ثمة مشهد يتكرر في لبنان من دون أن يحتاج إلى كاميرا.
رجل يقف أمام صندوق المحاسبة في متجر. تظهر القيمة على الشاشة، فينظر إلى ما اشتراه، يمد يده إلى السلّة ويعيد منها قطعة.
أمّ تضع ورقة قسط المدرسة إلى جانب فاتورة الكهرباء وتسأل نفسها: أيهما يمكن أن ينتظر؟
موظف يحسب عدد الأيام التي يستطيع فيها الذهاب بسيارته إلى العمل بما تبقى معه من مال.
ومريض يسأل عن كلفة الفحص قبل أن يسأل عن موعده.
ليست هذه مشاهد استثنائية.
وهنا تكمن المشكلة.
ما كان يُعدّ قبل سنوات مؤشراً إلى أزمة، أصبح اليوم جزءاً من الروتين اليومي لكثير من الأسر. فاللبناني لا يعيش فقط في بلد ترتفع فيه الأسعار؛ بل داخل منظومة معيشية باتت تجبره باستمرار على إعادة تعريف ما هو ضروري وما هو قابل للاستغناء.
والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: كم ارتفعت الأسعار؟
بل: ماذا يحدث للمجتمع حين تصبح الحاجات الأساسية نفسها موضع مفاضلة؟
يستند هذا التحقيق إلى أحدث البيانات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي والبنك الدولي واليونيسف، في محاولة لقراءة الأرقام من مكان آخر: لا بوصفها مؤشرات اقتصادية مجردة، بل بما تفعله فعلياً داخل المنزل اللبناني.
أربعة من كل خمسة… الرقم الذي يختصر المشهد
في 30 أيلول/سبتمبر 2026، نشرت اليونيسف نتائج تقييم جديد حول أوضاع الأطفال والشباب والأسر في لبنان.
النتيجة الأساسية كانت ثقيلة: أربع من كل خمس أسر تواجه صعوبة في تحمّل كلفة احتياجاتها الأساسية، بحسب التقييم.
لكن الرقم يصبح أكثر وضوحاً حين يُفكك.
22 في المئة من الأسر المشمولة قالت إن أطفالها ذهبوا إلى الفراش جائعين خلال الفترة التي تناولها المسح.
31 في المئة قالت إن أطفالها لم يحصلوا على رعاية صحية كانوا يحتاجون إليها، وكان السبب الرئيسي عدم قدرة الأسرة على تحمّل الكلفة.
46 في المئة خفّضت إنفاقها على التعليم.
و17 في المئة قالت إن أطفالها اضطروا إلى التوقف عن الذهاب إلى المدرسة.
كما أفادت 14 في المئة من الأسر بأن لديها طفلاً واحداً على الأقل يعمل، وهي نسبة قالت اليونيسف إنها تجاوزت ضعفي المستوى المسجل في كانون الثاني/يناير 2025.
هذه ليست أرقاماً عن مستوى الرفاهية.
إنها أرقام عن الطعام والتعليم والصحة والعمل.
أي عن المساحة التي يُفترض أنها تشكل الحد الأدنى من حياة الأسرة.
وفي الوقت نفسه، كانت الأسعار تواصل الصعود. فقد سجل مؤشر أسعار الاستهلاك الرسمي في آب/أغسطس 2026 ارتفاعاً سنوياً بنسبة 16.66 في المئة مقارنة بآب/أغسطس 2025، وفق إدارة الإحصاء المركزي.
لكن نسبة 16.66 في المئة لا تقول ماذا فعلت الأسرة كي تتحملها.
وهنا يبدأ التحقيق الحقيقي.
الراتب الذي يصل بعدما تكون الحياة قد أنفقته
في الحسابات التقليدية، يحصل الموظف على راتبه ثم يوزعه على حاجاته.
في الواقع اللبناني، يحدث الأمر بصورة معاكسة أحياناً.
تكون الحاجات قد وصلت أولاً.
إيجار أو قسط سكن.
كهرباء واشتراك مولد أو بدائل الطاقة.
هاتف وإنترنت.
طعام.
مدرسة.
دواء.
نقل.
بنزين.
ومدفوعات لم تكن موجودة أصلاً في ميزانية الشهر.
وحين يصل الدخل، لا تبدأ عملية الإنفاق؛ بل تبدأ عملية تغطية ما سبقه.
بهذا المعنى، تغيرت وظيفة الراتب.
