في لبنان، قد يشتري المستهلك علبة غذاء من متجر، أو يتناول وجبة من مطعم، من دون أن يعرف شيئاً عن الطريق الذي قطعته المكونات قبل وصولها إليه.
من أين جاءت؟ ومَن نقلها؟ وأين خُزنت؟ وهل مرت بمصنع أو مستودع آخر؟ وإذا اكتُشف أنها ملوثة، فهل تستطيع الجهات المختصة معرفة الأماكن التي وصلت إليها وسحبها قبل أن يستهلكها مزيد من الناس؟
هذه الأسئلة ليست مجرد اقتراحات لإصلاح النظام الغذائي. فقد تناولها القانون اللبناني صراحة قبل نحو أحد عشر عاماً.
ففي 24 تشرين الثاني 2015، صدر قانون سلامة الغذاء رقم 35، ووضع قواعد لمسك سجلات الإنتاج والتوزيع، وتتبع المواد الغذائية، والإبلاغ عن حالات التلوث، وتبادل المعلومات بين الإدارات، وإنشاء نظام إنذار سريع.
لكن مراجعة هذه المواد ومقارنتها بالقرارات الحكومية الصادرة خلال السنوات اللاحقة تكشف مفارقة تستحق التحقيق: الآليات المطلوبة لحماية المستهلك محددة في القانون منذ سنوات، فيما لا تزال الدولة تستكمل المؤسسة التي يفترض أن تنسق تطبيقها.
وفي 2 تشرين الثاني 2026، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام تكليف الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء إعداد خطة فورية للكشف على المسالخ ومستودعات اللحوم، بالتعاون مع الوزارات المعنية.
كما تعهد باستكمال الجهاز الرقابي والتنفيذي للهيئة وتأمين احتياجاتها البشرية والتقنية.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بعدد المفتشين أو المؤسسات التي ستُكشف.
بل يتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ اختبار أساسي: إذا اكتُشف غذاء غير سليم اليوم، فهل يمكن تتبع الدفعة التي ينتمي إليها، وتحديد الجهات التي تسلمتها، وإبلاغها، والتحقق من سحبها من السوق؟
أول خيط: القانون يحدد مهلة 48 ساعة
تحت عنوان «تتبع الغذاء ومسك السجلات»، تتضمن المادة السادسة عشرة من قانون سلامة الغذاء موجبين أساسيين.
الأول هو أن يحتفظ المزارع والمحترف بسجل يحدد الأشخاص أو المؤسسات الذين يتعامل معهم، ومعلومات مفصلة عن العمليات التجارية، بما فيها رقم الدفعة الإنتاجية وتاريخها وكميتها.
أما الثاني فيُلزمهم بإبلاغ الهيئة والوزارات والإدارات المعنية عن أي تلوث يصيب الغذاء أو المنتجات الزراعية أو الحيوانية، والإجراءات التي اتخذوها لمعالجته، خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة.
هذه المهلة هي نقطة البداية في تحقيق «المسمار».
فالقانون لا يكتفي بتحميل المؤسسات مسؤولية الامتناع عن بيع غذاء غير سليم، بل ينص على واجب الإبلاغ وتبادل المعلومات.
لكن وجود مهلة قانونية لا يعني تلقائياً أن جميع المنشآت تلتزم بها.
ولا يعني أيضاً أن الجهة المتلقية للبلاغ تمتلك منظومة إلكترونية قادرة على معالجة المعلومات وربطها فوراً بالسجلات المخزنة لدى الجهات الأخرى.
ولذلك، فإن اختبار التطبيق لا يبدأ بالسؤال عن عدد قرارات الإقفال، بل بعدد البلاغات التي تلقتها الإدارات، وتوقيت ورودها، وكيفية التعامل معها.
كم بلاغاً عن تلوث غذائي سُجّل خلال 2026؟ كم منها وصل ضمن المهلة؟ وماذا حدث بعد تلقي كل بلاغ؟
هذه بيانات لم نعثر على حصيلة وطنية منشورة ومتكاملة لها في المصادر التي راجعناها.
