لم يعد ارتفاع أقساط المدارس الخاصة في لبنان مجرد شكوى موسمية تتكرر مع بداية كل عام دراسي. القضية باتت أكبر من ذلك بكثير.
أقساط ترتفع، رسوم تتعدد، مبالغ تُطلب بالدولار، وعائلات تجد نفسها كل سنة أمام فاتورة تعليمية جديدة، فيما يبقى السؤال نفسه بلا إجابة واضحة: من يراقب؟
من يراجع موازنات المدارس؟
من يتحقق من مبررات الزيادات؟
من يراقب الرسوم الإضافية؟
ومن يحاسب إذا تبيّن أن زيادة ما لا تستند إلى مبررات مالية كافية؟
في بلد أنهكته الأزمة الاقتصادية، والحرب والنزوح، وتراجع المداخيل والقدرة الشرائية، بات تعليم طفلين أو ثلاثة في مدرسة خاصة يحتاج إلى ميزانية قد تعجز عنها شريحة واسعة من اللبنانيين.
ومع ذلك، يشعر كثير من الأهالي بأنهم يقفون وحدهم أمام الفاتورة:
إما أن تدفع… وإما أن تبحث عن مدرسة أخرى.
القسط لم يعد قسطاً فقط
عند الحديث عن كلفة المدرسة الخاصة، من الخطأ النظر إلى الرقم المعلن تحت خانة «القسط» وحده.
فهناك رسوم تسجيل، وكتب وقرطاسية، وزي مدرسي، ونقل، وتأمين، وأنشطة، وخدمات إضافية، وفي بعض الحالات مساهمات أو دفعات أخرى.
وهكذا قد يبدأ ولي الأمر السنة وهو يعرف قيمة القسط الأساسي، ثم يكتشف لاحقاً أن الكلفة الفعلية لتعليم ابنه أعلى بكثير من الرقم الذي بدأ منه.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
ليس فقط:
كم أصبح القسط؟
بل:
كم يدفع ولي الأمر فعلياً منذ أول يوم تسجيل وحتى آخر يوم دراسي؟
آلاف الدولارات… فمن يحدد الرقم؟
تصل كلفة التعليم في عدد من المدارس الخاصة في لبنان إلى آلاف الدولارات سنوياً للتلميذ الواحد.
وهذا بحد ذاته لا يعني وجود مخالفة، فالمدارس تختلف في برامجها، ورواتب العاملين فيها، وتجهيزاتها، وخدماتها وكلفها التشغيلية.
لكن عندما يصبح الرقم بهذه الضخامة، يتحول السؤال عن كيفية احتسابه إلى حق أساسي للأهل.
إذا طُلب من ولي الأمر خمسة آلاف دولار، فمن حقه أن يعرف لماذا أصبحت الكلفة خمسة آلاف.
وإذا أصبحت ستة آلاف في السنة التالية، فمن حقه أن يعرف بالتفصيل ما الذي تغيّر حتى ارتفع القسط بهذا المقدار.
فالقول إن «الأسعار ارتفعت» قد يفسر جزءاً من المشكلة، لكنه لا يشكل بحد ذاته جواباً محاسبياً كاملاً.
المدرسة مؤسسة لديها إيرادات ونفقات وموازنة، وبالتالي يفترض أن تكون أي زيادة قابلة للتفسير بالأرقام، لا بمجرد عبارة عامة عن ارتفاع التكاليف.
القانون 515… ماذا عن التطبيق؟
لبنان لديه إطار قانوني ينظم تحديد الأقساط في المدارس الخاصة غير المجانية.
فالقانون رقم 515 الصادر عام 1996 وضع أصولاً لتحديد الأقساط المدرسية وربطها بالموازنة المدرسية وفق آليات محددة.
بمعنى آخر، القسط المدرسي ليس، من حيث المبدأ، رقماً يفترض أن يولد بقرار منفرد ومن دون موازنة.