كان الراتب، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الطبقة الوسطى، يسمح بثلاثة أشياء في الوقت نفسه: العيش اليوم، والادخار للغد، والتخطيط لما بعد الغد.
أما حين تستهلك المصاريف الأساسية معظم الدخل، فيختفي العنصران الأخيران.
لا ادخار.
ولا تخطيط.
ويبقى الشهر نفسه هو الأفق المالي للعائلة.
وهذا التحول أخطر من ارتفاع سعر سلعة محددة، لأنه يغير علاقة الإنسان بالمستقبل.
فمن لا يعرف إن كان يستطيع تحمل فاتورة مفاجئة بعد شهر، يصعب عليه التفكير في شراء منزل بعد خمس سنوات، أو تمويل تعليم أبنائه الجامعي، أو بناء مدخرات للتقاعد.
هكذا تتحول الأزمة من نقص في القدرة الشرائية إلى نقص في القدرة على التخطيط.
ما الذي تحذفه الأسرة أولاً؟
الأزمات المنزلية لا تبدأ غالباً بإلغاء الطعام أو المدرسة.
تبدأ من الأطراف.
رحلة في الصيف.
عشاء في مطعم.
اشتراك في نادٍ.
قطعة ملابس لمناسبة غير ضرورية.
تغيير الهاتف.
نشاط للأطفال.
هدية.
ثم تبدأ الدائرة بالاقتراب أكثر من الأساسيات.
تصبح زيارة الأقارب البعيدين مرتبطة بكلفة البنزين.
تُؤجل صيانة السيارة.
يُستبدل منتج غذائي بآخر أرخص.
تُخفّض كمية اللحوم.
يُلغى نشاط للطفل.
يُؤجّل فحص طبي.
ثم تصل الأسرة إلى المرحلة التي لا يعود فيها السؤال عمّا يمكن اعتباره رفاهية، بل أي الضروريات يمكن تأخيرها.
وهذا تحديداً ما تكشفه بيانات اليونيسف الأخيرة: التقليص وصل إلى التعليم والرعاية الصحية والغذاء، وهي قطاعات يصعب تعريفها بوصفها كماليات.
يمكن للعائلة أن تعتاد عدم السفر.
لكن ماذا يعني أن تعتاد تأجيل الطبيب؟
المدرسة… حين يصبح المستقبل فاتورة شهرية
الأزمة التعليمية في لبنان لا تبدأ عند باب المدرسة.
تبدأ قبل ذلك بكثير، على طاولة الطعام داخل المنزل.
هناك، يصبح التعليم مجموعة أرقام:
القسط.
الكتب.
القرطاسية.
الزي المدرسي.
النقل.
الأنشطة.
والمبالغ الطارئة خلال السنة.
وإذا كان في الأسرة طفلان أو ثلاثة، تتضاعف المعادلة.
لكن التعليم يختلف عن كثير من المصاريف الأخرى.
الأهل لا يدفعون فقط مقابل عام دراسي؛ بل يدفعون مقابل فكرة المستقبل نفسها.
ولهذا تصبح المفاضلة مؤلمة.
فحين تضطر الأسرة إلى نقل طفل من مدرسة إلى أخرى بسبب الكلفة، أو تقليص مصاريف تعليمية، أو إخراجه من المدرسة، لا تكون قد عدّلت بنداً في موازنتها فحسب. إنها تتخذ قراراً يمكن أن يمتد أثره سنوات.
وبحسب تقييم اليونيسف الصادر في 30 أيلول، خفّضت 46 في المئة من الأسر المشمولة إنفاقها على التعليم، فيما قالت 17 في المئة إن أطفالها اضطروا إلى التوقف عن الذهاب إلى المدرسة.
حتى بالنسبة إلى الذين بقوا في المدرسة، قالت اليونيسف إن 29 في المئة لم يتمكنوا من التعلم بالشكل المتوقع، مع ارتباط ذلك، من بين عوامل أخرى، بصعوبة التركيز والضائقة النفسية.
ويضاف الضغط المعيشي إلى أثر النزاع على البنية التعليمية نفسها. فقد أحصت اليونيسف 436 مدرسة تضررت أو دُمّرت، وقدّرت أن نحو 100 ألف طفل أصبحوا معرضين لخطر عدم توفر صف دراسي لهم.
هنا تصبح المشكلة مزدوجة.
أسرة تعجز أكثر فأكثر عن تمويل التعليم.
