لم تعد المعركة في عالم الصحافة تدور حول مَن يمتلك الخبر أولاً، بل حول مَن يستطيع إيصاله إلى الناس. وبين غرفة التحرير وشاشة الهاتف، ظهرت سلطة جديدة لا تحمل بطاقة صحافية، ولا تحضر اجتماعات هيئة التحرير، لكنها تؤثر يومياً في ترتيب الأخبار التي نراها، والقصص التي نتجاهلها، والموضوعات التي تتحوّل إلى قضايا رأي عام.
إنها الخوارزمية.
لا تكتب الخوارزمية التحقيقات الصحافية بالضرورة، ولا تذهب إلى الميدان، ولا تسأل المسؤولين عن قراراتهم. لكنها تشارك في تحديد أي محتوى سيصل إلى جمهور واسع، وأي محتوى قد يبقى محدود الانتشار، مهما بلغت أهميته.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا تستطيع المؤسسات الإعلامية تجاهله: إذا كان الصحافي يقرّر ما يستحق النشر، بينما تقرّر المنصات ما يستحق الظهور، فمن الذي يمارس السلطة التحريرية فعلياً؟
حين لم يعد الموقع الإخباري بوابة الأخبار الأولى
لسنوات طويلة، اعتمدت المؤسسات الإعلامية على علاقة واضحة نسبياً مع جمهورها. يشتري القارئ الصحيفة، أو يشاهد نشرة الأخبار، أو يدخل إلى الموقع الإلكتروني بحثاً عن مستجدات اليوم.
كانت المؤسسة الإعلامية تملك قدراً كبيراً من السيطرة على ترتيب موضوعاتها، وتحديد أولوياتها، والطريقة التي تقدّم بها الأخبار إلى جمهورها.
لكن هذا النموذج لم يعد وحده المسيطر.
بحسب تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد، أفاد 54% من المشاركين، عبر 48 سوقاً شملتها الدراسة، بأنهم يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو للحصول على الأخبار، مقابل 51% يستخدمون المواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية.
لا تعني هذه الأرقام أن الجمهور هجر الصحافة التقليدية بالكامل، ولا أن الفئتين منفصلتان؛ فالشخص نفسه قد يحصل على الأخبار من أكثر من مصدر. لكنها تكشف تحوّلاً بالغ الأهمية: لم تعد المؤسسة الإعلامية تتحكّم وحدها بالطريق الذي يسلكه خبرها للوصول إلى القارئ.
يمكن لمؤسسة صحافية أن تنفق أياماً على إعداد تحقيق يكشف خللاً في إدارة المال العام، ثم تكتشف أن تقريراً مصوّراً قصيراً عن موضوع أقل أهمية للمصلحة العامة حقّق انتشاراً أكبر بعشرات المرات.
ليس لأن الموضوع الثاني أكثر قيمة بالضرورة، بل لأنه قد يكون أكثر توافقاً مع سلوك الجمهور وآليات التوصية على المنصة.
وهكذا، لم يعد التنافس بين الصحافيين على جودة المعلومة وحدها، بل على قدرتها أيضاً على عبور منظومة توزيع لا يضعون قواعدها.
كيف تقرّر الخوارزمية ما نراه؟
الخوارزمية ليست كائناً غامضاً يمتلك رأياً سياسياً أو حكماً أخلاقياً مستقلاً. هي منظومة تقنية تتعامل مع إشارات وبيانات لتوقّع المحتوى الذي قد يهم المستخدم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه التوقعات عاملاً مؤثراً في انتشار الأخبار.
تشرح منصة تيك توك في وثائقها الرسمية أن أنظمة التوصية لديها تعتمد على مؤشرات تشمل ما يشاهده المستخدم، وما يعجبه أو يشاركه أو يتجاوزه، إضافة إلى معلومات عن المحتوى وإعدادات المستخدم. وتشير المنصة إلى أن تفاعلات المستخدم، ومنها مدة المشاهدة، غالباً ما تحظى بوزن أكبر من غيرها.
