في وقت أصبحت فيه الآلات قادرة على توليد الصور والموسيقى والمشاهد السينمائية خلال ثوانٍ، اختار مهرجان بيروت للأفلام الفنية أن يحتفي بما يعتبره العنصر الذي لا تستطيع التكنولوجيا تعويضه: التجربة الإنسانية. في الثالث من تشرين الثاني 2026، تنطلق الدورة الثانية عشرة للمهرجان تحت شعار «الإنساني اللامتناهي على الشاشة الكبيرة»، بمشاركة 26 فيلمًا و26 ضيفًا. لكنّ الاحتفاء بقدرة الإنسان على الإبداع يتزامن مع تحذيرات دولية من خسائر محتملة في مداخيل الفنانين نتيجة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبين الدفاع عن الذاكرة الفنية ومستقبل المهن الإبداعية، يبرز سؤال يتجاوز المهرجانات: هل يكفي التأكيد أن الفن إنساني، إذا كانت شروط إنتاجه وحقوق أصحابه تتغير بهذه السرعة؟

26 فيلمًا… والإنسان في مواجهة الآلة
في مسرح بيريت بجامعة القديس يوسف في بيروت، تنطلق مساء الثلاثاء 3 تشرين الثاني الدورة الثانية عشرة من مهرجان بيروت للأفلام الفنية (Beirut Art Film Festival)، على أن تستمر حتى الثالث عشر من الشهر نفسه.
يقدّم البرنامج 26 فيلمًا، بينها ستة ضمن البرنامج الموازي «BAFF Off»، إلى جانب مشاركة 26 ضيفًا يناقشون مجالات تمتد من السينما والرسم والموسيقى إلى المسرح والعمارة والتصوير الفوتوغرافي وعلم الآثار.
لكنّ هذه الدورة لا تكتفي بجمع أعمال عن الفنون المختلفة.
فقد اختار منظموها عنوانًا يحمل موقفًا فكريًا واضحًا: «الإنساني اللامتناهي على الشاشة الكبيرة».
وفي البيان الرسمي، تربط إدارة المهرجان هذا التوجه بانتشار الذكاء الاصطناعي والتحولات التي يفرضها على الإنتاج الثقافي، معتبرة أن الإبداع يرتبط بالذاكرة والمشاعر والشك والحرية، وهي عناصر تضعها في صميم التجربة الإنسانية.
هذا الموقف يفتح نقاشًا يتجاوز الفكرة التقليدية عن التنافس بين الإنسان والآلة.
فالتكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة يستخدمها الفنان في المونتاج أو معالجة الصوت أو تحسين الصورة. أصبحت قادرة على إنتاج مواد بصرية وسمعية ونصية كاملة، انطلاقًا من تعليمات يكتبها المستخدم.
وهنا يظهر الفرق بين سؤالين: هل تستطيع الآلة إنتاج صورة جميلة؟ وهل يعني ذلك أنها تمتلك تجربة إبداعية مماثلة لتجربة الإنسان؟
السؤال الأول يمكن اختباره من خلال النتائج التقنية والجمالية. أما الثاني فيتعلق بمفاهيم أكثر تعقيدًا، بينها القصد الفني والتجربة الشخصية والمسؤولية عن العمل.
ولا يوجد اتفاق فلسفي نهائي على تعريف الإبداع أو الحدود الدقيقة التي تفصله عن المحاكاة.
لكنّ القضية الاقتصادية أكثر وضوحًا: عندما تتمكن الشركات من إنتاج محتوى بتكلفة أقل، تتغير طبيعة الطلب على بعض المهن الإبداعية، بصرف النظر عن الجدل حول قدرة الآلة على امتلاك المشاعر.
«أشباحي الأرمنية»… عندما تصبح الصور وسيلة للحديث مع الغائبين
تفتتح الدورة بفيلم «أشباحي الأرمنية» (My Armenian Phantoms) للمخرجة تمارا استيبانيان، التي تتسلّم أيضًا جائزة «اليراعات الذهبية» لعام 2026.