ونظام تعليمي يتعرض هو نفسه لضغوط هائلة.
والنتيجة لا تظهر كلها اليوم.
جزء منها سيظهر بعد سنوات في مستوى المهارات وفرص العمل والهجرة والتركيب الاجتماعي للبلد.
السوبرماركت… حيث تصبح الأرقام مرئية
قد تكون عربة السوبرماركت أفضل مؤشر يومي إلى التحول الذي أصاب القدرة الشرائية.
فالعائلة لا تحتاج إلى مقارنة جداول التضخم كي تشعر بالفارق.
يكفي أن تحاول شراء الأشياء نفسها.
لكن السلة لم تعد نفسها.
يتحول التسوق إلى عملية حساب.
السعر أولاً.
ثم الوزن.
ثم الحاجة.
ثم البديل.
وتبدأ عملية حذف صامتة.
هذا المنتج يمكن الاستغناء عنه.
ذاك يمكن شراء عبوة أصغر منه.
وهذا النوع يمكن استبداله بعلامة أرخص.
وتلك القطعة يمكن تأجيلها إلى الأسبوع المقبل.
وفي بعض الأحيان تصل عملية المراجعة إلى صندوق المحاسبة نفسه، عندما تكون الفاتورة أعلى من المتوقع.
هكذا يتغير مفهوم الأمن الغذائي أيضاً.
فالجوع ليس دائماً مائدة فارغة تماماً.
قد يكون مائدة موجودة، ولكن أقل تنوعاً.
بروتين أقل.
فاكهة أقل.
منتجات أرخص.
وجبات أصغر.
وفي تقييم اليونيسف الأخير، قالت أكثر من أسرة من كل خمس أسر شملها المسح، أي 22 في المئة، إن أطفالها ذهبوا إلى الفراش جائعين. كما أفادت المنظمة بأن 10 في المئة فقط من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة تمكنت من توفير نظام غذائي متنوع بما يكفي لهم.
وهنا يتوقف الموضوع عن كونه مسألة «مصاريف منزلية».
الطعام الذي يُحذف اليوم يمكن أن يتحول غداً إلى قضية صحة ونمو وتعليم.
البنزين… حين يصبح الوصول إلى العمل جزءاً من كلفة العمل
ثمة مفارقة يومية أخرى.
يذهب الإنسان إلى عمله كي يحصل على راتب.
لكنه يحتاج إلى جزء من ذلك الراتب كي يستطيع الذهاب إلى العمل.
في بلد يعتمد فيه كثيرون على السيارة الخاصة بسبب محدودية خيارات النقل العام، ليست كلفة البنزين بنداً منفصلاً عن الوظيفة.
إنها جزء من كلفة الحصول على الدخل نفسه.
وفي آذار/مارس 2026، سجل مؤشر أسعار الوقود لدى إدارة الإحصاء المركزي ارتفاعاً شهرياً بلغ 36.48 في المئة، في شهر ارتفع فيه مؤشر أسعار الاستهلاك العام 4.91 في المئة مقارنة بالشهر السابق.
ولم يكن وقع الارتفاع متطابقاً جغرافياً. ففي ذلك الشهر، سجلت النبطية أعلى زيادة شهرية في مؤشر الأسعار بين المحافظات، بنسبة 7.78 في المئة، فيما أشارت إدارة الإحصاء المركزي نفسها إلى صعوبات كبيرة في جمع الأسعار في المناطق المتأثرة بالنزاع واضطرارها إلى استخدام وسائل تقديرية وبيانات بديلة في بعض الحالات.
لكن البنزين لا يغير ميزانية النقل فقط.
يمكنه أن يغير الحياة الاجتماعية نفسها.
زيارة الأهل تصبح مكلفة.
المشوار إلى منطقة أخرى يحتاج إلى تفكير.
النشاط الأسبوعي للأطفال يُختصر.
حتى العلاقات الاجتماعية يمكن أن تتأثر بالمسافة حين يصبح لكل كيلومتر ثمن أكبر.
وهكذا تتحول أزمة الطاقة، بطريقة غير مباشرة، إلى عامل يعيد رسم الجغرافيا الاجتماعية للناس.
المرض… المصروف الذي لا ينتظر نهاية الشهر
يمكن تأجيل شراء أريكة.
يمكن إلغاء رحلة.
يمكن الاحتفاظ بالسيارة القديمة سنة إضافية.
لكن المرض لا يعمل وفق الموازنة.
