لم تعد المخاطر التي تواجه الأطفال محصورة بالشارع أو المدرسة أو الأماكن العامة. فالهاتف الذي يستخدمه الطفل للتعلم والترفيه والتواصل قد يتحول أيضاً إلى وسيلة للاستدراج والتهديد والابتزاز. وفي لبنان، أعادت بيانات تشير إلى تسجيل نحو 17 ألف بلاغ يُشتبه بارتباطها بالاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت خلال عام 2025 طرح أسئلة عن مسؤولية الأهل والمدارس وشركات التكنولوجيا والدولة. وبين حملات التوعية ومقترحات التشريع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يحمي الطفل عندما يأتي الخطر من خلف الشاشة؟
رسالة واحدة قد تغيّر كل شيء
قد تبدأ المخاطر الرقمية بتفصيل يبدو عادياً: رسالة من حساب مجهول، طلب صداقة، أو محادثة مع شخص يدّعي أنه في العمر نفسه.
لا يستطيع الطفل دائماً معرفة هوية الشخص الموجود على الطرف الآخر، ولا إدراك الأهداف التي قد تختبئ خلف علاقة افتراضية تبدو ودّية.
وفي بعض الحالات، قد تتحول المحادثة تدريجياً إلى طلب معلومات شخصية، أو محاولة الحصول على صور خاصة، أو تهديد بنشر محتوى بهدف الضغط والابتزاز.
لكن ليس كل تواصل مع شخص غير معروف استدراجاً، ولا يجوز افتراض أن جميع الأطفال الذين يستخدمون الإنترنت معرضون للخطر بالمستوى نفسه.
المشكلة تبدأ عندما يستغل شخص ثقة طفل أو محدودية خبرته لارتكاب انتهاك يمسّ خصوصيته وكرامته وسلامته.
وفي لبنان، أطلقت بيانات حديثة وحملات توعية نقاشاً يتجاوز النصائح المعتادة بشأن تقليل وقت استخدام الهاتف.
فالقضية لم تعد تتعلق فقط بعدد الساعات أمام الشاشة، بل بما يحدث خلال هذه الساعات، ومن يستطيع الوصول إلى الأطفال، وما الوسائل المتاحة لحمايتهم عندما يتعرضون للتهديد.
17 ألف بلاغ… ماذا يعني الرقم؟
في 14 أيلول 2026، أطلقت مؤسسة «نقطة – المختبر النسوي»، بالشراكة مع منظمة «أبعاد»، حملة #STAYINCONTROL لتعزيز السلامة الرقمية للأطفال.
واستند الإعلان إلى بيانات منسوبة إلى المنصة العالمية لسياسات استغلال الأطفال، تشير إلى تسجيل نحو 17 ألف بلاغ عن حالات يُشتبه بأنها استغلال جنسي للأطفال عبر الإنترنت ومرتبطة بلبنان خلال عام 2025.
ويستدعي هذا الرقم قراءة دقيقة.
فالبلاغ لا يعني بالضرورة ثبوت جريمة، كما أن عدد البلاغات لا يساوي عدد الأطفال المتضررين.
فقد تتعلق بلاغات متعددة بمحتوى واحد أو بواقعة واحدة، وقد تكون بعض البلاغات بحاجة إلى فحص إضافي لتحديد طبيعتها أو علاقتها الجغرافية بلبنان.
كذلك لا تسمح البيانات المنشورة مع الحملة باستنتاج أن جميع الحالات وقعت داخل الأراضي اللبنانية، أو أن أصحابها أطفال يحملون الجنسية اللبنانية.
لكن أهمية الرقم تكمن في حجم الإشارات التي تستدعي التحقق والمتابعة، وفي الحاجة إلى منظومة قادرة على التعامل مع المخاطر الرقمية بكفاءة.
ولا يمكن تحويل هذه المعطيات إلى نسبة انتشار وطنية للاستغلال الرقمي بين الأطفال في لبنان من دون معرفة منهجية جمع البلاغات، وعدد الحالات الفريدة، والنتائج التي انتهت إليها التحقيقات.