تعود المخرجة في عملها إلى تاريخ السينما الأرمنية من خلال علاقة شخصية بوالدها الراحل، الممثل فيغان استيبانيان.

يجمع الفيلم مقتطفات من أعمال سينمائية قديمة وتسجيلات عائلية وتعليقًا صوتيًا موجّهًا إلى الأب، ليصنع حوارًا بصريًا بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في النقاش حول التكنولوجيا.
فالصورة القديمة لا تحمل قيمتها في دقتها التقنية وحدها، بل في صلتها بالأشخاص والأحداث الذين ظهروا فيها.
قد تستطيع الأدوات الحديثة إزالة الخدوش وتحسين الوضوح، وربما إعادة بناء أجزاء مفقودة من تسجيل قديم، لكنها لا تستطيع أن تمنح المادة الأصلية تاريخًا لم تعشه.
والتمييز بين ترميم الصورة وإعادة اختراعها يصبح أساسيًا عندما يتعلق الأمر بمواد أرشيفية.
فإذا أعاد نظام توليدي إنتاج مشهد غير موثق، وقدّمه باعتباره تسجيلًا أصليًا، فإنه قد يغيّر طريقة فهم المشاهد للتاريخ.
أما استخدام التقنية لتحسين مادة أصلية مع توثيق التدخلات التي أُجريت عليها، فيمكن أن يخدم حفظ الذاكرة بدل تشويهها.
هذه هي المفارقة التي تجعل اختيار «أشباحي الأرمنية» لافتًا: فالفيلم يستخدم الصورة للعودة إلى شخص رحل، لكنه يستمد معناه من العلاقة الإنسانية التي تربط المخرجة بتلك الصور.
وجدي معوّض… الإبداع الذي لا يولد بضغطة زر
من الأعمال المدرجة أيضًا فيلم «الخنفساء الذهبية» (Scarabée d’or) للمخرجة ليلى فيرو-ليفي، المخصص لتجربة الكاتب والمخرج المسرحي اللبناني الكندي وجدي معوّض.

يتابع الفيلم معوّض خلال الكتابة والبروفات والنقاشات مع فريقه، ويقترب من الجوانب الفردية والجماعية للعمل المسرحي.
ويتيح هذا النوع من الأفلام رؤية ما يختفي عادة خلف العرض النهائي.
فالجمهور يشاهد المسرحية بعد اكتمالها، لكنه لا يرى بالضرورة المسودات التي استُبعدت، والمشاهد التي أعيدت كتابتها، والاختلافات التي نشأت خلال التدريبات.
هذه التفاصيل تطرح سؤالًا مهمًا عن معنى العمل الإبداعي.
فهل تُقاس قيمة الفن بالنتيجة النهائية فقط، أم بالطريقة التي وصل بها الفنان إلى تلك النتيجة؟
قد ينجح نظام ذكاء اصطناعي في اقتراح حبكة مسرحية أو حوار أو معالجة بصرية، وقد يستفيد منه الكاتب في البحث والتجريب.
لكنّ هذا لا يلغي دور القرارات الفنية التي يتخذها الإنسان، ولا علاقته بالممثلين والتقنيين والجمهور.
وفي الوقت نفسه، لا يكفي الدفاع عن «اللمسة الإنسانية» لتجاهل الإمكانات التي يمكن أن تتيحها هذه الأدوات للفنانين أصحاب الموارد المحدودة.
فقد تساعد التكنولوجيا على تطوير نماذج أولية للأفكار، أو ترجمة الأعمال، أو تسهيل الوصول إلى مواد كان إنتاجها مكلفًا.
لهذا لا ينبغي اختزال النقاش في خيارين: إما رفض الذكاء الاصطناعي بالكامل، وإما تسليمه مهمة الإبداع.
القضية الأعمق هي تحديد من يوجّه الأداة، ومن يملك الحقوق، ومن يحصل على العائد، ومن يتحمل مسؤولية النتيجة.
