بقلم: د. حسين غزالة
ننتظر انتهاء الأزمة، وتحسّن الدخل، وهدوء الأيام كي نبدأ ما نريده. لكن ماذا يحدث حين يصبح الانتظار طريقة دائمة للعيش، وتبقى حياتنا معلّقة على موعد لا يأتي؟
«حين تتحسّن الظروف».
عبارة قصيرة نستطيع أن نضع خلفها حياة كاملة: زيارة مؤجّلة، دراسة لم نبدأها، مشروع لم نجرّبه، وقت مع أولادنا، أو جلسة هادئة لا ننظر خلالها إلى الساعة.
نقولها لأن هناك ما يضغط علينا فعلاً. فالمال لا يكفي، والعمل لا ينتهي، والقلق يستهلك ما تبقّى من النهار. نؤجّل بعض ما نحبّ كي نحمي ما نحتاج إليه، ونَعِد أنفسنا بأننا سنعود إليه عندما تهدأ الأمور.
لكن الأمور قد تتغيّر من دون أن تهدأ. تنتهي مشكلة وتبدأ أخرى، يكبر الأولاد، يتعب الأهل، ويصبح ما ظننّاه تأجيلاً قصيراً مسافة يصعب استعادتها.
عندها يظهر السؤال: متى يكون الانتظار ضرورة، ومتى يتحوّل إلى عادة تُبعدنا عن حياتنا؟
حين يصبح المستقبل غرفة انتظار
نرتّب أيامنا أحياناً حول نسخة متخيّلة من المستقبل. سنقرأ عندما يخفّ العمل، وسنهتمّ بصحّتنا بعد انتهاء المشروع، وسنزور مَن نحبّ عندما نصبح أقلّ انشغالاً. نتصوّر أن مرحلة ما ستأتي، نكون فيها جاهزين أخيراً.
لهذا التصوّر منطقه. فبعض الخطوات تحتاج إلى استعداد، وبعض القرارات يضرّ بها التسرّع. لكن المشكلة تبدأ عندما نطلب من الحياة شروطاً لا تجتمع: أماناً كاملاً، ودخلاً كافياً، ووقتاً مفتوحاً، واطمئناناً إلى أن المحاولة لن تفشل.
كلما اقتربنا من شرط، ظهر شرط آخر. وقد نكتشف أننا نقلنا الموعد مرة جديدة، مع أن السبب الذي أجّلناه من أجله لم يعد موجوداً.
هنا يستحق الأمر أن نتوقّف: هل ما زلنا ننتظر فرصة واقعية، أم أصبح التأجيل يحمينا من مواجهة رغبة لا نعرف كيف نبدأها؟
ليست كل حياة مؤجّلة اختياراً
يصعب الحديث عن الوقت في لبنان من دون الحديث عمّا يستهلكه. فهناك مَن تؤجَّل حياته بفعل الحرب والنزوح، ومَن يوزّع نهاره بين أكثر من عمل، ومَن يعتني بمريض، أو ينتظر دخلاً يغطّي حاجاته الأساسية.
لهؤلاء، قد تبدو الدعوة إلى «عيش اللحظة» كلاماً يصدر من خارج تجربتهم. فالراحة تحتاج أحياناً إلى مال، واللقاء يحتاج إلى طريق آمن، والمشروع يحتاج إلى استقرار لا يملكونه.
لذلك، ينبغي ألّا تتحوّل مناقشة التأجيل إلى محاكمة للأفراد. ثمة ظروف تضيق معها مساحة الاختيار، ومسؤوليات لا يمكن تركها عند الباب كي نذهب بحثاً عن سعادتنا.
لكن احترام هذه الحقيقة يتيح سؤالاً أكثر دقّة: ما الذي أُجبرنا على تأجيله، وما الذي بقي ممكناً وأهملناه لأننا وضعنا كل شيء في سلّة واحدة؟
قد نعجز عن السفر، وتبقى زيارة قريبة ممكنة. وقد يتعذّر إطلاق مشروع، بينما تتاح ساعة لاختبار فكرته. تختلف المساحة من شخص إلى آخر، ولا يعرف حدودها جيداً إلا مَن يعيش داخلها.
الوقت الذي نمنحه لما نحبّ
نحن لا نؤجّل الأشياء وحدها؛ قد نؤجّل الأشخاص أيضاً.
نردّ على مكالمة أهلنا على عجل، ونَعِد صديقاً بلقاء قريب، ونقول للطفل الذي يريد أن يرينا رسمة: «بعد قليل». تكون لدينا أسباب مفهومة، وربما ملحّة، لكن تكرار اللحظة يمنحها معنى آخر.
فالعلاقات تحتاج إلى وقت حاضر. لا يستطيع وعد طويل أن يقوم دائماً مقام جلسة قصيرة، ولا تعوّض الهدية بالضرورة غياب الإصغاء.