ورغم هذه الحدود، فإن وجود آلاف البلاغات المرتبطة بالبلاد يمثل سبباً كافياً للتعامل مع السلامة الرقمية باعتبارها قضية حماية عامة، لا مجرد مشكلة تقنية.
من التنمر إلى الابتزاز… أشكال مختلفة للعنف الرقمي
لا يحدث العنف الرقمي بطريقة واحدة.
فقد يتعرض طفل للتنمر عبر التعليقات المسيئة أو نشر الشائعات والصور بهدف السخرية، بينما يتعرض آخر للمضايقة المتكررة أو انتحال الهوية.
وفي الحالات الأكثر خطورة، قد يستخدم المعتدي التهديد أو الخداع للحصول على مواد خاصة، أو يحاول استدراج الطفل إلى علاقة مسيئة.
وتضيف أدوات الذكاء الاصطناعي تحديات جديدة، إذ أصبح بالإمكان إنشاء صور أو مقاطع مزيفة تبدو واقعية، وقد تُستخدم للإساءة إلى الأشخاص أو ابتزازهم أو تشويه سمعتهم.
ولا يشترط أن تكون الصورة الأصلية حقيقية حتى يتعرض الشخص للأذى. فقد يكفي تداول مادة مزيفة تحمل ملامح الضحية لإحداث ضرر اجتماعي ونفسي.
ويزداد الخطر عندما يتعلق الأمر بالقاصرين، بسبب حساسية أعمارهم واعتمادهم على البالغين والمؤسسات في الحصول على الحماية.
لكن الاستجابة يجب أن تميز بين أنواع الانتهاكات، لأن التنمر والملاحقة والابتزاز والاستغلال الجنسي ليست أفعالاً متطابقة، وقد تتطلب إجراءات مختلفة.
قصة «لين»… عندما تصبح التوعية أقرب إلى الواقع
في 8 تشرين الأول 2026، نشرت منظمة FEMALE، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان، حملة توعوية تتناول العنف الرقمي ضد الفتيات.
واستخدمت الحملة شخصية «لين»، وهي فتاة تبلغ الخامسة عشرة في السرد التوعوي، لتوضيح كيف يمكن أن تنتقل علاقة عبر الإنترنت من التواصل العادي إلى التلاعب والتهديد والابتزاز.
وتتضمن الحملة ثمانية مقاطع مصورة، أربعة منها تعرض قصة لين، وأربعة تتناول الجوانب النفسية والعملية المرتبطة بالعنف الرقمي، بمشاركة مختصات في الإعلام والصحة النفسية.
ولا ينبغي تقديم لين بوصفها ضحية حقيقية جرت مقابلتها صحافياً، بل شخصية مستخدمة في محتوى توعوي لشرح المخاطر التي قد تواجهها فتيات في الواقع.
وتبرز أهمية هذا النوع من التوعية في أنه يبتعد عن التخويف المجرد، ويستخدم مواقف يمكن فهمها ومناقشتها.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى سماع تحذير من الغرباء، بل إلى معرفة العلامات التي تستدعي طلب المساعدة، وكيفية التعامل مع التهديد، ومن يمكنه الوثوق به عندما يشعر بالخوف.
لماذا قد يصمت الطفل؟
من أكثر جوانب العنف الرقمي حساسية احتمال تردد الطفل في إخبار أسرته أو المدرسة بما يتعرض له.
فقد يخشى العقاب أو مصادرة الهاتف، أو يشعر بالحرج من تفاصيل المحادثة، أو يقلق من تهديد المعتدي بنشر صور أو معلومات خاصة.
وقد يستغل المعتدي هذا الخوف لإطالة فترة السيطرة على الضحية.
ولهذا فإن طريقة استجابة البالغين لا تقل أهمية عن وسائل الحماية التقنية.
فعندما يكون رد الفعل الأول موجهاً نحو لوم الطفل، قد يصبح الإفصاح عن الانتهاك أكثر صعوبة.
أما توفير مساحة آمنة للاستماع، وعدم تداول المحتوى الحساس، والتوجه إلى الجهات المختصة، فيمكن أن يساعد على وقف الضرر وتقديم الدعم.
