في الدورة الثانية عشرة من أسبوع دبي للتصميم، تتحول مخلفات البناء إلى فضاءات للتأمل، ويصبح حرف عربي واحد عملًا ضوئيًا بطول سبعة أمتار، وتستعيد أدوات الصيد القديمة حضورها في أعمال فنية معاصرة. لكن وراء هذا المشهد الذي يجمع التراث بالتكنولوجيا، يبرز سؤال ثقافي لا يتعلق بجمال القطع المعروضة وحده: هل ينجح المصممون في إحياء المعارف والحرف التقليدية، أم أن تحويل التراث إلى منتجات فاخرة قد يفصل الأشياء عن المجتمعات التي صنعتها؟
حين يصبح الركام مادة للفن
في حي دبي للتصميم، المعروف باسم «d3»، يُعرض عمل بعنوان «InBetween: What Was and What Will Be»، أي «بين ما كان وما سيكون»، للاستوديو الفلسطيني التركي «ae studio».
لا يقوم العمل على الرخام المصقول أو الأخشاب الثمينة، بل على إعادة استخدام مخلفات الخرسانة وتكوين أشكال معمارية مستوحاة من التفكك والفراغات والعتبات.
أسّس الاستوديو عبد الرحمن الآغا وإزغي ميدجيلر، ويطرح العمل سؤالًا يتصل بالعلاقة بين الدمار وإعادة البناء.
فبدل النظر إلى المواد المكسورة بوصفها نهاية عمر المبنى، يعيد المصممان استخدامها لتشكيل فضاء يستطيع الزائر دخوله والجلوس داخله والتفاعل معه.
هنا تتحول الخرسانة من مادة بناء إلى وسيط للتعبير عن الذاكرة.
ليست القطعة المكسورة مجرد عنصر بصري؛ فوجودها داخل تكوين جديد يستحضر الأسئلة المرتبطة بما يبقى من المكان بعد تغيّره أو تدميره.
لكن المشروع لا يدّعي بالضرورة إعادة بناء موقع تاريخي بعينه، ولا يقدّم الركام باعتباره مادة مستخرجة من منطقة حرب محددة.
وهذا تمييز مهم، خصوصًا عندما يرتبط العمل بمصممين من منطقة عرفت النزاعات والدمار.
فالقيمة الفنية للعمل تأتي من إعادة التفكير في العلاقة بين المادة والإنسان، وليس من افتراض قصة سياسية لم يعلنها أصحاب المشروع.
ومع ذلك، يطرح العمل سؤالًا يتجاوز المعرض: إذا كان بالإمكان تحويل الخرسانة المستعملة إلى بنية جديدة، فلماذا لا يصبح التفكير في إعادة الاستخدام جزءًا أساسيًا من تصميم المدن؟
حرف «ش»… عندما يصبح الصمت صاخبًا
في مساحة أخرى من المهرجان، تقف الفنانة اللبنانية داليا رافع وراء واحدة من أكثر التجارب ارتباطًا باللغة والهوية البصرية.
يحمل عملها عنوان «Shhhhhhhh»، ويقوم على تحويل الصوت المستخدم لطلب الصمت إلى تكوين ضوئي أحمر يمتد على سبعة أمتار.
تستخدم رافع الحرف العربي «ش»، وتكرره ضمن عمل يستعير اللغة البصرية للافتات الإعلانية والإشارات المضيئة.
لكن المفارقة تكمن في الرسالة.
فالضوء الأحمر الذي يُستخدم عادة لجذب الانتباه يحمل هنا دعوة إلى الهدوء.
يتحول الصوت إلى حرف، ثم إلى صورة، ثم إلى جسم يحتل مساحة حقيقية.
وبهذه العملية، يخرج الحرف العربي من وظيفته التقليدية في القراءة إلى تجربة بصرية تعتمد التكرار والحجم والإضاءة.
والعمل ليس مجرد تجربة خط عربي معاصر.
إنه بحث في كيفية انتقال المعنى بين الصوت والكتابة والصورة.
فالصوت الذي يستخدمه شخص لطلب الصمت داخل غرفة صغيرة يصبح، بعد تكبيره وإضاءته، علامة عامة يراها جمهور واسع.
وهنا يتغير سياق الرسالة دون أن تختفي جذورها اللغوية.
تعمل داليا رافع بين بيروت ودبي، وتجمع في ممارستها الفنية بين الرسم والكتابة والضوء والتركيب المكاني.