هذه الآلية مفهومة من منظور تصميم المنتجات الرقمية: الهدف هو اقتراح محتوى يُرجّح أن يجد فيه المستخدم اهتماماً.
لكن ما يصلح لترشيح مقطع ترفيهي لا يكفي وحده لتحديد أهمية معلومة صحافية.
فقد لا يرغب المستخدم في مشاهدة تقرير مطوّل عن تلوّث المياه أو أزمة التعليم، لكنه يحتاج إلى معرفة ما يكشفه ذلك التقرير لأن نتائجه قد تمسّ صحته أو حقوقه أو مستقبل أولاده.
هناك فرق جوهري بين ما يرغب الجمهور في مشاهدته، وما يحتاج المجتمع إلى معرفته.
والصحافة، في جوهر وظيفتها العامة، لا تستطيع أن تختزل هذا الفرق بعدد المشاهدات.
من صحافة المصلحة العامة إلى صحافة الأداء الرقمي
حين تصبح أرقام الوصول جزءاً أساسياً من تقييم النجاح، تبدأ معايير جديدة بالتسلّل إلى غرفة الأخبار.
هل العنوان جذاب بما يكفي؟ هل ستدفع الصورة المستخدم إلى الضغط؟ هل يمكن اختصار الموضوع في ثلاثين ثانية؟ هل يثير المحتوى تفاعلاً فورياً؟
هذه الأسئلة ليست خاطئة بحد ذاتها. فمن حق المؤسسات الإعلامية أن تبحث عن طرق فعّالة لإيصال مادتها إلى الجمهور، خصوصاً في بيئة تنافسية تعاني فيها كثير من المؤسسات ضغوطاً مالية.
لكن الخطر يظهر عندما تتحول معايير التوزيع إلى معايير لتحديد القيمة الصحافية.
عندها قد يتراجع الاهتمام بالملفات التي تحتاج إلى متابعة طويلة، أو التي لا تنتج صوراً مثيرة، أو التي تتطلب من القارئ جهداً لفهمها.
تخيّل مؤسسة إعلامية أمام خيارين: متابعة ملف إداري معقّد يتعلّق بعقود عامة، أو إنتاج سلسلة من المقاطع السريعة التي يُتوقّع أن تحقق تفاعلاً واسعاً.
ليس ضرورياً أن تختار المؤسسة الخيار الثاني، لكن الضغوط التجارية قد تجعل تفضيله أكثر إغراءً.
وهنا لا تصبح الخوارزمية رئيسة تحرير بالمعنى الحرفي، بل تتحول إلى قوة اقتصادية تدفع المؤسسة إلى تعديل سلوكها التحريري مسبقاً، حتى قبل نشر المادة.
إنها سلطة غير مباشرة، لكنها قد تكون شديدة التأثير.
أزمة أخرى: الصحافة تخسر السيطرة على جمهورها
المشكلة لا تتوقف عند اختيار العناوين والصور.
فالمؤسسات الإخبارية أصبحت تعتمد بدرجات متفاوتة على منصات خارجية لجلب القرّاء، ما يجعل وصولها إلى الجمهور عرضة لتغيّرات في أنظمة التوزيع والبحث.
في تقرير الاتجاهات والتوقعات الإعلامية لعام 2026، أورد معهد رويترز بيانات من شركة «تشارتبيت» تشير إلى انخفاض الإحالات من البحث العضوي عبر غوغل بنسبة 33% عالمياً بين تشرين الثاني 2024 وتشرين الثاني 2025، ضمن شبكة تضم أكثر من 2500 موقع.
ومن المهم هنا عدم تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية الكاملة عن هذا الانخفاض؛ فالتقرير نفسه يوضح أن حجم إسهام الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التراجع ليس محسومًا، وأن تأثيراتها تختلف بحسب أنواع المحتوى.