اليونسكو تحذّر… خسائر محتملة تصل إلى 24%
لا تقتصر المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي على المواقف الفنية أو النقاشات الفلسفية.
ففي 18 شباط 2026، أصدرت منظمة اليونسكو تقريرها العالمي «إعادة تشكيل سياسات الإبداع»، الذي تناول أوضاع الصناعات الثقافية والتحولات الرقمية في أكثر من 120 دولة.
وقدّم التقرير تقديرات تستحق الاهتمام.
فبحسب السيناريوهات التي عرضتها المنظمة، قد تؤدي المنافسة المرتبطة بالمحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى خسائر عالمية متوقعة في إيرادات المبدعين بحلول عام 2028، تصل إلى 24% في قطاع الموسيقى و21% في القطاع السمعي البصري.
هذه الأرقام ليست خسائر تحققت بالفعل، وليست تقديرًا خاصًا بلبنان أو بالعالم العربي.
إنها توقعات عالمية تستند إلى نماذج تحليلية، ويمكن أن تتغير بحسب التطورات التكنولوجية والتشريعات واستجابة الأسواق.
لكنها تعكس حجم الأسئلة التي تواجه المهن الإبداعية.
كما تشير اليونسكو إلى أن الإيرادات الرقمية أصبحت تمثل نحو 35% من مداخيل المبدعين المشمولين بالبيانات التي يستعرضها التقرير، مقارنة بنحو 17% عام 2018.
ومع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية، تبرز مشكلات جديدة تتعلق بتوزيع الإيرادات وشفافية الخوارزميات وحقوق الملكية الفكرية.
فالفنان لا ينافس اليوم أعمال فنانين آخرين فقط، بل يعمل داخل سوق تستطيع فيه شركات التكنولوجيا إنتاج كميات ضخمة من الصور والموسيقى والمحتوى خلال وقت قصير.
ولا يعني ذلك أن جميع المبدعين سيتضررون بالدرجة نفسها.
فبعضهم قد يستخدم هذه الأدوات لخفض التكاليف وتوسيع قدرته الإنتاجية، بينما قد يواجه آخرون منافسة أشد في الخدمات التي أصبحت قابلة للأتمتة.
وهنا تصبح حماية الإبداع مرتبطة أيضًا بحماية شروط العمل، لا بالاحتفاء الرمزي بالفن.
مَن يملك العمل عندما تتعلم الآلة من أعمال الآخرين؟
تعود إحدى أكثر القضايا حساسية إلى المواد التي تُستخدم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فقد تتعلم النماذج من مجموعات ضخمة من النصوص والصور والأعمال الصوتية والبصرية، بعضها محمي بحقوق الملكية الفكرية.
وتتباين القواعد القانونية المتعلقة باستخدام هذه المواد بين الدول، كما تختلف طبيعة التراخيص والاتفاقات بين مطوري الأنظمة وأصحاب الحقوق.
لذلك لا يمكن اعتبار جميع عمليات التدريب انتهاكًا قانونيًا تلقائيًا، مثلما لا يمكن اعتبار جميعها مشروعة من دون مراجعة مصدر البيانات وشروط استخدامها والقانون المعمول به.
لكن المسألة تتجاوز الجانب القانوني.
فحتى عندما يستطيع النظام إنتاج عمل جديد لا يطابق صورة أو لوحة بعينها، يبقى السؤال عن العلاقة الاقتصادية بين المحتوى الذي استُخدم في تطوير الأداة والجهات التي تحقق أرباحًا من استخدامها.
هل يحصل أصحاب الأعمال الأصلية على تعويض عندما يكون ذلك مستحقًا؟ وهل توجد شفافية حول مصادر البيانات؟ وما الوسائل المتاحة للاعتراض على استخدام عمل من دون إذن حيث يتطلب القانون ذلك؟
وفي مجال الصورة، تظهر أسئلة إضافية حول استخدام وجوه الأشخاص وأصواتهم وأساليبهم الفنية.