وتكشف تجربتها اتجاهًا مهمًا في الفن العربي المعاصر: لم يعد الحرف العربي محصورًا في اللوحة الخطية أو الزخرفة، بل أصبح مادة للنحت والتجريب المفاهيمي والتواصل البصري.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل يكفي استخدام الحروف العربية ليكتسب العمل هوية ثقافية عربية؟
قد تكون الإجابة أكثر تعقيدًا.
فاللغة لا تتحول إلى عنصر فني حي لمجرد حضور شكلها، بل من خلال المعاني التي يحملها العمل وطريقة تفاعله مع سياقه.
وفي حالة داليا رافع، تأتي التجربة من استخدام اجتماعي مألوف للصوت والحرف، لا من التعامل مع الأبجدية بوصفها زينة بصرية فقط.
من البحر إلى المتحف… صنّارة عمرها أربعة آلاف عام
لا تقتصر إعادة قراءة الماضي على الحروف والمواد المعمارية.
ففي مشروع «Everyday Artifacts»، أو «قطع من الحياة اليومية»، تعود المصممتان مفيدة محيي الدين ونورة جابر إلى الأدوات التي استخدمها سكان المنطقة قبل آلاف السنين.
يركز العمل على موقع «تل أبرق» الأثري، الواقع قرب الحدود بين أم القيوين والشارقة، وعلى الأدوات المرتبطة بالحياة اليومية، ومنها صنارات الصيد والمخارز والمطارق.
وتأخذ الصنّارة مكانًا مركزيًا في المشروع.
فهي أداة بسيطة، لكن وجودها في الموقع الأثري يربط بين مهن الصيد القديمة والحياة البحرية التي استمرت في تشكيل مجتمعات الخليج عبر أجيال.
ويقدّم العمل شكلًا فنيًا مستوحى من صنارة تبدو مدفونة جزئيًا، في إشارة إلى اللحظة التي يتحول فيها الشيء العادي إلى أثر تاريخي.
وهذه الفكرة تحمل نقدًا ضمنيًا لطريقة فهمنا للتراث.
فالمتاحف كثيرًا ما تجذب الانتباه عبر القطع النادرة والمجوهرات والأسلحة والأشياء المرتبطة بالحكام والنخب.
لكن تاريخ المجتمعات لا تصنعه هذه القطع وحدها.
فالأدوات التي استخدمها الصيادون والنجارون والحرفيون تكشف أيضًا كيف عاش الناس، وكيف تعاملوا مع البيئة، وما المهارات التي احتاجوا إليها.
ومن هنا تنشأ قيمة إعادة تقديم هذه الأشياء داخل المعارض الفنية.
فهي تتيح للجمهور النظر إلى القطعة اليومية بوصفها حاملًا للمعرفة، لا مجرد أداة فقدت وظيفتها.
سعف النخيل… من مخلفات التقليم إلى فضاء اجتماعي
في مشروع «تقليم» (Taqleem)، تستلهم المعمارية الإماراتية الأردنية رشا سفريني الممارسات التقليدية المرتبطة بتقليم النخيل.
تستخدم التجربة هذه العلاقة بين الإنسان والشجرة في تشكيل مساحة معاصرة للجلوس والتجمّع.
والنخلة ليست عنصرًا زخرفيًا عابرًا في تاريخ المنطقة.
فقد ارتبطت بالزراعة والغذاء والبناء وصناعة الأدوات المنزلية والحرف التقليدية.
لكن الأهمية الثقافية للمشروع لا تكمن فقط في استخدام مادة ذات جذور محلية.
بل في إعادة التفكير في الوظيفة الاجتماعية للمادة.
فالمنتج المستلهم من التراث قد ينجح بصريًا عندما يوضع داخل معرض، لكنّ قيمته تصبح أعمق إذا استطاع خدمة حاجة معاصرة.
هل يوفر الظل؟ هل يسمح للناس بالاجتماع؟ هل يناسب البيئة التي صُمم من أجلها؟ وهل يمكن صيانته وإعادة استخدامه؟
هذه الأسئلة تنقل التصميم من استحضار الماضي إلى اختبار فائدته في الحاضر.
فالاستدامة لا تُقاس فقط بمصدر المادة، بل أيضًا بعمر المنتج وطريقة تصنيعه وصيانته ومصيره بعد انتهاء استخدامه.