من المصنع إلى المتجر… السجل الذي يحدد طريق الغذاء
تتناول المادة الخامسة عشرة من القانون مسؤولية المؤسسات والمحترفين عن حفظ معلومات تتصل بعمليات استيراد الغذاء وتصنيعه وتحويله وتغليفه وتوزيعه ونقله وتخزينه وتقديمه وبيعه.
كما تشمل المعلومات المتعلقة بالمواد المستخدمة في تلك العمليات، ومنها المواد المضافة.
أما المادة السادسة عشرة فتضيف ضرورة توثيق العلاقات التجارية والدفعات والكميات.
يمكن توضيح أهمية ذلك بمثال افتراضي.
لنفترض أن مختبراً اكتشف مشكلة صحية في دفعة من مادة غذائية معبأة.
إذا كانت سجلات التتبع مكتملة، يفترض أن تساعد على معرفة المصنع أو المصدر، والدفعة المعنية، والموزعين الذين تسلموها، والكميات التي ذهبت إلى المتاجر أو المؤسسات الأخرى.
بعدها يمكن للجهات المختصة تحديد نطاق الخطر واتخاذ الإجراءات المناسبة بحسب القانون.
أما إذا كانت سجلات الدفعات غير دقيقة أو غير متاحة، فقد يصبح تحديد المنتجات المعنية أكثر صعوبة، وقد تتسع إجراءات السحب الاحترازية أو تتأخر.
هذا المثال ليس وصفاً لحادثة محددة وقعت في لبنان، بل اختبار عملي للقدرة التي يفترض أن يوفرها نظام التتبع.
والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة من السلطات هو ما إذا كانت السجلات المطلوبة موجودة وقابلة للفحص والربط على امتداد سلسلة الغذاء، وليس لدى بعض الشركات الكبيرة فقط.
وثيقة ثانية: وزارة الصناعة ألزمت المصانع بالتتبع عام 2024
لم يبق مبدأ التتبع محصوراً في قانون 2015.
ففي 6 شباط 2024، أعلنت وزارة الصناعة إصدار القرار رقم 9/1 المتعلق بنظام التتبع وضبط الجودة والفحوص المخبرية الدورية للمصانع الغذائية.
ويشمل القرار المصانع التي تنتج المواد الغذائية، ويعرّف التتبع بأنه رصد الغذاء وتوثيقه ومتابعته في مراحل الإنتاج والنقل والتصنيع والتخزين والتوزيع.
كما يفرض متطلبات تتعلق بالتعريف بالدفعات الإنتاجية وبيانات المنتجات.
هذه الوثيقة تضيف نقطة مهمة إلى التحقيق.
فحتى قبل اكتمال تفعيل الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، كانت هناك التزامات تنظيمية محددة على مصانع المواد الغذائية.
لكن تطبيق القرار يحتاج إلى فحص مستقل.
كم مصنعاً خضع لتدقيق يتعلق بنظام التتبع منذ صدوره؟
وكم مصنعاً يمتلك سجلات تسمح بتحديد الموردين والدفعات والجهات التي استلمت الإنتاج؟
وما عدد المخالفات المرتبطة بعدم مسك السجلات أو عدم مطابقة البيانات؟
لا توفر المادة المنشورة عن القرار حصيلة مفصلة لهذه المؤشرات.
وهنا لا يجوز الاستنتاج أن المصانع لا تطبق القانون؛ بل إن المطلوب هو نشر نتائج الرقابة التي تسمح بقياس مستوى التطبيق.
إنذار سريع… لكن أين نظامه التشغيلي؟
تحدد المادة التاسعة والعشرون من قانون سلامة الغذاء مهاماً واسعة للهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء.
