قد يبدو المشهد بسيطاً للوهلة الأولى: سجون مكتظة، موقوفون ينتظر بعضهم المحاكمة منذ سنوات، قضاء يرزح تحت بطء الإجراءات، ودولة قررت أخيراً التدخل.
الحل الذي أقرّه مجلس النواب حمل عنوان العفو العام.
لكن قراءة القانون رقم 70/2026 مادةً مادة تكشف أن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد فتح أبواب السجون أمام مجموعة من النزلاء.
فالقانون لا يكتفي بإسقاط ملاحقات وأحكام في جرائم يشملها العفو، بل يخفّض أيضاً عقوبات في جرائم أخرى مستثناة منه، ويحوّل عقوبات الإعدام والمؤبد إلى مدد سجنية محددة، ويخفض أجزاء من عقوبات أخرى، ويأمر بإخلاء سبيل موقوفين تجاوز توقيفهم 12 سنة من دون صدور حكم، كما يعالج أوضاع محكومين أنهوا عقوباتهم لكنهم ظلوا في السجن بسبب غرامات مالية. وفي المقابل، يضع القانون لائحة واسعة من الجرائم المستثناة من العفو الكامل.
هذه ليست عملية فتح جماعي لأبواب السجون.
لكنها أيضاً ليست مجرد معالجة إدارية للاكتظاظ.
إنها إعادة رسم استثنائية للحد الفاصل بين العقوبة والحرية، وبين حق المحكوم في فرصة جديدة وحق المجتمع والضحايا في العدالة والأمان.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل عالج لبنان مظلومية داخل السجون من دون أن يخلق مشكلة جديدة خارجها؟
أزمة حقيقية خلف القضبان
قبل الحكم على قانون العفو، لا بد من الاعتراف بأن الأزمة داخل السجون اللبنانية حقيقية.
بحسب التقرير السنوي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بلغ عدد نزلاء السجون اللبنانية في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 نحو 6146 نزيلاً، قبل أن يرتفع إلى 6212 نزيلاً في 10 آذار/مارس 2026.
وتشير البيانات إلى أن غالبية النزلاء كانوا من الموقوفين احتياطياً لا من المحكومين، في وقت وصلت فيه مستويات الاكتظاظ، خلال مراحل من الأزمة، إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف القدرة الاستيعابية لبعض السجون.
وهذه النقطة أساسية.
فالموقوف ليس بالضرورة محكوماً، والتوقيف الاحتياطي يفترض قانوناً أن يكون تدبيراً مؤقتاً تقتضيه التحقيقات والمحاكمة، لا عقوبة تنفّذ قبل صدور الحكم.
بل إن الأسباب الموجبة لقانون العفو نفسه تحدثت عن التأخير المزمن في إصدار الأحكام وعن حالات يتحول فيها طول التوقيف عملياً إلى عقوبة تسبق الحكم القضائي.
إذاً، هناك مشكلة فعلية تستحق المعالجة.
لكن الاعتراف بوجود المظلومية لا يعني تلقائياً أن كل وسيلة لمعالجتها هي الحل الأمثل.
ماذا يفعل القانون فعلياً؟
صدر القانون رقم 70/2026 في 4 أيلول/سبتمبر 2026، بعد إقراره في مجلس النواب، ونصت مادته الأولى على منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار/مارس 2026، ضمن الحدود والاستثناءات التي حددها القانون.
ويستفيد من العفو، من حيث المبدأ، الفاعلون والشركاء والمتدخلون والمحرضون والمخبئون في الجرائم المشمولة.
والأثر القانوني هنا يتجاوز مجرد تخفيض مدة العقوبة.
فالعفو يؤدي في الجرائم المشمولة إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية المحكوم بها.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة:
ليست القضية ما إذا كان المجتمع مع الرحمة أو ضدها، بل أي جرائم قررت الدولة أن تطوي صفحتها، وأي جرائم قررت إبقاءها خارج العفو؟
من لا يشمله العفو؟
على عكس ما قد يوحي به مصطلح «العفو العام»، القانون لا يشمل جميع الجرائم.
