون بقيودها.
فجميع الدراسات الخمس عشرة المشمولة كانت مقطعية، ما يجعلها مناسبة لوصف المعرفة والمواقف والاستخدام في مجموعات معينة، لكنها لا تثبت العلاقات السببية بصورة حاسمة.
كما اختلفت العينات وأدوات قياس المعرفة وظروف الرعاية بين الدراسات.
ولهذا لا يجوز جمع نسب الاستخدام المختلفة وكأنها تشكل متوسطاً يمثل جميع النساء العربيات.
ولا يمكن استنتاج أن عدم استخدام العلاج الهرموني يعني بالضرورة حرمان امرأة من علاج تحتاج إليه.
فقد لا تعاني أعراضاً تستدعي العلاج، أو قد تكون لديها موانع طبية، أو قد تفضّل خيارات أخرى بعد استشارة مناسبة.
ما تكشفه الدراسة بصورة أكثر موثوقية هو نقص البيانات المقارنة، ووجود اختلافات كبيرة في المعرفة والاستخدام، وحاجة النساء إلى معلومات صحية أفضل.
وهذا استنتاج مهم بحد ذاته.
فمن الصعب تصميم سياسات رعاية دقيقة عندما لا توجد بيانات كافية عن احتياجات السكان وتجاربهم مع الخدمات الصحية.
لماذا يهمّ تغيير الاسم أيضاً؟
في مقالها المنشور بمجلة Nature، بدأت الباحثة هالة زهر الدين فحص من المصطلح العربي الشائع «سنّ اليأس».
واعتبرت أن الاسم يحمل دلالة سلبية لا تنسجم مع حقيقة أن هذه المرحلة جزء طبيعي من حياة المرأة.
لكن تغيير الاسم وحده لن يحل المشكلة.
فيمكن استبدال المصطلح بتعبير «انقطاع الطمث»، بينما تبقى النساء من دون استشارات طبية أو معلومات موثوقة أو خيارات علاجية مناسبة.
الأهم هو تغيير طريقة الحديث عن المرحلة نفسها.
فهي ليست نهاية قيمة المرأة أو دورها الاجتماعي، وليست مرضاً ينبغي الخوف منه.
كما أنها ليست تجربة واحدة يمكن تعميمها على الجميع.
إنها مرحلة صحية تستحق المعرفة والفهم والرعاية عند الحاجة.
من يقرر ما تحتاج إليه المرأة؟
تطرح نتائج 2026 قضية تتجاوز العلاج الهرموني.
ففي المجتمعات التي تقل فيها المعلومات العلمية المتاحة، قد تتخذ المرأة قراراً صحياً بناءً على الخوف أو النصائح المتداولة أو التجارب الشخصية.
وفي المقابل، قد تتعرض إلى وصف علاج من دون شرح كافٍ لفوائده ومخاطره.
وكلا الاحتمالين يضعف قدرتها على الاختيار الواعي.
وما تطلبه الإرشادات الطبية الحديثة هو نموذج مختلف: استشارة واضحة، وتقييم فردي، ومناقشة للبدائل، ومراجعة دورية عند الحاجة.
لا ينبغي أن يكون الهدف إقناع جميع النساء باستخدام الهرمونات، أو إقناعهن جميعاً بتجنبها.
بل ضمان ألا تضطر أي امرأة إلى تحمل أعراض مؤثرة لمجرد أنها لم تعرف بوجود خيارات طبية، وألا تبدأ علاجاً لا يناسبها بسبب معلومات مضللة.
فالحق في الرعاية لا يبدأ بالحصول على وصفة طبية، بل بالحصول على المعرفة التي تجعل القرار ممكناً.
مرحلة طبيعية… وصمت ليس طبيعياً
تكشف الأدلة الجديدة أن صحة النساء في منتصف العمر تستحق مساحة أكبر في البحث الطبي والسياسات الصحية العربية.
فمراجعة علمية لم تجد سوى 15 دراسة مستوفية لشروطها عن استخدام العلاج الهرموني في سبع دول ليست حكماً على كل الخدمات الصحية، لكنها إشارة واضحة إلى ضعف المعرفة المنشورة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الإرشادات الطبية الحديثة أن هناك خيارات فعالة يمكن مناقشتها، مع ضرورة مراعاة المخاطر والاختلافات الفردية.
ولا يحتاج التعامل مع انقطاع الطمث إلى تصويره أزمة تهدد كل امرأة.
لكنه يحتاج أيضاً إلى التوقف عن اعتبار المعاناة أمراً لا يستحق الاهتمام.
فانقطاع الطمث مرحلة طبيعية من الحياة. أما نقص المعلومات الطبية، وغياب الحوار، وترك الأعراض المؤثرة دون تقييم، فليست أموراً يجب قبولها بوصفها طبيعية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الأنظمة الصحية العربية:
إذا كانت النساء يعشن سنوات طويلة بعد انقطاع الطمث، فلماذا لا تحظى صحتهن خلال هذه السنوات بالاهتمام البحثي والطبي الذي تستحقه؟