طفل ترتفع حرارته في منتصف الليل لا يعرف أن الراتب يصل بعد أسبوع.
ألم مفاجئ لا ينتظر أن تتحسن السيولة.
وهنا يظهر واحد من أكثر جوانب الأزمة قسوة.
حين يصبح السؤال الأول قبل العلاج:
كم سيكلف؟
ليس لأن الصحة فقدت أهميتها، بل لأنها أصبحت محاطة بحسابات مالية في كل خطوة.
معاينة.
تحاليل.
تصوير.
دواء.
مستشفى.
ونقل.
وقد قالت 31 في المئة من الأسر التي شملها تقييم اليونيسف الأخير إن أطفالاً لديها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي كانوا يحتاجون إليها، وكان السبب الرئيسي عدم قدرة الأسرة على تحمل الكلفة.
هذه النسبة تعني أن الأزمة تجاوزت منذ زمن مفهوم «الغلاء».
فحين يدخل السعر بين المريض والعلاج، يصبح النقاش متعلقاً بالوصول إلى حق أساسي.
الطفل يعرف الأزمة… حتى لو لم يعرف معنى التضخم
قد لا يعرف الطفل ما هو مؤشر أسعار الاستهلاك.
ولا يفهم معنى الناتج المحلي الإجمالي.
لكنه يتعلم قاموساً آخر.
«غالي».
«مش هلّق».
«منجيبها بعدين».
«هالشهر ما فينا».
يراقب الأطفال طريقة كلام الأهل عن المصاريف.
يسمعون النقاش حول القسط.
يشعرون بالتوتر حين تتعطل السيارة.
ويتوقف بعضهم تدريجياً عن طلب أشياء يعرفون مسبقاً أن الإجابة عنها ستكون «لا».
وهذا الجانب النفسي لا يظهر في فاتورة ولا في سعر صرف.
لكن بيانات اليونيسف تشير إلى اتساعه بصورة لافتة.
فقد قدّرت المنظمة أن نحو 770 ألف طفل عانوا من ضائقة نفسية خلال الأشهر الستة السابقة لتقييمها، فيما قالت 63 في المئة من الأسر إن أطفالها شعروا بالقلق أو التوتر، وأفادت أكثر من نصف الأسر بتراجع الرفاه النفسي لأطفالها.
وهنا تكتسب الأزمة بعداً آخر.
فالطفل لا يرث فقط نتائج الاقتصاد.
قد يرث أيضاً قلقه.
طبقة وسطى لا تختفي دفعة واحدة
من أصعب جوانب الأزمة اللبنانية تصويراً ذلك التآكل الذي يحدث من دون مشاهد درامية واضحة.
هناك عائلة ما زالت تملك منزلاً.
سيارة أمام البناء.
هواتف محمولة.
إنترنت.
أطفال في المدرسة.
ومن الخارج، تبدو الحياة طبيعية.
لكن الفرق بين الاستقرار والهشاشة قد يكون فاتورة واحدة.
عطل كبير في السيارة.
عملية جراحية.
خسارة وظيفة.
قسط جامعي.
أو شهران من دون دخل.
الطبقة الوسطى لا تختفي في صباح واحد.
إنها تفقد هوامش الأمان أولاً.
تتوقف عن الادخار.
ثم عن السفر.
ثم تؤجل المشتريات الكبيرة.
ثم تستهلك مدخراتها.
ثم تعتمد على تحويلات قريب.
ثم يصبح كل مصروف طارئ أزمة صغيرة.
وهذا ربما أحد أكثر التغيرات الاجتماعية عمقاً منذ بدء الانهيار المالي في 2019.
ليس ضرورياً أن يفقد الإنسان كل ما لديه كي يشعر بأنه أصبح أقل أماناً.
يكفي أن يفقد قدرته على مواجهة المفاجآت.
اقتصاد خرج من التعافي قبل أن يصل إليه
المشهد العائلي لا ينفصل عن الصورة الاقتصادية الأوسع.
دخل لبنان عام 2026 بعد نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي قدّره البنك الدولي بنحو 4.2 في المئة خلال 2025، وهو أعلى نمو منذ بداية الأزمة المالية في 2019.
لكن هذا التعافي بقي هشاً.
ففي تقريره الاقتصادي لصيف 2026، قال البنك الدولي إن تجدد النزاع في آذار قطع مسار التحسن، وأدى إلى أضرار في المساكن والبنية التحتية، ونزوح السكان واضطراب سلاسل الإمداد وضغوط قوية على السياحة والاستهلاك المحلي.