ومن المهم ألا تتحول الرغبة في حماية الطفل إلى انتهاك إضافي لخصوصيته، عبر نشر قصته أو صوره أو تفاصيل قد تسمح بالتعرف إليه.
فالحماية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن المسؤولية عن الاستغلال تقع على من يرتكبه، لا على الطفل الذي تعرض له.
هل يكفي أن نمنع الأطفال من استخدام التطبيقات؟
في أيار 2026، أصدرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان دراسة تناولت حماية الأطفال في البيئة الرقمية، والنقاش العالمي بشأن تقييد وصول القاصرين إلى وسائل التواصل.
وأوضحت الدراسة أن الحظر الشامل ليس بالضرورة حلاً كافياً أو مستداماً.
فالأطفال يستخدمون الإنترنت للتعلم والتواصل والترفيه والمشاركة الاجتماعية، وقد تدفع القيود المطلقة بعضهم إلى استخدام حسابات غير معلنة أو الانتقال إلى منصات أقل خضوعاً للرقابة.
كما أن وسائل التحقق من العمر التي تعتمد على البيانات البيومترية أو المستندات الشخصية قد تطرح مخاطر جديدة تتعلق بالخصوصية.
وهنا تظهر معادلة أساسية: حماية الطفل من الضرر من دون حرمانه من حقوقه في التعلم والمعلومات والتعبير والمشاركة.
لذلك تحتاج السياسات الرقمية إلى معالجة تصميم التطبيقات نفسها، وآليات التبليغ، وطرق معالجة المحتوى الضار، وحماية البيانات الشخصية.
فالطفل لا يستطيع وحده مواجهة منظومة رقمية معقدة تعتمد على الخوارزميات والتوصيات والتفاعل المستمر.
لبنان أمام اختبار التشريع
لا تبدأ مواجهة العنف الرقمي في لبنان من نقطة الصفر.
فهناك نصوص قانونية تتصل بحماية الأحداث، والجرائم، والمعاملات الإلكترونية والبيانات الشخصية، ويمكن أن تنطبق على بعض أشكال الانتهاكات الرقمية وفق الوقائع القانونية لكل حالة.
لكن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أشارت إلى أن الإطار التشريعي الحالي لا يشكل منظومة شاملة ومتخصصة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية.
وفي 26 شباط 2026، اتخذ مجلس الوزراء القرار رقم 13 القاضي بإنشاء لجنة وزارية لإعداد استراتيجية وطنية لتنظيم وتوجيه استخدام الأطفال للإنترنت والتطبيقات الرقمية.
كما أعلنت منظمة FEMALE أن مشروع قانون شامل لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء والفتيات قُدّم إلى مجلس النواب في شباط 2026.
ويهدف المشروع، بحسب المنظمة، إلى معالجة أشكال من الأذى تشمل التحرش الإلكتروني والملاحقة والابتزاز ونشر الصور الخاصة من دون موافقة.
لكن تقديم مشروع القانون لا يعني إقراره أو دخوله حيز التنفيذ.
ويبقى التحدي في تحويل المبادرات والمقترحات إلى قواعد قابلة للتطبيق، تتضمن إجراءات واضحة للتبليغ، وحماية الخصوصية، ومساعدة المتضررين، ومحاسبة المعتدين.
الذكاء الاصطناعي يجعل الانتهاك أكثر تعقيداً
لم يعد التلاعب بالصور يحتاج دائماً إلى مهارات تقنية متقدمة.
فانتشار الأدوات التوليدية يسمح بإنتاج صور مزيفة أو تعديل صور حقيقية بصورة قد يصعب على المتلقي العادي اكتشافها.
وهذا التطور يفرض تحديات جديدة على حماية الأطفال، لأن المحتوى المسيء قد يُنشأ أو يُتداول بسرعة، حتى عندما لا يكون مبنياً على واقعة حقيقية.