وهنا تصبح الأسئلة أكثر إلحاحاً:
إذا كان القانون موجوداً، فلماذا تتكرر أزمة الأقساط كل عام؟
وإذا كانت الموازنات تخضع للرقابة، فما نتائج هذه الرقابة؟
وإذا سُجلت مخالفات، فكم مدرسة خضعت للمحاسبة؟
وإذا كان للأهل حق الاعتراض، فكم اعتراضاً وصل إلى نتيجة فعلية؟
القانون لا يكتسب معناه من وجوده في النصوص فقط، بل من شعور المواطن بأن أحكامه تُطبق فعلياً وتحمي حقوق الأطراف المعنية.
أين وزارة التربية؟
هنا تقع مسؤولية أساسية على الجهات الرسمية.
فالرقابة لا تكتمل بمجرد تسلم موازنة مدرسية أو تسجيلها لدى الجهات المختصة.
المطلوب معرفة ما إذا كانت الأرقام المقدمة صحيحة ومبررة ومتوافقة مع الأطر القانونية، والأهم أن يتمكن الرأي العام من معرفة نتائج هذه الرقابة.
لذلك نضع أمام وزارة التربية مجموعة من الأسئلة المباشرة:
كم مدرسة خاصة قدمت موازنتها للعام الدراسي الحالي؟
كم موازنة خضعت للتدقيق؟
كم موازنة طُلب تعديلها أو مراجعتها؟
كم شكوى استقبلتها الوزارة من الأهالي بشأن الأقساط والرسوم؟
كم شكوى ثبتت صحتها؟
وما الإجراءات التي اتُخذت عند تسجيل مخالفات؟
إذا كانت الرقابة فعالة، فإن نشر هذه المعطيات يخدم الوزارة نفسها بقدر ما يخدم الأهالي والمدارس.
أما إذا بقيت البيانات غير متاحة للرأي العام، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن:
أين الرقابة التي يسمع عنها ولا يرى نتائجها؟
المطلوب أرقام… لا تطمينات فقط
في ملف يمس عشرات آلاف الأسر اللبنانية، لا تكفي البيانات العامة.
المطلوب تقرير رقابي سنوي واضح يستطيع المواطن الاطلاع عليه، يتضمن مثلاً عدد المدارس التي قدمت موازناتها، ونسب الزيادة، وعدد الشكاوى، وطبيعة المخالفات المسجلة، وعدد الملفات المحالة إلى الجهات المختصة، والإجراءات التي اتخذت بشأنها.
الشفافية لا تعني فقط أن تقول الدولة إنها تراقب.
الشفافية تعني أيضاً أن تُظهر للرأي العام ماذا راقبت، وماذا وجدت، وماذا فعلت.
لجنة الأهل… رقابة حقيقية أم إجراء شكلي؟
هناك طرف آخر يفترض أن يؤدي دوراً أساسياً في هذه المعادلة: لجنة الأهل.
لكن وجود لجنة أهل على الورق لا يكفي.
السؤال هو: ماذا تعرف اللجنة فعلياً؟
هل تحصل على الموازنة كاملة؟
هل يستطيع أعضاؤها دراسة الأرقام ومناقشتها؟
هل يعرفون حجم الإيرادات والنفقات؟
هل يستطيعون الاعتراض بفاعلية؟
وهل تُناقش الزيادة معهم قبل اتخاذ القرار، أم بعد أن يصبح القسط أمراً واقعاً؟
ويبقى سؤال آخر أكثر حساسية:
إلى أي مدى تستطيع لجنة الأهل ممارسة دورها باستقلالية عندما يكون أولاد أعضائها أنفسهم مسجلين في المدرسة المعنية؟
لجنة الأهل يفترض أن تكون شريكاً رقابياً حقيقياً.
وإلا تحولت الموافقة إلى مجرد توقيع، والتوقيع إلى غطاء شكلي لقرار اتخذ مسبقاً.
ماذا عن الأموال خارج القسط؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تستحق التدقيق.
إذا كان ولي الأمر يدفع قسطاً مدرسياً، ثم تُطلب منه مبالغ أخرى تحت مسميات مختلفة، يصبح السؤال مشروعاً:
هل تدخل جميع الأموال التي يدفعها الأهل ضمن الحسابات التي تخضع للرقابة؟
قسط.
مساهمة.
رسم.