ومن بينها تتبع السلسلة الغذائية بجميع مراحلها، وتحليل المخاطر، وإنشاء وإدارة نظام إنذار سريع للمخاطر الغذائية، وتوفير التواصل بين الجهات المعنية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
هذه الصلاحية مهمة لأنها تنقل الرقابة من فحص منشأة واحدة إلى التعامل مع خطر يمكن أن يمتد عبر مؤسسات ومناطق مختلفة.
فإذا اكتُشفت مادة غير سليمة في أكثر من نقطة بيع، لا ينبغي أن يبقى كل تقرير محصوراً بالجهة التي أصدرته.
بل يجب أن تتوافر آلية لنقل المعلومات وتحديد نطاق المنتجات المتأثرة وتنسيق الاستجابة.
لكن القانون وحده لا يكشف إن كان نظام الإنذار السريع يعمل الآن بكل مكوناته.
ولإثبات التشغيل الفعلي، ينبغي الاطلاع على الإجراء المعتمد لإصدار الإنذارات، والجهات المرتبطة به، وتواريخ الاختبارات والتدريبات، وعدد الإخطارات التي عولجت، والوقت اللازم لإبلاغ الجهات ذات الصلة.
لم نعثر في المواد الرسمية العلنية التي فحصناها على تقرير تشغيلي متكامل يثبت هذه العناصر أو ينفي وجودها.
والفرق كبير بين عدم العثور على دليل منشور وبين إثبات عدم وجود نظام.
لذلك يبقى السؤال موجهاً إلى الهيئة والإدارات المختصة: ما الجزء العامل حالياً من شبكة الإنذار، وما الجزء الذي يحتاج إلى استكمال؟
تقارير شهرية إلزامية… هل تصل المعلومات إلى جهة مركزية؟
من بين مواد القانون التي تستحق اهتماماً أكبر المادة الثالثة والأربعون.
فهي تلزم الوزارات والإدارات المعنية بسلامة الغذاء بتزويد الهيئة بتقارير عن المخالفات التي ترصدها، شهرياً وخلال الأيام العشرة الأولى من الشهر التالي، وكلما دعت الحاجة.
كما تتيح للهيئة طلب ملف المخالفة كاملاً عند الضرورة.
وهذا النص يفتح مساراً رقابياً مختلفاً عن الحملات التفتيشية التي تظهر في الأخبار.
فيمكن للهيئة، وفق القانون، أن تحصل دورياً على معلومات من الإدارات المعنية، بما يساعدها على تكوين صورة أوسع عن المخالفات والمخاطر.
لكن هل توجد قاعدة بيانات موحدة لهذه التقارير؟ وهل تُصنف المخالفات بحسب نوع الغذاء والمنطقة والجهة التي رصدتها؟ وهل يمكن ربط تقريرين صادرين عن إدارتين مختلفتين عندما يتعلقان بالمؤسسة أو المنتج نفسه؟
هذه الأسئلة مهمة لأن تعدد الجهات الرقابية لا يعني بالضرورة وجود تنسيق معلوماتي فعّال بينها.
كما أن عدم وجود منصة علنية واحدة لا يثبت غياب تبادل المعلومات بوسائل إدارية أخرى.
المطلوب هنا إجراء تدقيق في مسار التقارير: من يرسلها، ومن يتسلمها، وكيف تُراجع، وما الإجراءات التي تنتج عنها.
2015 إلى 2026… أحد عشر عاماً بين إنشاء الهيئة واستكمال أدواتها
أنشأت المادة الثانية والعشرون من قانون سلامة الغذاء الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، ومنحتها الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وربطتها برئيس مجلس الوزراء.
لكن مسار تفعيل الهيئة امتد سنوات.
وفي 31 كانون الأول 2025، صدر المرسوم رقم 2242 الذي عيّن مجلس إدارتها لمدة خمس سنوات، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 8 كانون الثاني 2026.
وبذلك أصبح للهيئة مجلس إدارة معيّن رسمياً.
لكن تعيين المجلس ليس مرادفاً لاستكمال المؤسسة.