والتوقع لعام 2026 كان معاكساً تماماً للعام السابق.
انكماش حقيقي بنسبة 6.4 في المئة.
كما توقع البنك الدولي وصول التضخم إلى نحو 17.5 في المئة خلال السنة، في ظل اضطرابات الإمداد وارتفاع كلفة الشحن والنفط، مع مزيد من الضغط على القوة الشرائية.
وهذا التراجع مهم اجتماعياً بقدر أهميته اقتصادياً.
فالاقتصاد الضعيف يعني فرص عمل أقل.
والمؤسسات المتضررة تعني قدرة أضعف على رفع الأجور.
وتراجع السياحة والاستهلاك ينعكس على عشرات القطاعات التي تعتمد عليها.
وهكذا يصبح الفرد عالقاً بين طرفين يتحركان في اتجاهين متعاكسين:
الأسعار ترتفع.
وقدرة الاقتصاد على توليد الدخل تتراجع.
الأزمة ليست متساوية للجميع
من الخطأ أيضاً التعامل مع المجتمع اللبناني ككتلة واحدة.
أسرة تحصل على دخل ثابت بالدولار ليست كأسرة تتقاضى جزءاً كبيراً من دخلها بالليرة.
من يملك منزله ليس كمن يدفع إيجاراً.
من لديه تأمين صحي ليس كمن يدفع الفاتورة كاملة.
من يستطيع الاعتماد على تحويلات من الخارج ليس كمن يعيش بالكامل من دخله المحلي.
ومن يسكن قرب مكان عمله ليس كمن يقطع عشرات الكيلومترات يومياً.
لذلك قد تبدو الحياة طبيعية في شارع، بينما تكون شديدة القسوة في شارع آخر.
وهذه ربما إحدى سمات الأزمة اللبنانية الجديدة.
الفقر والهشاشة لا يظهران دائماً بالشكل التقليدي.
يمكن لشخص أن يملك هاتفاً حديثاً، لكنه لا يملك تغطية كافية لفاتورة مستشفى مفاجئة.
يمكن لعائلة أن تملك سيارة، لكنها تحسب بدقة عدد المرات التي تستخدمها فيها أسبوعياً.
ويمكن لطفل أن يكون مسجلاً في مدرسة خاصة، بينما يكافح والداه شهراً بعد آخر للحفاظ عليه فيها.
الأزمة تدخل غرفة الجلوس
للغلاء فواتير لا تظهر في أي إيصال.
التوتر بين الزوجين.
الخوف من المصروف الطارئ.
القلق من القسط المقبل.
تأجيل قرار إنجاب طفل آخر.
الشعور بالذنب تجاه الأبناء.
الخوف من خسارة الوظيفة.
والتفكير المستمر في الهجرة.
هذه كلها نتائج يصعب إدخالها في جدول اقتصادي.
لكنها موجودة داخل المنزل.
حين تكون الأسرة تحت ضغط مالي مزمن، لا تبقى المسألة خارج العلاقات الإنسانية.
يمكن أن تصبح كل فاتورة موضوع نقاش.
كل طلب جديد مصدر توتر.
وكل قرار صغير يحتاج إلى حساب.
في هذه المرحلة، لا يعيش الفرد أزمة اقتصادية فقط.
بل يعيش اقتصاد الأزمة نفسياً واجتماعياً.
وحين يصبح الحل الشخصي هو الرحيل
من هنا يصبح سؤال الهجرة مفهوماً بصورة مختلفة.
بالنسبة إلى كثيرين، لا يبدأ التفكير في الرحيل من البحث عن الثراء.
بل من البحث عن القدرة على التوقع.
كم سأحصل في نهاية الشهر؟
كم ستكلف المدرسة؟
هل أستطيع دخول المستشفى إذا مرض ابني؟
هل يمكنني الحصول على قرض؟
هل أستطيع أن أوفر شيئاً من راتبي؟
هل أعرف تقريباً كيف ستكون حياتي السنة المقبلة؟
إنها أسئلة عادية جداً.
لكن حين تصبح الإجابة عنها غير واضحة لسنوات، يتحول الاستقرار نفسه إلى طموح.