التراث ليس قطعة أثاث
تظهر الفكرة نفسها بصورة مختلفة في عمل «BAYN» الذي يقدمه استوديو «Palm & Palazzo» من البحرين.
ينطلق المشروع من «الدكّة»، وهي مقعد تقليدي كان يوضع بمحاذاة واجهة المنزل، ويوفر مساحة للجلوس والتواصل مع المارّة والجيران.
في العمارة التقليدية البحرينية، ارتبطت البيوت بتنظيم واضح للعلاقة بين المساحات الداخلية والحياة العامة في الشارع.
تحافظ الجدران على خصوصية المنزل، بينما تسمح الدكّة بنوع من المشاركة الاجتماعية دون إلغاء الحدود بين الداخل والخارج.
يعيد العمل تفسير هذه العلاقة باستخدام لغة معمارية معاصرة.
ولا يحاول بالضرورة نسخ المنزل القديم كما كان، بل استخراج فكرة اجتماعية منه.
وهذا فرق أساسي.
فقد يستطيع المصمم إنتاج مقعد يشبه الدكّة التقليدية، لكنه يفشل في استعادة وظيفتها إذا وُضع في مكان لا يسمح بالتفاعل بين الناس.
فالتراث المعماري ليس أشكالًا فقط.
إنه أيضًا عادات استخدام المكان، وطريقة تنظيم العلاقات بين السكان، والتوازن بين الخصوصية والمشاركة.
لذلك، فإن نقل قطعة معمارية من سياقها القديم إلى بيئة حديثة يحتاج إلى أكثر من محاكاة شكلها.
يحتاج إلى فهم الحياة التي منحتها معناها.
هل يكفي استخدام مواد مستعملة لنسمّي العمل مستدامًا؟
مع اتساع حضور المواد المعاد استخدامها في مهرجانات التصميم، أصبح مفهوم الاستدامة جزءًا أساسيًا من اللغة التي تستخدمها المؤسسات والعلامات التجارية.
لكنّ الانتقال من وصف العمل بأنه «صديق للبيئة» إلى إثبات أثره البيئي يحتاج إلى بيانات.
فقد يتطلب تحويل مادة مستعملة إلى منتج جديد عمليات قص ونقل ومعالجة واستهلاك للطاقة.
وقد تكون هذه العمليات محدودة الأثر، أو مرتفعة الكلفة البيئية، تبعًا لطبيعة المشروع.
ولهذا لا يكفي أن تكون المادة مستعملة أو طبيعية كي نعتبر المنتج مستدامًا بصورة مؤكدة.
فالتقييم المهني يحتاج إلى النظر في دورة الحياة الكاملة للقطعة، من مصدر المواد إلى تصنيعها ونقلها واستخدامها والتعامل معها بعد انتهاء عمرها.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في قطاع البناء.
فبحسب التقرير العالمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة عن المباني والإنشاءات لعامَي 2025–2026، يرتبط القطاع بنحو 37% من الانبعاثات العالمية، وبما يقارب نصف استخراج المواد عالميًا، وفق نطاق التقييم المستخدم في التقرير.
هذه أرقام تخص قطاع المباني والإنشاءات عالميًا، ولا تمثل الأثر البيئي لأسبوع دبي للتصميم أو لأي عمل معروض فيه.
لكنها توضح لماذا أصبحت المواد وإعادة الاستخدام جزءًا مهمًا من النقاش المعماري العالمي.
ومن هنا، فإن مشاريع مثل «InBetween» تكتسب قيمتها في فتح باب التجريب والتفكير في مواد البناء.
لكن الحكم على نجاحها البيئي الفعلي يتطلب معلومات عن المواد والطاقة والكميات المستخدمة، لا الاكتفاء بالوصف الفني.
عندما يصبح التراث منتجًا فاخرًا
إلى جانب التجارب الفنية والتركيبات العامة، يستضيف أسبوع دبي للتصميم معرض «Downtown Design»، الذي يجمع علامات تجارية ومصممين واستوديوهات من المنطقة والعالم.
وبحسب وكالة أنباء الإمارات، شهدت نسخة هذا العام مشاركة أكثر من 300 علامة تجارية ومصمم من أكثر من 35 دولة.
وهنا تنتقل المناقشة من القيمة الثقافية إلى السوق.
فالأثاث والأدوات المنزلية والمجوهرات والأعمال التصميمية أصبحت جزءًا من اقتصاد إبداعي تتداخل فيه المهارات الفنية والتسويق والإنتاج والتجارة.