خدمة.
نشاط.
أياً تكن التسمية، إذا كان المبلغ مطلوباً من ولي الأمر كجزء من كلفة تعليم ابنه أو الخدمات المرتبطة بها، فمن حقه أن يسأل عن كيفية تسجيله ومراقبته وإنفاقه.
فالمشكلة لا تكمن في التسمية، بل في مدى خضوع المبالغ المطلوبة للشفافية والرقابة نفسها.
وهنا تحديداً يجب أن تكون الجهات الرقابية حاضرة.
المدارس تقول: تكاليفنا ارتفعت
وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.
فالمدارس نفسها عاشت سنوات الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار.
كلفة الكهرباء ارتفعت.
الصيانة ارتفعت.
التجهيزات والبرامج والتكنولوجيا التعليمية لها كلفة.
والأهم أن المعلمين أنفسهم يحتاجون إلى رواتب عادلة تحفظ كرامتهم وتساعد على إبقائهم في المهنة.
لذلك ليس المطلوب شن حرب على المدارس الخاصة.
المطلوب ببساطة أن تكون كل زيادة قابلة للتبرير والتدقيق.
إذا ارتفعت كلفة الرواتب، فلتظهر في الموازنة.
إذا ارتفعت الكلفة التشغيلية، فلتظهر بالأرقام.
وإذا كانت المدرسة بحاجة إلى زيادة معينة حتى تتمكن من الاستمرار، فمن حقها أن تقدم الأرقام التي تبرر ذلك.
لكن ارتفاع الأسعار في البلد لا يجب أن يتحول إلى عبارة مفتوحة يمكن وضع أي رقم تحتها من دون تفسير واضح.
والسؤال للمعلمين أيضاً: أين تذهب الزيادات؟
هناك مفارقة لا يمكن تجاهلها.
الأهل يشكون من ارتفاع الأقساط.
وفي المقابل، يشكو عدد كبير من المعلمين من أوضاعهم المعيشية ورواتبهم.
وهنا يصبح من الضروري طرح سؤال مالي مباشر:
ما النسبة التي تذهب فعلياً من الموازنة المدرسية إلى رواتب المعلمين وحقوقهم؟
لأن تبرير رفع الأقساط بتحسين أوضاع الهيئات التعليمية يفترض أن يقابله تحسن يمكن ملاحظته وقياسه في أوضاعها.
وهذه الشفافية تحمي المعلم كما تحمي الأهل والمدرسة في آن واحد.
العائلة اللبنانية تدفع في أسوأ توقيت
كل ذلك يحدث في بلد لم يتعافَ أصلاً من أزماته.
آثار الأزمة المالية لا تزال حاضرة.
مدخرات كثيرة فقدها اللبنانيون ولم تعد.
والدخل لم يستعد قيمته لدى شرائح واسعة.
كما أن الحرب وتداعياتها تركت آلاف العائلات أمام أعباء النزوح والأضرار وتعطل الأعمال وخسارة مصادر رزق.
لكن فاتورة المدرسة لا تنتظر.
وفي منزل يضم ثلاثة أطفال، لم نعد نتحدث عن بضعة مئات من الدولارات.
قد نتحدث عن آلاف الدولارات سنوياً، وربما أرقام أكبر بكثير بحسب المدرسة والمرحلة والخدمات.
وهكذا يتحول التعليم إلى واحد من أكبر البنود المالية في ميزانية الأسرة اللبنانية.
«إذا لم يعجبك السعر… انقل أولادك»
قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكنها تتجاهل طبيعة التعليم.
فالطفل ليس اشتراك هاتف يمكن تغييره كلما ارتفع السعر.
هناك بيئة مدرسية، وأصدقاء، ومنهج، ولغة، وأساتذة، واستقرار نفسي واجتماعي، وسنوات أمضاها الطفل في المؤسسة نفسها.
ونقل طفل من مدرسته بسبب عجز أهله عن تحمل زيادة جديدة ليس قراراً استهلاكياً بسيطاً.
خصوصاً في ظل الأزمات المزمنة التي يعانيها التعليم الرسمي.