فإنتاج صورة جديدة تشبه أسلوب رسام معروف يختلف عن نسخ إحدى لوحاته حرفيًا، لكنه يظل موضوعًا يستحق نقاشًا حول الأصالة والمنافسة والحقوق.
كذلك فإن إعادة إنتاج وجه ممثل راحل أو صوته تثير اعتبارات تتعلق بالموافقة والحقوق وطريقة تقديم الصورة للجمهور.
وهذه مسائل لا تحسمها قدرة البرنامج على توليد النتيجة المطلوبة.
فالإمكان التقني لا يساوي تلقائيًا الإذن القانوني أو المسؤولية الأخلاقية.
من شاشة الهاتف إلى شاشة السينما… غزة في ختام المهرجان
في 13 تشرين الثاني، يخصص المهرجان جانبًا من أمسيته الختامية لأعمال تتناول غزة.
من بينها فيلم «مَن بقي حيًا؟» (Who Is Still Alive) للمخرج نيكولا واديموف، الذي يتيح لتسعة أشخاص نازحين استعادة ذكرياتهم عن عائلاتهم وأحيائهم وحياتهم السابقة للحرب.
كما يعرض عمل الفنانة والمصوّرة الأميركية نان غولدين «غزة: مذكّرات عن الإبادة، 2023–2026»، الذي أُنجز بالتعاون مع ديفيد شيرمان.
العمل الذي تبلغ مدته 14 دقيقة لا يزال، بحسب وصف المهرجان، في طور الإعداد، ويعتمد على مواد مصورة التقطها صحافيون وأشخاص في الميدان.
وتُنتظر مشاركة غولدين في حوار يلي العرض، إلى جانب المعمارية هلا وردة.
وتطرح هذه التجربة بُعدًا آخر للعلاقة بين الإنسان والصورة.
ففي زمن يستطيع فيه الهاتف نقل مشاهد الحرب بصورة فورية، لم يعد نقص الصور هو المشكلة الوحيدة.
هناك أيضًا السؤال عن مصدر اللقطات، وسياق إنتاجها، وطرق التحقق منها، وحقوق الأشخاص الذين صوّروها أو يظهرون فيها.
وتصبح هذه المسؤوليات أكثر أهمية مع انتشار المحتوى الاصطناعي الذي قد يصعب تمييزه بصريًا عن المواد المصورة بالكاميرا.
كما أن نقل صورة من منصة اجتماعية إلى عمل فني معروض أمام الجمهور يغيّر سياق مشاهدتها.
فالمادة التي ظهرت أولًا ضمن منشور قصير قد تصبح جزءًا من تركيب بصري أوسع، يحمل قرارات تحريرية تتعلق بالاختيار والتسلسل والصوت.
وهنا لا تعود وظيفة الفنان مجرد جمع الصور، بل تحديد الطريقة التي تُعرض بها وما المعنى الذي ينتج عن وضعها بجوار بعضها.
ولا يلغي ذلك ضرورة التحقق من أصل المادة وحماية حقوق أصحابها.
بل يجعل المسؤولية أكبر، لأن العمل الفني قد يمنح الصورة انتشارًا وتأثيرًا يتجاوزان سياق نشرها الأول.
هل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد على حماية التراث نفسه؟
ليس الذكاء الاصطناعي خصمًا مطلقًا للذاكرة الفنية.
ففي حوار دولي نظمته اليونسكو في آذار 2026 حول الذكاء الاصطناعي والثقافة، ناقش الخبراء إمكان استخدام التقنيات الجديدة في رقمنة الأرشيفات، وتسهيل الوصول إلى المجموعات المتحفية، والمساعدة في دراسة المواقع التراثية المتضررة.
وقد تسهم أدوات التحليل الآلي في تصنيف كميات كبيرة من الصور والوثائق والمواد السمعية البصرية، أو تحسين البحث داخل مجموعات أرشيفية معقدة.