لكن النتيجة الأوسع تستحق الانتباه: المؤسسة التي تبني نموذجها الاقتصادي على الزيارات القادمة من جهة واحدة تصبح أكثر عرضة للتغيّرات التي تحدث خارج نطاق سيطرتها.
وإذا كانت الصحافة تحتاج إلى تمويل لاستمرار استقلاليتها، فإن خسارة القدرة على الوصول المباشر إلى الجمهور قد تتحول تدريجياً إلى أزمة في استقلال القرار التحريري نفسه.
فالصحافي الذي يقيس نجاحه حصراً بمقدار ما تمنحه المنصة من انتشار، قد يبدأ في التفكير بمنطق المنصة، لا بمنطق المصلحة العامة.
هل أصبحت الأخبار الأكثر انتشاراً هي الأكثر موثوقية؟
تكشف أرقام رويترز جانباً آخر من التناقض.
ففي استطلاع عام 2026، تراجعت نسبة الثقة العامة بالأخبار إلى 37% في المتوسط عبر الأسواق المشمولة، بينما بلغت نسبة القلق من المعلومات المضللة على الإنترنت 62%.
هذه النتائج لا تثبت أن الخوارزميات هي السبب المباشر في انخفاض الثقة. فالثقة بالصحافة تتأثر بعوامل سياسية واجتماعية ومؤسساتية عديدة.
لكنها تكشف مفارقة يصعب تجاهلها: الجمهور يزداد اعتماداً على قنوات توزيع إخبارية لا يثق بها بالقدر نفسه الذي يثق فيه ببعض المؤسسات الصحافية المعروفة.
وهذا يضعنا أمام سؤال يتجاوز التكنولوجيا.
هل نمنح المحتوى الثقة لأنه موثوق فعلاً، أم لأننا نراه يتكرر أمامنا، ويحظى بتفاعل واسع، ويظهر في واجهة تبدو مألوفة؟
إن الانتشار ليس دليلاً على الصحة، كما أن ضعف الانتشار ليس دليلاً على ضعف القيمة.
وقد يكون الخبر الدقيق أقل إثارة من رواية مضللة، لكن ذلك لا يجعله أقل استحقاقاً للوصول إلى الناس.
ماذا يعني ذلك للصحافة في لبنان والعالم العربي؟
في بيئة إعلامية مثل لبنان، يصبح هذا النقاش أكثر تعقيداً.
فالمؤسسات الإعلامية لا تتنافس على اهتمام الجمهور فحسب، بل تواجه أيضاً تحديات التمويل والاستمرارية والحفاظ على ثقة القرّاء.
وقد تبدو المنصات الرقمية فرصة لا غنى عنها للوصول إلى جمهور لا يزور المواقع الإخبارية بصورة منتظمة.
وهذه فرصة حقيقية، لا ينبغي إنكارها.
فالمنصات أتاحت أيضاً لصحافيين مستقلين ومؤسسات صغيرة نشر موادهم خارج الحدود الجغرافية التقليدية، والوصول إلى قرّاء كان من الصعب الوصول إليهم سابقاً.
لكن الوصول الواسع لا يساوي بالضرورة علاقة مستدامة مع الجمهور.
يمكن أن يشاهد شخص تقريراً لمؤسسة إعلامية ثم ينسى اسمها بعد دقائق، لأن التجربة ارتبطت بالمنصة التي عرضت التقرير، لا بالمؤسسة التي أنتجته.
وهنا تظهر أهمية بناء علاقة مباشرة بين القارئ والمؤسسة: عبر الموقع الإلكتروني، والنشرات البريدية، والاشتراكات، والهوية التحريرية الواضحة، والمحتوى الذي يمنح القارئ سبباً للعودة.
فالهدف ليس الانسحاب من المنصات، بل ألّا تصبح المنصات الطريق الوحيد إلى الجمهور.
ماذا لو استعادت غرفة الأخبار حقها في الاختيار؟
لا يمكن للصحافة اليوم تجاهل البيانات أو التعامل مع التحول الرقمي كأنه خطر يجب الهروب منه.