وتظهر خطورة ذلك بصورة أكبر لدى الشباب. فقد أشار تقييم سابق لليونيسف في 2026 إلى أن 22 في المئة فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً ممن شملهم التقييم كانوا في المدرسة أو الجامعة، مع لعب العوائق المالية دوراً أساسياً، فيما بلغت البطالة بينهم وقت المسح 67 في المئة.
وحين تلتقي محدودية فرص العمل بصعوبة التعليم وارتفاع كلفة المعيشة، يصبح السؤال بالنسبة إلى شريحة من الشباب أقل ارتباطاً بـ«هل أريد الهجرة؟» وأكثر ارتباطاً بـ«هل أستطيع بناء حياة هنا؟».
من يدفع ثمن التأقلم؟
منذ 2019، أظهر اللبنانيون قدرة كبيرة على التأقلم.
انهيار مالي.
قيود مصرفية.
تراجع في العملة.
كهرباء.
جائحة.
انفجار.
حروب واضطرابات.
نزوح.
غلاء.
وفي كل مرحلة ظهرت حلول فردية.
ألواح شمسية بدل الكهرباء.
الدولار بدل الليرة في كثير من المعاملات.
عمل إضافي إلى جانب الوظيفة الأساسية.
تحويلات من الخارج.
تقليص الإنفاق.
تأجيل مشاريع.
وهجرة.
لكن ثمة خطراً في الاحتفاء المستمر بقدرة الناس على «التدبر».
فالقدرة على الاستمرار لا تعني أن الوضع طبيعي.
والقدرة على التكيف لا تعني أن تكلفة التكيف مجانية.
حين يتكيف الأب عبر العمل في وظيفتين، هناك وقت أقل للعائلة.
حين تتكيف الأسرة عبر إلغاء نشاط الطفل، هناك تجربة يخسرها.
حين تتكيف عبر تأجيل الطبيب، هناك خطر صحي.
حين تتكيف عبر سحب مدخراتها، هناك أمان مستقبلي يختفي.
وحين تتكيف عبر إرسال أبنائها إلى الخارج، هناك بلد يخسر جزءاً من رأسماله البشري.
السؤال، إذاً، ليس فقط: كيف استطاع اللبنانيون الاحتمال كل هذه السنوات؟
بل:
ماذا دفعوا في مقابل هذا الاحتمال؟
ليست أزمة أسعار
ربما يكون وصف كل ما يجري بأنه «غلاء معيشة» غير كافٍ.
فالغلاء يجعل المشكلة تبدو وكأنها موجودة على بطاقة السعر.
بينما التحقيق في حياة الناس يكشف شيئاً أوسع.
المشكلة موجودة في المسافة بين الدخل والحاجة.
بين التعليم والقدرة على تمويله.
بين المرض والوصول إلى العلاج.
بين الوظيفة وكلفة الوصول إليها.
بين وجود الطعام ونوعيته.
بين امتلاك منزل والشعور بالأمان داخله.
وبين العيش في بلد والقدرة على بناء مستقبل فيه.
حين تقول أسرة إنها خفضت إنفاقها على التعليم، لا يتحدث الرقم عن المال فقط.
وحين ينام طفل جائعاً، لا نتحدث عن أسعار الأغذية فقط.
وحين يؤجَّل العلاج بسبب الكلفة، لا نتحدث عن فاتورة طبية فقط.
وحين يعمل طفل لمساعدة أسرته، لا نتحدث عن سوق العمل فقط.
نحن نتحدث عن مجتمع تعاد كتابة أولوياته تحت الضغط.
ولهذا لا يمكن قياس حجم الأزمة بسعر البنزين أو نسبة التضخم وحدهما.
السؤال الأهم هو: ما الذي يبقى من حياة الناس بعد أن يدفعوا ثمن الضروريات؟
هل يبقى وقت؟
هل يبقى ادخار؟
هل تبقى فرصة للتعليم؟
هل تبقى قدرة على العلاج؟
هل يبقى مجال للترفيه؟
هل يبقى أمل في الغد؟
أم تتحول الحياة كلها إلى عملية حساب طويلة هدفها الوصول إلى نهاية الشهر؟
في لبنان اليوم، لم تعد الرفاهية بالنسبة إلى كثيرين أن يملكوا الكثير.
الرفاهية أصبحت أن يتمكنوا من دفع ما هو ضروري، من دون أن يضطروا في المقابل إلى حذف ضرورة أخرى من حياتهم.
وهنا تحديداً لم تعد القضية قضية أسعار.
إنها قضية حياة.