ولا توجد مشكلة في أن يحقق المصمم عائدًا ماليًا من عمله أو أن تتحول الحرفة إلى نشاط اقتصادي ناجح.
لكنّ الإشكالية تظهر عندما تصبح الإشارات التراثية مجرد وسيلة لرفع القيمة التجارية للمنتج، بينما يغيب الاعتراف بالأشخاص والمجتمعات الذين طوروا المهارات الأصلية.
فالتصميم المستلهم من حرفة تقليدية قد يستخدم أشكالها وألوانها وتقنياتها، لكن ذلك لا يضمن استمرار الحرفة نفسها.
قد يُصنع المنتج الجديد بآلات صناعية، بينما يتراجع عدد الحرفيين القادرين على تنفيذ التقنية الأصلية.
وقد يحقق المنتج حضورًا في المعارض الدولية، فيما تبقى المجتمعات التي حافظت على الحرفة بعيدة عن الفرص التجارية التي نشأت حولها.
وهنا يصبح السؤال عن الملكية المعرفية والمشاركة الاقتصادية مشروعًا.
مَن يملك الحق في استخدام الأنماط التقليدية؟ وهل يُذكر الحرفيون الذين أسهموا في تطويرها؟ وهل توجد فرص تدريب تساعد الأجيال الجديدة على تعلّمها؟ وهل تصل عوائد النشاط التجاري إلى أصحاب الخبرة، عندما تكون هناك شراكات معهم؟
هذه أسئلة عامة تتعلق بصناعة التصميم، وليست اتهامًا بوجود استغلال محدد داخل المعرض.
لكنها ضرورية لأي نقاش يريد تجاوز الاحتفاء بالمنتجات الجميلة.
اليونسكو: التراث يعيش بمن يمارسونه
تعتمد منظمة اليونسكو مفهوم «التراث الثقافي غير المادي» لوصف الممارسات والمعارف والمهارات التي تتناقلها المجتمعات بين الأجيال.
وتشمل هذه المعارف الحرف التقليدية، إلى جانب الممارسات الاجتماعية والفنون الأدائية والتقاليد الشفهية.
وتؤكد المنظمة أن حماية التراث لا تعني فقط توثيق المنتج النهائي، بل دعم الأشخاص الذين يمتلكون المعرفة والمهارة وينقلونها إلى الآخرين.
وبهذا المعنى، فإن عرض قطعة مستوحاة من حرفة قديمة يمكن أن يساعد في التعريف بها، لكنه لا يضمن بمفرده استمراريتها.
فحماية الحرفة تحتاج أيضًا إلى التدريب، والطلب على المنتجات، وفرص العمل، وتوفر المواد المناسبة، ومشاركة المجتمعات الحاملة لها في القرارات المتعلقة بمستقبلها.
وهنا يصبح دور المصمم المعاصر أكثر تعقيدًا.
فهو لا يعيد تشكيل الماضي فقط، بل يشارك في تحديد الصورة التي سيصل بها إلى المستقبل.
والفرق كبير بين مشروع يستوحي شكلًا تراثيًا لينتج قطعة جديدة، ومشروع يعمل مع الحرفيين أنفسهم على تطوير تقنيات قابلة للاستمرار.
ولا يعني ذلك أن أحد النموذجين مشروع والآخر غير مشروع تلقائيًا.
لكنهما يحققان أهدافًا مختلفة، وينبغي تقييمهما وفق هذه الأهداف.
مَن يدخل المعرض… ومَن يستطيع دخول السوق؟
يُقام الجزء العام من أسبوع دبي للتصميم بصورة مجانية، بينما يتطلب دخول معرض «Downtown Design» التجاري تذاكر منفصلة.
كما يخصص المهرجان عطلة نهاية الأسبوع لسوق يجمع مشاريع صغيرة وحرفيين وعلامات مستقلة، بهدف توفير فرص لعرض المنتجات وبيعها.
ويضم «معرض مصممي الإمارات» أعمالًا لمواهب ناشئة، تحت عنوان «مستقبل موروث» (Inherited Futures)، وبإشراف المعمارية والمصممة الزينة لوتاه.
يحاول المعرض إعادة التفكير في المواد والتقاليد والممارسات التي شكّلت التصميم في الإمارات، وما الذي تختار الأجيال الجديدة الاحتفاظ به أو تغييره.