ويحتاج التصدي لهذه الانتهاكات إلى تعاون بين الجهات القضائية والأمنية وشركات التكنولوجيا، مع تطوير وسائل حفظ الأدلة وإزالة المحتوى المخالف.
كما يجب تدريب العاملين في التعليم والحماية الاجتماعية على التعرف إلى أنماط الأذى الرقمي المستجدة.
فالتطور التقني يتغير بسرعة، بينما قد تحتاج القوانين والإجراءات الإدارية إلى وقت أطول لمواكبته.
ماذا تستطيع الأسرة والمدرسة فعله؟
تظل التوعية المبكرة واحدة من الأدوات المهمة للوقاية.
لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما تقوم على الحوار لا على التخويف.
فمن المفيد أن يعرف الأطفال كيفية حماية معلوماتهم الشخصية، والتحقق من الحسابات التي تتواصل معهم، وعدم الاستجابة للطلبات التي تجعلهم يشعرون بالضغط أو التهديد.
كما يجب أن يعرفوا أن بإمكانهم طلب المساعدة حتى لو ارتكبوا خطأً في مشاركة معلومة أو صورة.
أما المدارس، فيمكنها إدراج السلامة الرقمية ضمن التربية الإعلامية والتكنولوجية، وتطوير آليات واضحة وسرية لاستقبال الشكاوى وإحالتها إلى المختصين.
ولا ينبغي أن تتحمل الأسر والمدارس المسؤولية وحدها.
فشركات التكنولوجيا مطالبة بتوفير أدوات تبليغ مناسبة للأعمار الصغيرة، وإجراءات فعالة ضد الاستغلال، وآليات تقلل تداول المحتوى الضار وتحمي بيانات القاصرين.
وعلى المستوى الرسمي، تحتاج الجهات المختصة إلى إمكانات تقنية وبشرية تسمح بمتابعة البلاغات والتحقيق فيها، بالتوازي مع توفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للمتضررين.
عندما يتحول الخطر الرقمي إلى قضية اجتماعية
قد يبدو الاعتداء الذي يحدث عبر تطبيق أو رسالة مشكلة فردية تتعلق بالطفل وأسرته.
لكن تأثيراته قد تمتد إلى العلاقات المدرسية، والسمعة الاجتماعية، والشعور بالأمان، والثقة بالآخرين.
كما أن الاستجابة المجتمعية قد تزيد الضرر عندما تتحول إلى تداول للصور أو السخرية من الضحية أو تحميلها المسؤولية.
ولهذا فإن حماية الأطفال رقمياً ليست مجرد مسألة أمن معلومات، بل قضية تتصل بحقوق الإنسان والتربية والصحة النفسية والعدالة.
والتحدي الأهم هو الانتقال من التعامل مع كل حادثة بوصفها صدمة منفصلة إلى بناء نظام وقاية واستجابة مستمر.
فكل حملة توعية يمكن أن تساهم في رفع الوعي، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان الحماية من دون مؤسسات فعالة وقواعد واضحة.
من يحمي الأطفال خلف الشاشة؟
تعكس البلاغات المرتبطة بلبنان حجم المخاوف من الاستغلال الرقمي، لكنها لا تكشف وحدها العدد الفعلي للضحايا أو حجم الجرائم المثبتة.
ومع توسع استخدام المنصات وانتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، تصبح الحاجة إلى حماية الأطفال أكثر تعقيداً من مجرد تحديد عدد ساعات استخدام الهاتف.
فالطفل يحتاج إلى معرفة المخاطر، لكنه يحتاج أيضاً إلى بالغين يستمعون إليه، ومدرسة توفر الحماية، ومنصة تستجيب للبلاغات، ومؤسسات تطبق القانون.
لا ينبغي أن يُطلب من الطفل أن يحمي نفسه وحده من أنظمة رقمية ومعتدين يمتلكون خبرات ووسائل تفوق قدرته على المواجهة.
وفي لبنان، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءاً من الحياة اليومية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يوجّه النقاش العام:
هل نكتفي بتعليم الأطفال كيف يتجنبون الخطر، أم نبني بيئة رقمية تقل فيها فرص تعرضهم له أصلاً؟