فالمادة الثانية والثلاثون من القانون تنص على جهاز تنفيذي يضم مديراً عاماً ولجاناً علمية ومصالح مختصة بالدراسات وتحليل المخاطر والإنذار السريع والمراقبة والشؤون الإدارية.
وفي 2 تشرين الثاني 2026، عاد رئيس الحكومة ليعلن ضرورة استكمال الجهاز الرقابي والتنفيذي وتأمين الإمكانات البشرية والتقنية اللازمة.
وهنا تكمن إحدى أهم الفجوات التي تكشفها مقارنة الوثائق.
فالقانون وصف البنية المطلوبة منذ عام 2015، بينما تؤكد الحكومة في أواخر 2026 أن استكمال القدرة المؤسسية لا يزال ضمن الأولويات.
لكن لا يجوز تفسير ذلك بأن كل أعمال الرقابة على الغذاء توقفت طوال تلك السنوات.
فوزارات وإدارات مختلفة تحتفظ بصلاحيات رقابية، والقانون نفسه يراعي استمرار مهامها.
والأدق هو أن الهيئة المركزية التي أنشأها القانون لم يثبت من الوثائق المتاحة أنها استكملت جميع قدراتها التنفيذية والتنسيقية.
تقرير سنوي يفترض أن يراه المواطن
تفرض المادة الحادية والثلاثون على الهيئة إعداد تقرير سنوي عن أعمالها خلال الأشهر الثلاثة التالية لكل سنة مالية، ورفعه إلى رئيس مجلس الوزراء ونشره في الجريدة الرسمية.
ويفترض أن يتضمن التقرير خلاصة الإجراءات المتخذة لتنفيذ مهام الهيئة ومدى مساهمتها في تحقيق أهداف القانون.
هذه ليست مجرد مسألة إدارية.
فالتقرير السنوي وسيلة لمحاسبة المؤسسة على نتائج عملها.
من خلاله يمكن للناس أن يعرفوا عدد عمليات التفتيش، والإنذارات، والإجراءات المتخذة، والتطور في أدوات الرقابة، إذا كانت هذه البيانات مدرجة ضمن التقارير.
لكن يجب مراعاة أن الهيئة لم تحصل على مجلس إدارة معيّن إلا في نهاية 2025، وأن موعد نشر التقرير عن السنة المالية 2026، وفق القاعدة العامة الواردة في القانون، يقع بعد انتهاء تلك السنة.
لذلك لا يجوز الادعاء بأن الهيئة خالفت مهلة نشر تقريرها السنوي عن 2026 قبل حلول موعده.
أما السؤال المشروع الآن فهو ما إذا كانت قد وضعت نظاماً لجمع البيانات الضرورية لإعداد هذا التقرير، وما إذا كانت تنشر تقارير مرحلية أو بيانات أداء تساعد على تقييم تقدمها.
اجتماع تشرين الثاني… خطة تفتيش جديدة فوق قواعد قانونية قديمة
في 2 تشرين الثاني 2026، عقد رئيس الحكومة اجتماعاً طارئاً تناول حالات التسمم الغذائي وشبهات الغش في المواد الغذائية.
وأعلن تكليف الهيئة، بالتعاون مع الوزارات المعنية، إعداد خطة عاجلة للكشف على المسالخ ومستودعات اللحوم والتحقق من الشروط الصحية والفنية والقانونية.
كما شمل الإعلان مسحاً للمسالخ والمستودعات غير المرخصة، وتعزيز الإمكانات المؤسسية للهيئة.
هذه الإجراءات يمكن أن تمثل خطوة عملية إذا نُفذت ضمن جدول واضح وصدرت عنها نتائج قابلة للمراجعة.
لكنها تطرح سؤالاً يتجاوز نطاق الحملة نفسها.