فالقتل العمدي أو القصدي يقع ضمن الاستثناءات، وكذلك عدد من الجرائم الإرهابية المحددة في القانون، وجرائم عسكرية معينة، والخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو وفق الشروط الواردة في النص.
كما تشمل الاستثناءات جرائم مرتبطة بالمال العام والجرائم المالية والمصرفية وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين والتعذيب والإخفاء القسري، وغيرها من الجرائم المحددة في القانون.
أما في جرائم المخدرات والسرقة، فالصورة أكثر تفصيلاً.
القانون لا يستثني جميع جرائم المخدرات بصورة مطلقة، بل يضع شروطاً مرتبطة بطبيعة الجرم والتكرار وصفة مرتكبه، كما يشمل زراعة المواد المخدرة في الحالات التي حددها النص.
وفي السرقة، تدخل مسألة تكرار الملاحقات أو الأحكام في تحديد الاستفادة من العفو أو الاستثناء منه.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية:
فالمعيار القانوني لا يتعلق دائماً فقط بنوع الجريمة، بل قد يتعلق أيضاً بعدد مرات التكرار والتوصيف القانوني لكل ملف.
المستثنى من العفو قد يحصل على تخفيض
ربما تكون هذه النقطة من أكثر ما يحتاج إلى توضيح للرأي العام.
استثناء جريمة من العفو لا يعني بالضرورة بقاء العقوبة الأصلية كما هي.
فالمادة الثالثة من القانون تتناول جرائم لم يشملها العفو الكامل، لكنها تمنح تخفيضات استثنائية للعقوبات.
وبحسب النص:
عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية.
الأشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية.
أما سائر العقوبات المتبقية، فيُخفض ثلثها.
وفي بعض جرائم القتل المقترنة بظروف مشددة، مثل الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو التعذيب والوحشية والتشويه والخطف أو الاغتيال السياسي، وضع القانون شروطاً إضافية للاستفادة من التخفيض، من بينها ما يرتبط بإسقاط الحق الشخصي في الحالات المحددة قانوناً.
وهنا لا يعود السؤال عن العفو وحده.
بل عن فلسفة تخفيض العقوبات أيضاً.
فهل يكفي اكتظاظ السجون ليبرر تخفيض كل عقوبة؟
ومن يحدد النقطة التي تلتقي عندها الضرورة الإنسانية مع حق الضحية والمصلحة العامة؟
هذه أسئلة لا يفترض بالصحافي أن يجيب عنها نيابة عن المجتمع، لكن من واجبه أن يضعها أمامه بوضوح.
12 سنة في التوقيف… ولا حكم
تنص المادة الخامسة على أنه في الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار/مارس 2026 والتي لم يصدر فيها أي حكم، إذا تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية، يُخلى سبيل المدعى عليه حكماً، فيما تستمر محاكمته وفق الأصول.
للوهلة الأولى، قد يبدو النص مثيراً للقلق:
كيف يمكن لمتهم بجريمة خطيرة أن يخرج قبل انتهاء محاكمته؟
لكن السؤال المعاكس لا يقل خطورة:
كيف يمكن للدولة أن تُبقي إنساناً 12 عاماً خلف القضبان من دون أن تتمكن من إصدار حكم في قضيته؟
إذا كان مذنباً، فهذا يعني أن العدالة عجزت عن محاكمته خلال مدة معقولة.
وإذا انتهت المحاكمة إلى براءته، فإن سنوات التوقيف تصبح بحد ذاتها مأساة لا يمكن استعادتها.
هذه المادة ربما تكشف مشكلة أعمق من العفو نفسه: أزمة نظام قضائي يستطيع أن يُبقي شخصاً أكثر من عقد خلف القضبان قبل حسم مسؤوليته الجزائية.
وماذا يحدث في اليوم التالي للخروج؟
هنا تنتقل المسألة من القانون إلى المجتمع.
يمكن لمجلس النواب أن يسقط عقوبة أو يخفضها، لكنه لا يستطيع بنص تشريعي وحده إزالة آثار سنوات السجن.