فالبيانات تساعد في فهم الجمهور، وتطوير طرق السرد، واكتشاف الموضوعات التي لا تصل إلى الفئات المستهدفة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهّل جوانب من البحث والإنتاج والمتابعة.
لكن استخدام هذه الأدوات شيء، وتسليمها المعايير التحريرية شيء آخر.
تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى التمييز بين قياس الأداء الرقمي وقياس الأثر الصحافي.
قد يُظهر تقرير تحليلي أرقام مشاهدة متواضعة، لكنه يقدّم معلومات يحتاج إليها المواطن لفهم قرار عام. وقد يحقق تحقيق استقصائي أثراً مجتمعياً أو مؤسساتياً لا تعكسه أرقام التفاعل الأولى.
وبالمقابل، ليس كل محتوى واسع الانتشار سطحياً أو بلا قيمة. فقد تسهم المواد القصيرة، حين تُنتج بدقة، في إيصال حقائق مهمة إلى جمهور أوسع.
المعيار، إذاً، ليس طول المادة ولا شكلها، بل مدى دقتها، واستقلاليتها، وقدرتها على خدمة حاجة معرفية حقيقية.
والمؤسسة التي تريد الاستفادة من الخوارزميات من دون أن تخضع لمنطقها بالكامل، تحتاج إلى إعلان أولوياتها التحريرية بوضوح، وتعزيز التحقق، وشرح اختياراتها، والاحتفاظ بمساحة للموضوعات التي تستحق النشر حتى عندما لا تعد بانتشار مرتفع.
من يملك القرار الأخير؟
في غرف الأخبار التقليدية، كان رئيس التحرير مسؤولاً عن قرارات يمكن مساءلته بشأنها. يمكن للقارئ أن ينتقد العنوان، أو يعترض على طريقة المعالجة، أو يطالب بتصحيح خطأ.
أما أنظمة التوصية، فتعمل وفق نماذج تتغير باستمرار، ولا تكشف عادةً للجمهور أو للناشرين جميع تفاصيل عملها.
وهذا لا يجعلها مسؤولة وحدها عن اختيارات الصحافة. فما زال المحررون والناشرون يملكون قرارات مهمة بشأن التغطية، والعناوين، والمصادر، وأخلاقيات المهنة.
لكن السلطة على ما يراه الجمهور أصبحت موزّعة بين من ينتج الخبر، ومن ينشره، ومن يصمّم أنظمة إيصاله.
لهذا لا يكفي أن نسأل إن كانت الخوارزمية تتحكم بالأخبار؛ بل يجب أن نسأل كيف تؤثّر في قرارات المؤسسات التي تنتجها، وما الضمانات التي تمنع تحويل المصلحة العامة إلى مجرد مؤشر أداء.
لقد غيّرت التكنولوجيا شكل الصحافة مراراً، من المطبعة إلى الإذاعة والتلفزيون والإنترنت. وفي كل مرحلة، تغيّرت أدوات الوصول، لكن المبرر الأساسي لوجود الصحافة ظلّ مرتبطاً بالحقيقة والمساءلة وحق المجتمع في المعرفة.
واليوم، قد تكون أخطر خسارة تتعرض لها الصحافة ليست انخفاض عدد الزيارات، بل أن تعتاد اتخاذ قراراتها وفق ما يُرجّح أن تمنحه الخوارزمية من انتشار.
فالصحافة التي تنشر فقط ما يريد الجمهور مشاهدته، تخاطر بالتخلي عن مسؤوليتها في كشف ما يحتاج الجمهور إلى معرفته.
وعندما يصبح السؤال الأول في غرفة الأخبار «كم مشاهدة سيحقق هذا الموضوع؟» بدلاً من «لماذا يجب أن يعرف الناس هذه الحقيقة؟»، لا تكون الخوارزمية قد استولت على مقعد رئيس التحرير بالقوة.
تكون غرفة الأخبار قد تركت المقعد شاغراً.