فإذا كان القانون قد نص منذ سنوات على التتبع والإنذار وتبادل تقارير المخالفات، فهل ستستخدم الخطة الجديدة هذه الآليات بصورة مؤسسية منتظمة، أم ستعتمد بصورة أساسية على كشوف استثنائية بعد وقوع حوادث تستقطب الاهتمام العام؟
لم يُعلن البيان الرسمي جدولاً مفصلاً بعدد المنشآت المستهدفة أو مراحل تنفيذ الخطة ونتائجها.
ولا ينبغي اعتبار هذا الغياب دليلاً على عدم بدء التنفيذ.
لكنه يحدد ما يجب أن يُنشر لاحقاً حتى يمكن قياس نجاح الاستجابة.
هل يمكن تتبع دفعة غذائية واحدة في لبنان؟
هذه هي التجربة التي يقترحها التحقيق بوصفها اختباراً عملياً لمنظومة الرقابة.
لا تحتاج التجربة إلى كشف أسرار تجارية أو بيانات شخصية للمستهلكين.
بل يمكن تنفيذها من خلال اختيار منتج غذائي محدد، والحصول من الجهات المختصة على سجلات منقحة تُظهر انتقال دفعة إنتاجية بين مراحل التصنيع والتوزيع والبيع.
بعد ذلك، تُفحص قدرة السجلات على الإجابة عن أسئلة بسيطة:
من أنتج الدفعة؟ ومتى؟ وما المواد الأساسية التي دخلت في تصنيعها؟ وإلى أي موزعين انتقلت؟ وكم استلم كل طرف؟ وهل يمكن تحديد المؤسسات التي ما زالت تحتفظ بكميات منها؟
ثم يأتي الاختبار الأهم: في حال ثبوت مشكلة صحية في تلك الدفعة، ما الوقت اللازم لإبلاغ الجهات التي تسلمتها ووقف بيعها، وكيف يجري التحقق من سحبها؟
لكن هذه التجربة لم تُنفذ ميدانياً بعد ضمن عمل «المسمار»، ولم نحصل على سجلات دفعة إنتاجية فعلية من مؤسسة محددة.
لذلك لا نقدم نتيجة مزعومة عن نجاح النظام أو فشله.
ما تقدمه هذه المراجعة هو تحديد الاختبار الذي يسمح بالانتقال من تقييم النصوص إلى قياس الأداء الحقيقي.
ما الذي ينبغي على الوزارات والهيئة نشره؟
تحدد مقارنة الوثائق ستة ملفات معلومات تسمح بمساءلة منظومة سلامة الغذاء بصورة مهنية:
أولاً: سجلات الإنذار السريع. عدد الإنذارات الصادرة أو المتبادلة، والجهات التي تلقتها، وكيفية الاستجابة لها.
ثانياً: بيانات التتبع. عدد عمليات التفتيش التي اختبرت سجلات الدفعات والموردين والموزعين، ونتائج التحقق من التزام المؤسسات.
ثالثاً: بلاغات التلوث. عدد البلاغات المسجلة وفق المادة السادسة عشرة، ومدة وصولها إلى الجهات المختصة.
رابعاً: التقارير الشهرية. حجم التقارير التي أرسلتها الوزارات والإدارات إلى الهيئة، ومدى انتظامها، والإجراءات التي ترتبت عليها.
خامساً: الهيكلية التنفيذية. الوظائف المشغولة والشاغرة، والموارد المالية والتقنية المتاحة، وحالة المراسيم والأنظمة اللازمة للتفعيل.
سادساً: نتائج خطة التفتيش الحكومية. عدد المنشآت التي شملتها عمليات الكشف، والمخالفات المثبتة، والإجراءات التصحيحية، ونتائج إعادة التفتيش.
ولا تكفي الأرقام الإجمالية وحدها.
فقد تنفذ جهة رقابية عدداً كبيراً من الزيارات من دون أن تختبر قدرة المؤسسات على تتبع المنتجات، وقد ترصد مخالفة ثم لا تتوافر معلومات عن معالجتها.