من يخرج بعد سنوات طويلة قد يحتاج إلى فرصة عمل، وسكن، ودعم اجتماعي، وتأهيل مهني، وفي بعض الحالات إلى علاج من الإدمان أو متابعة نفسية واجتماعية.
وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح السؤال عن احتمال العودة إلى الجريمة مشروعاً.
الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان شددت بدورها على أهمية البرامج التعليمية والتأهيلية داخل المؤسسات العقابية، وعلى ضرورة توسيع بدائل التوقيف والعقوبات السالبة للحرية، وربطت معالجة أزمة السجون بإصلاحات تتجاوز خفض أعداد النزلاء.
وهنا يظهر سؤال ربما يكون غائباً عن الجزء الأكبر من النقاش:
أين خطة الدولة لما بعد العفو؟
المقصود ليس فقط مراقبة من يخرج من السجن.
المطلوب أيضاً إعادة تأهيله ودمجه في المجتمع.
فحماية المجتمع لا تتحقق فقط بإغلاق باب السجن على المجرم، كما أن إعادة التأهيل لا تتحقق بمجرد فتح الباب له.
القانون يعاقب العودة إلى الجريمة… بعد وقوعها
من الإنصاف القول إن القانون لم يتجاهل تماماً احتمال التكرار.
فالمادة السادسة تنص على تشديد عقوبة المستفيد إذا ارتكب جناية بعد نشر القانون، وفق الأحكام القانونية المحددة.
كما تنص على سقوط استفادته من العفو واستئناف عقوبته أو محاكمته من المرحلة التي كانت قد بلغتها، إضافة إلى محاكمته عن الجريمة الجديدة.
هذه آلية ردعية واضحة.
لكنها تعمل بعد وقوع الجريمة الجديدة.
أما السياسة الجنائية الحديثة فلا يفترض أن تكتفي بمعاقبة التكرار، بل أن تعمل أيضاً على تقليل احتماله قبل وقوعه.
وهنا يظهر الفارق بين سياسة عقابية وسياسة إعادة إدماج.
الضحية… الطرف الآخر في معادلة العفو
وسط النقاش عن السجناء والموقوفين والاكتظاظ والعدالة المتأخرة، هناك طرف آخر قد يصبح صوته أقل حضوراً:
الضحية.
هناك منزل تعرض للسرقة.
هناك شخص تعرض للاعتداء.
هناك عائلة فقدت فرداً.
وهناك متضرر ربما انتظر سنوات حكماً قضائياً، ثم وجد أن العقوبة أصبحت قابلة للمحو أو التخفيض بموجب قانون استثنائي.
القانون لم يُسقط الحقوق الشخصية بصورة مطلقة، وأبقى مسارات قانونية للمطالبة بالتعويض والحقوق الشخصية بحسب الحالات المحددة فيه.
لكن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان سبق أن حذرت من أن مقاربات العفو تثير أسئلة تتصل بالمساواة أمام القانون وبحق الضحايا في العدالة والإنصاف، ومن اختزال معالجة أزمة السجون بمجرد خفض عدد النزلاء.
فالعدالة التي ترى السجين وتتجاهل الضحية ناقصة.
تماماً كما أن العدالة التي ترى الجريمة وتتجاهل حقوق المتهم وقرينة البراءة ناقصة أيضاً.
السياسة حضرت في الخلفية
لا يمكن فصل قانون العفو عن النقاش السياسي الذي رافقه على مدى سنوات.
فالملف ارتبط في مراحل مختلفة بقضية الموقوفين الإسلاميين، وبمطالب متصلة بفئات أخرى من الموقوفين والمحكومين، وشهد تجاذبات بين قوى سياسية ونيابية متعددة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من السؤال:
ما الجريمة وما العقوبة التي يحددها القانون؟
إلى سؤال آخر:
إلى أي جماعة أو منطقة أو بيئة ينتمي السجين؟
العدالة الجزائية يفترض أن تقوم على الوقائع والأدلة والقانون والمسؤولية الفردية، لا على الانتماء السياسي أو الطائفي أو المناطقي.
ومن هنا يصبح أحد الأسئلة المشروعة حول القانون هو مدى نجاحه في بناء فلسفة جزائية متماسكة، بعيداً عن التسويات والضغوط التي ترافق عادة الملفات السياسية الكبرى.