وهنا تصبح العلاقة بين الطرفين غير متوازنة بطبيعتها.
ولهذا تحديداً وُجدت الرقابة.
لسنا أمام خصومة مع المدارس
المدارس الخاصة جزء أساسي من قطاع التعليم في لبنان، وبعضها مؤسسات تربوية عريقة تحملت بدورها أزمات مالية قاسية.
لكن احترام دور هذه المؤسسات لا يعني إعفاءها من الشفافية.
كما أن الدفاع عن الأهالي لا يعني مطالبة المدارس بأن تعمل بخسارة.
المعادلة واضحة:
من حق المدرسة أن تحصل على الكلفة الحقيقية والعادلة لتعليم التلميذ.
وفي المقابل:
من حق ولي الأمر أن يعرف كيف حُسبت هذه الكلفة.
ومن واجب الدولة أن تقف بين الطرفين كجهة رقابية فعلية تحفظ حقوق الجميع.
«المسمار» يسأل الجهات المختصة
يضع «المسمار» هذه الأسئلة علناً أمام وزارة التربية والجهات المعنية:
أولاً: ما نسب الزيادة الفعلية في أقساط المدارس الخاصة خلال السنوات الأخيرة؟
ثانياً: هل تمتلك الوزارة قاعدة بيانات منشورة تبين الأقساط والزيادات في المدارس الخاصة؟
ثالثاً: كم مدرسة خضعت موازنتها لتدقيق فعلي؟
رابعاً: كم مخالفة مالية سجلت؟
خامساً: ما الإجراءات أو العقوبات التي اتخذت بحق المدارس المخالفة؟
سادساً: كم شكوى تقدم بها الأهالي، وكم واحدة منها حُسمت؟
سابعاً: هل تخضع «المساهمات» والرسوم الإضافية للرقابة نفسها؟
ثامناً: كيف تتحقق الوزارة من صحة النفقات التي تستند إليها المدارس لتبرير الزيادات؟
تاسعاً: ما الضمانة بأن لجان الأهل تمارس دورها باستقلالية وفاعلية؟
عاشراً: لماذا لا تنشر وزارة التربية تقريراً سنوياً مفصلاً يتيح للأهالي معرفة نتائج الرقابة على هذا الملف؟
المشكلة ليست فقط أن المدارس غالية… بل أن المواطن يريد أن يعرف من يراقب
قد تكون زيادات كثيرة مبررة تماماً.
وقد تكون مدارس عديدة ملتزمة بالقوانين والأنظمة وتواجه بالفعل كلفة تشغيلية مرتفعة.
وهذا التحقيق لا يصدر حكماً جماعياً بحق المدارس الخاصة.
لكن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي:
عندما يدفع المواطن آلاف الدولارات سنوياً مقابل تعليم طفل واحد، من حقه أن يعرف من تحقق من عدالة الرقم وكيف تمت مراجعته.
لا نريد تسعيراً شعبوياً.
ولا نريد ضرب المدارس الخاصة.
ولا نريد أن يتحمل المعلم ثمن الأزمة.
المطلوب أبسط من ذلك بكثير:
رقابة.
رقابة يمكن إثباتها بالأرقام.
رقابة يعرف المواطن نتائجها.
رقابة تحاسب المخالف وتحمي الملتزم.
رقابة تمنع أن يتحول ضعف الدولة إلى عبء إضافي على الأهل.
لأن أخطر ما في أزمة الأقساط ليس أن تصبح مدرسة ما باهظة الكلفة.
الأخطر هو أن يشعر المواطن بأن الفاتورة يمكن أن ترتفع عاماً بعد عام، وأنه في النهاية سيجد نفسه وحيداً أمام خيارين:
إما أن يدفع… وإما أن يُخرج ابنه من المدرسة.
وعندما يصل التعليم في لبنان إلى هذه المعادلة، يصبح السؤال الموجه إلى الدولة واضحاً وصريحاً:
إذا كانت الجهات المختصة لا تستطيع إظهار كيفية ضبط ومراقبة قطاع يمس مستقبل أولاد اللبنانيين مباشرة… فما الذي تراقبه إذاً؟