لذلك ينبغي أن تقيس بيانات الرقابة ما تغير فعلياً في مستوى السلامة، لا عدد الزيارات والإعلانات فقط.
سلامة الغذاء ليست مسؤولية الهيئة وحدها
لا يصح اختزال المشكلة في الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء أو تحميل مجلس إدارتها الجديد مسؤولية كل ما حدث خلال السنوات السابقة.
فالقانون يوزع أدواراً بين الهيئة والوزارات والإدارات المختصة، ويعترف باستمرار صلاحيات رقابية متعددة.
كما أن جزءاً من المسؤولية يقع على المنتجين والمستوردين والموزعين والمؤسسات الغذائية أنفسهم، من خلال حفظ السجلات والالتزام بشروط السلامة والإبلاغ عن المخاطر.
وهذا يعني أن المساءلة يجب أن تتبع الاختصاصات والمراحل الزمنية بدقة.
فإذا تعطل نظام تبادل المعلومات، ينبغي تحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة.
وإذا لم تُطبق متطلبات التتبع في منشأة معينة، ينبغي فحص الإجراءات الرقابية المتخذة بحقها، والاستماع إلى ردها، والتحقق من مستنداتها.
وإذا تأخرت المراسيم أو الموارد، ينبغي معرفة الجهة صاحبة الصلاحية في إصدارها أو تأمينها.
أما توجيه اتهام شامل إلى جميع المؤسسات أو العاملين في قطاع الغذاء فلا يستند إلى الأدلة التي تتضمنها هذه المراجعة.
لبنان يملك القانون… فهل يملك القدرة على تطبيقه؟
تكشف الوثائق عن مسار واضح.
عام 2015، صدر قانون سلامة الغذاء وأقر قواعد للتتبع والإبلاغ والإنذار السريع والتنسيق بين الإدارات.
عام 2024، أصدرت وزارة الصناعة قراراً يفرض متطلبات إضافية للتتبع وضبط الجودة في المصانع الغذائية.
وفي نهاية 2025، عُيّن مجلس إدارة الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، قبل نشر المرسوم مطلع 2026.
ثم في 2 تشرين الثاني 2026، أعلنت الحكومة خطة جديدة للرقابة على منشآت اللحوم، مع تعهد باستكمال الجهاز التنفيذي للهيئة.
هذا التسلسل لا يثبت أن لبنان بلا رقابة غذائية، ولا يثبت أن جميع القواعد القانونية بقيت غير مطبقة.
لكنه يكشف فجوة مهمة بين اكتمال النصوص القانونية وضرورة إثبات جاهزية المؤسسات لتنفيذها بطريقة مترابطة وقابلة للقياس.
فالمستهلك لا يحتاج فقط إلى معرفة أن مطعماً أُقفل بعد اكتشاف مخالفة.
بل يحتاج إلى ضمانة أن الجهات الرقابية تستطيع تحديد المنتجات الخطرة، ومعرفة مسارها، والوصول إلى الأماكن التي وُزعت فيها، وإصدار الإنذار المناسب قبل اتساع الضرر.
والاختبار الحقيقي لسلامة الغذاء ليس قدرة الدولة على إصدار بيان بعد وقوع المشكلة، بل قدرتها على تقليل احتمال وصول الغذاء غير السليم إلى المستهلك أصلاً.
لقد حدد القانون مهلة 48 ساعة للإبلاغ عن التلوث، وأوجب سجلات للدفعات، وتقارير شهرية بين الإدارات، ونظاماً للإنذار السريع. لكن السؤال الذي لم تُجب عنه الوثائق المنشورة بصورة كافية هو ما إذا كانت هذه المكونات تعمل اليوم ضمن منظومة وطنية متكاملة.
ويبقى سؤال «المسمار»:
إذا اكتشفت الدولة غداً مادة غذائية ملوثة، فهل تستطيع معرفة كل الأماكن التي وصلت إليها قبل أن تصل إلى موائد جديدة؟