اعتراضات على اتساع نطاق القانون
«المفكرة القانونية»، التي تابعت مسار القانون وقدمت لاحقاً مذكرة إلى المجلس الدستوري، أثارت جملة اعتراضات على الصياغة والمضمون، من بينها ملاحظات تتعلق بحدود الاستثناءات وإمكان استفادة بعض الملفات من أحكام العفو.
هذه تبقى قراءة حقوقية وقانونية للنص وليست حكماً قضائياً نهائياً.
كما لا يصح اختزال القانون بالقول إنه «يعفو عن الفساد» بصورة مطلقة، لأن النص نفسه يستثني فئات متعددة من الجرائم المالية والجرائم الواقعة على المال العام.
لكن السؤال المشروع يبقى:
هل صيغت الاستثناءات بدقة تكفي لمنع دخول ملفات لم يكن الرأي العام أو المشرّع يقصد شمولها بالعفو؟
في قوانين بهذا الحجم، الفارق بين كلمة وأخرى ليس لغوياً فقط.
قد يكون الفارق بين سجين يبقى خلف القضبان وآخر يستعيد حريته.
المجلس الدستوري يجمّد التنفيذ
في 10 أيلول/سبتمبر 2026، دخل القانون مرحلة جديدة.
أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 10/2026 القاضي بوقف مفعول القانون رقم 70/2026، ريثما يُبت بالطعن المقدم بشأنه.
وهذا يعني أن القانون معلّق المفعول حالياً، ولا ينبغي التعامل مع الإفراجات أو التخفيضات الواردة فيه كما لو أنها أصبحت نهائية وقابلة للتنفيذ.
وفي الوقت نفسه، فإن وقف المفعول لا يعني بحد ذاته أن المجلس الدستوري أبطل القانون.
القرار النهائي في الطعن هو الذي سيحدد مصيره: تثبيت القانون، أو إبطال أحكام منه، أو اتخاذ القرار الدستوري الذي يراه المجلس وفق المراجعة المعروضة أمامه.
الخطر الحقيقي قد لا يكون في العفو وحده
ربما طُرح السؤال طوال السنوات الماضية بطريقة شديدة التبسيط:
هل نطلق السجناء أم نبقيهم خلف القضبان؟
لكن السؤال الأكثر دقة هو:
من يجب أن يبقى؟ ومن يمكن أن يخرج؟ وعلى أي أساس؟ وماذا تفعل الدولة بعد خروجه؟
ليس مقبولاً أن يبقى إنسان سنوات طويلة من دون محاكمة عادلة فقط لأن الدولة فشلت في إدارة قضائها.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار اكتظاظ السجون وحده سبباً كافياً لتجاهل الخطورة الفردية أو حقوق الضحايا.
ولا كل سجين يشكل خطراً على المجتمع.
كما أن انتهاء العقوبة أو شمول شخص بالعفو لا يعني تلقائياً زوال احتمال تكرار الجريمة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله هو التعامل مع آلاف الملفات باعتبارها حالة واحدة.
أين تقييم الخطورة؟
قبل إعادة شخص إلى المجتمع، ماذا تعرف الدولة عنه؟
هل خضع لبرنامج تأهيل؟
هل لديه سجل متكرر من العنف؟
هل يعاني من إدمان يحتاج إلى علاج؟
هل لديه منزل يعود إليه؟
هل يستطيع إيجاد عمل؟
هل توجد متابعة اجتماعية بعد الإفراج؟
وهل خضع لأي تقييم علمي لاحتمال العودة إلى الجريمة؟
هذه ليست تفاصيل ثانوية.
إنها الفارق بين الإفراج وإعادة الإدماج.
القانون رقم 70/2026 يضع قواعد لمن يستفيد من العفو ومن يُستثنى، ويضع أحكاماً مرتبطة بالعودة إلى الجريمة، لكنه ليس في ذاته برنامجاً وطنياً شاملاً لإعادة تأهيل الخارجين من السجون ومتابعتهم.
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة بأجهزتها القضائية والاجتماعية والأمنية.