يكبر الطفل خلال الأيام التي نعدّه فيها بوقت لاحق. وتتغيّر حياة الصديق الذي نفترض أنه سيبقى متاحاً. وقد يفقد السؤال الذي أراد أحدهم طرحه حاجته إلى الجواب، لأن اللحظة التي كان يحتاجنا فيها انتهت.
لا يعني ذلك أن نكون متاحين للجميع طوال الوقت. المقصود أن ننتبه إلى مَن يحصلون باستمرار على ما يتبقّى من يومنا، مع أنهم يحتلّون مكاناً أساسياً في حياتنا.
حين يتخفّى الخوف في هيئة استعداد
بعض الرغبات تبقى مؤجّلة لأن الاقتراب منها يضعنا أمام احتمال الفشل.
قد نحتفظ بفكرة كتاب سنوات، ونواصل جمع الملاحظات من دون كتابة الصفحة الأولى. وقد نخطّط لتغيير مهني وننتظر دورة إضافية، ثم شهادة أخرى، ثم إشارة تمنحنا الثقة.
الاستعداد مفيد ما دام يقرّبنا من الخطوة. ويمكن أن نختبر ذلك بالنظر إلى ما تغيّر فعلياً: هل صار المشروع أوضح؟ هل جرّبنا جزءاً منه؟ أم أننا نعيد ترتيب الفكرة نفسها كي نؤخّر لحظة الحكم عليها؟
للمشروع غير المنجز جاذبية خاصة؛ يبقى جميلاً لأن الواقع لم يختبره بعد. أما المحاولة فتُظهر حدودنا، وتجبرنا على التعديل وربما التراجع.
وقد نحتاج إلى قبول بداية متواضعة كي نخرج من هذا الانتظار: صفحة قابلة للتحرير، تجربة صغيرة، أو سؤال نطرحه على شخص يعرف المجال. بداية تسمح لنا بأن نتعلّم ما لا يستطيع التخطيط وحده أن يخبرنا به.
هل نؤجّل الراحة أيضاً؟
حتى حين تتاح فسحة، قد نجد صعوبة في استخدامها. نفتح عملاً إضافياً، أو نفتّش عن مهمّة متأخّرة، أو نشعر بأن الجلوس من دون إنجاز يحتاج إلى تبرير.
إذا ربطنا استحقاق الراحة بإنهاء كل شيء، فقد نبقى ننتظر طويلاً. فالعمل يتجدّد، والبيت يحتاج إلى عناية، والرسائل لا تتوقف عند حدّ واضح.
يمكن أن تبدأ مراجعة هذا الأمر من قرار عملي محدود: وقت له بداية ونهاية، نترك خلاله ما يمكن أن ينتظر. وقد نقضيه في المشي أو القراءة أو الحديث أو الصمت.
قيمة هذه الفسحة أنها تدخل إلى اليوم نفسه، بدلاً من أن تبقى مكافأة نعد بها أنفسنا في نهاية مرحلة مفتوحة.
ما الذي يمكن أن يبدأ الآن؟
لن تحلّ خطوة صغيرة أزمة مالية أو تعيد منزلاً مدمّراً، ولا ينبغي تحميلها ما يفوق قدرتها. لكنها قد تمنح رغبة مؤجّلة مكاناً محدّداً في الواقع.
بدلاً من القول إننا نريد قضاء وقت أكثر مع أولادنا، يمكن أن نختار أمسية نلتزم بها. وبدلاً من انتظار وقت يسمح بقراءة كتاب، نبدأ ببضع صفحات. وبدلاً من وعد مفتوح بلقاء، نتّصل ونحدّد موعداً.
تساعدنا الخطوة المحدّدة أيضاً على اكتشاف ما نريده فعلاً. فبعض الأحلام يستمرّ معنا، وبعضها يتغيّر عندما نقترب منه. وفي الحالتين، نعرف أكثر مما كنا نعرفه ونحن نؤجّل.
وقد تكون المراجعة الأهم أن نسأل عن وعد قديم قطعناه لأنفسنا: هل ما زال يعنينا؟ وما أصغر فعل يمكن أن يمنحه بداية؟ وإذا كان متعذّراً الآن، فما الشرط الواضح الذي ننتظره، ومتى نعيد النظر فيه؟
تستحقّ بعض الأمور صبراً طويلاً. لكن الوقت الذي يمرّ أثناء انتظارها هو من عمرنا أيضاً، وفيه أشخاص يحتاجون إلينا، ورغبات يمكن أن تبدأ، ولحظات لن تعود بالشكل نفسه.
فما الشيء الذي نقول له كل يوم «لاحقاً»، مع أن جزءاً منه ممكن اليوم؟