لكنّ إتاحة منصات العرض لا تكفي وحدها لقياس أثرها الاقتصادي.
فالحكم على نجاحها بالنسبة إلى المصممين الناشئين يحتاج إلى معرفة عدد الفرص المهنية التي نشأت عنها، والعقود التي أُبرمت، والطلبات التي حصلوا عليها، وقدرتهم على الاستمرار بعد انتهاء المناسبة.
ولا تتوافر بعد نتائج نهائية لهذه المؤشرات، خصوصًا أن الدورة الحالية لم تنتهِ عند إعداد هذا المقال.
ومع ذلك، فإن الجمع بين المعارض المجانية والمساحات التجارية يوضح الدور المزدوج لمهرجانات التصميم.
فهي مؤسسات ثقافية تعرض الأفكار والتجارب، لكنها أيضًا منصات للتسويق وبناء العلاقات المهنية.
وهذا الدور المزدوج ليس سلبيًا بالضرورة، شرط أن تكون العلاقة بين القيمة الثقافية والمصلحة التجارية واضحة.
هل يتغير التصميم العربي فعلًا؟
ما يلفت النظر في دورة 2026 ليس مجرد استخدام مواد قديمة داخل أعمال جديدة.
بل انتقال عدد من المصممين من السؤال عن شكل المنتج إلى السؤال عن الذاكرة التي يحملها.
فالركام يتحول إلى مساحة للتأمل في البناء والهدم، والحرف العربي يصبح تجربة عن الصوت والصمت، والصنّارة القديمة تتحول إلى مدخل لفهم تاريخ البحر، والدكّة البحرينية تستعيد العلاقة بين البيت والشارع.
هذه المشاريع لا تنتمي إلى مدرسة فنية واحدة، ولا يصح اعتبارها دليلًا على وجود اتجاه موحد لدى جميع المصممين العرب.
لكنها تكشف اهتمامًا مشتركًا لدى بعض الممارسات المعاصرة بفهم العلاقة بين الأشياء والناس والتاريخ.
والأهم أن التصميم هنا لا يكتفي بتزيين الحياة اليومية.
إنه يحاول مساءلتها.
لماذا نبني بهذه المواد؟ كيف يستخدم الناس المساحات؟ ماذا نخسر عندما تختفي حرفة؟ وماذا يحدث لمعنى الشيء حين ينتقل من وظيفته الأصلية إلى المتحف أو السوق؟
هذه الأسئلة تمنح التصميم بعدًا ثقافيًا يتجاوز الاستهلاك.
لكنّ الإجابة عن مدى تأثير هذا التحول تحتاج إلى متابعة ما يحدث خارج المهرجانات، حيث يعمل الحرفيون وتنتج المصانع ويعيش الناس مع الأشياء التي يصممها الآخرون لهم.
الماضي ليس مادة خامًا مجانية
من السهل أن تبدو قطعة مصنوعة من الركام مثيرة للاهتمام داخل معرض، أو أن يلفت حرف عربي مضيء أنظار الزوار.
لكن القيمة التي تستحق المتابعة تبدأ بعد انتهاء العرض.
هل سيُعاد استخدام المواد مرة أخرى؟ وهل ستجد التقنيات الجديدة طريقها إلى مشاريع بناء حقيقية؟ وهل ستنشأ شراكات تمنح الحرفيين فرصًا مستدامة؟ وهل ستساعد التجارب الفنية الجمهور على فهم أعمق للتراث الذي تستلهمه؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الفن، بل تمنحه إطارًا أوسع للتقييم.
فنجاح التصميم لا يقاس فقط بقدرته على إدهاش العين، بل أيضًا بما يقدمه من معرفة أو وظيفة أو تجربة إنسانية جديدة.
ربما لا يحتاج الفن العربي إلى الاختيار بين التراث والحداثة، فالعلاقة بينهما لم تكن يومًا ثابتة.
لكنّ التحدي الحقيقي هو ألّا يتحول الماضي إلى مخزن أشكال يستخرج منه المصممون ما يناسب السوق، بينما تضيع المهارات والذاكرة الاجتماعية التي صنعت تلك الأشكال.
فالتراث لا يعيش لأننا نعيد تصميمه بصورة أجمل… بل لأنه يظل قادرًا على إنتاج معنى وحياة وعمل للأجيال التي تأتي بعدنا.