المشكلة التي لا يحلها أي عفو
لنفترض أن المجلس الدستوري أجاز القانون لاحقاً.
خرج المستفيدون.
انخفض عدد النزلاء.
وتراجع الاكتظاظ.
ماذا بعد خمس سنوات؟
إذا بقي القضاء بطيئاً، واستمر الاستخدام الواسع للتوقيف الاحتياطي، وظلت السجون عاجزة عن التأهيل، ودخل الناس إليها وخرجوا منها من دون علاج أو تعليم أو تدريب أو فرصة عمل، فلن يكون لبنان قد حل أزمة سجونه.
سيكون قد أفرغ جزءاً منها.
ثم سيبدأ العدّ من جديد.
وقد شددت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بالفعل على أن معالجة الاكتظاظ تحتاج إلى خطة وطنية تشمل بدائل التوقيف، وتسريع الإجراءات القضائية، وتحسين أوضاع الاحتجاز، وتعزيز التأهيل وإعادة الإدماج.
وهنا ربما تكمن القضية الأعمق:
الحاجة إلى العفو الواسع ليست منفصلة عن الأزمة البنيوية التي سمحت بتراكم آلاف الملفات داخل نظام العدالة والسجون.
بين باب السجن وباب المنزل
في النهاية، القضية ليست أرقاماً فقط.
إذا دخل القانون حيز التنفيذ لاحقاً، فسيعود مستفيدون منه إلى أحيائهم وقراهم ومدنهم.
بينهم من يكون قد دفع ثمن جريمته.
وبينهم من طال توقيفه بطريقة يصعب تبريرها.
وبينهم من يستحق فرصة جديدة.
وفي المقابل، هناك مجتمع من حقه أن يسأل عن أمنه.
وهناك ضحايا من حقهم أن يسألوا عن العدالة.
وهناك عائلات موقوفين من حقها أن تسأل لماذا احتاج أبناؤها سنوات طويلة للوصول إلى حكم.
لهذا، لا يمكن اختزال القضية بشعارين متقابلين:
«أطلقوا المظلومين».
أو:
«لا تفتحوا السجون».
كلاهما أبسط بكثير من المشكلة الحقيقية.
السؤال الأصعب هو:
هل تستطيع الدولة أن تميّز بين من يستحق فرصة ثانية ومن يشكل خطراً جدياً، وأن تبني نظاماً يعيد الأول إلى المجتمع ويحمي المجتمع من الثاني؟
العفو ليس نهاية مسؤولية الدولة… بل بدايتها
يمكن للدولة أن تمنح العفو.
لكنها لا تستطيع أن تعفي نفسها من المسؤولية.
إذا أطلقت سجيناً من دون تأهيل، ثم تركته بلا عمل ولا متابعة ولا علاج عند الحاجة، فهي لم تنجز إعادة إدماج.
وإذا أبقت موقوفاً سنوات طويلة من دون حكم لأنها عاجزة عن محاكمته، فهي أيضاً لم تحقق العدالة.
وإذا وضعت الضحية خارج النقاش، فقد عالجت حقوق طرف فيما أهملت حقوق طرف آخر.
أما إذا استُخدم العفو فقط لخفض الاكتظاظ من دون إصلاح القضاء والسجون، فستكون الدولة قد أجّلت الأزمة بدلاً من حلها.
قانون العفو العام وضع لبنان أمام اختبار يتجاوز أبواب رومية وسائر السجون:
هل المطلوب تفريغ الزنازين، أم إصلاح النظام الذي ملأها؟
الأول يمكن إنجازه بقانون.
أما الثاني فيحتاج إلى مؤسسات قادرة على المحاكمة والتأهيل والوقاية والإنصاف.
وحتى 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يبقى القانون رقم 70/2026 معلّق المفعول بقرار من المجلس الدستوري في انتظار القرار النهائي بالطعن.
لكن سواء بقي القانون، أو أُبطل كلياً أو جزئياً، فإن السؤال الذي كشفه لن يسقط معه:
من يحمي المجتمع من الجريمة… ومن يحمي المواطن من عدالة تتأخر إلى حد يصبح فيه العفو علاجاً لفشلها؟