لكن الاستخدام المسؤول يتطلب المحافظة على التمييز بين المادة الأصلية والنسخة التي خضعت لمعالجة أو إعادة بناء.
فإنتاج تصور رقمي لمعلم أثري مدمّر قد يكون مفيدًا لأغراض البحث أو التعليم، شرط توضيح الأجزاء المستندة إلى الأدلة والأجزاء الافتراضية.
أما تقديم التصور الناتج بوصفه صورة تاريخية مؤكدة، فقد يؤدي إلى نقل معلومات مضللة عن الماضي.
وبالتالي، لا تكمن المشكلة في وجود التقنية داخل المؤسسات الثقافية، بل في غياب المعايير التي تحدد استخدامها.
ولا تستطيع أي أداة أن تعفي المؤسسة من مسؤوليتها عن دقة المواد التي تنشرها.
الفن اللبناني… بين الدفاع عن الإنسان وحماية فرصه
تكتسب مناقشة هذه الأسئلة في بيروت أهمية خاصة، لأن قطاعها الثقافي يعمل في ظل تحديات مالية ومؤسساتية متراكمة.
لكنّ تحديد حجم أثر الذكاء الاصطناعي على الفنانين اللبنانيين يحتاج إلى بيانات محلية عن الوظائف والأجور والعقود وحجم استخدام هذه الأدوات في الإنتاج.
ولا تتوافر في الوثائق التي اعتمد عليها هذا التقرير أرقام تسمح بالقول إن نسبة محددة من وظائف التصميم أو المونتاج أو التصوير في لبنان قد اختفت بسبب الذكاء الاصطناعي.
لهذا لا يصح إسقاط توقعات اليونسكو العالمية مباشرة على سوق العمل اللبنانية.
لكن يمكن طرح أسئلة عملية تتعلق بمستقبل المهن الإبداعية.
كيف تستطيع المؤسسات تدريب العاملين لديها على الأدوات الجديدة من دون إلغاء خبراتهم؟ وهل تتضمن عقود الإنتاج ضوابط لاستخدام صور الفنانين وأصواتهم؟ وكيف يُحافظ على حقوق المصورين والرسامين والموسيقيين عندما تدخل أعمالهم في عمليات إنتاج رقمية جديدة؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى مشاركة المؤسسات والجهات المهنية والجامعات وأصحاب الحقوق، ولا يستطيع مهرجان سينمائي وحده الإجابة عنها.
ومع ذلك، يقدّم مهرجان بيروت للأفلام الفنية مثالًا على ارتباط الثقافة بالتعليم.
فإيرادات تذاكر عروضه في مسرح بيريت، المحددة بـ400 ألف ليرة لبنانية للتذكرة، مخصصة بحسب المنظمين لدعم منحة إيمي بولس لطلاب معهد الدراسات السمعية البصرية في جامعة القديس يوسف.
كما يمتد نشاط المهرجان إلى المدارس من خلال برنامج يعرض أفلامًا عن التراث والذاكرة لطلاب المؤسسات الرسمية والخاصة.
هذه المبادرات لا تعالج جميع تحديات العمل الثقافي، لكنها تربط النشاط الفني بنقل المعرفة ودعم جيل جديد من العاملين في السينما.
فحماية الإبداع لا تبدأ عند اكتمال الفيلم فقط، بل منذ اللحظة التي يقرر فيها شاب أو شابة دراسة التصوير أو الإخراج أو التصميم أو الموسيقى.
مَن يحمي الفنان فعلًا؟
قد تبدو عبارة «الإنساني اللامتناهي» شاعرية في زمن تتوسع فيه قدرات الآلات.
لكن قيمتها تتوقف أيضًا على الأسئلة التي تستطيع المؤسسات الثقافية تحويلها إلى نقاشات عملية.
فإذا كان الإبداع مرتبطًا بالإنسان، فإن حماية الإنسان الذي يمارسه تصبح جزءًا من حماية الفن.
وهذا يعني النظر إلى حقوقه المهنية والاقتصادية، وإلى قدرته على الوصول إلى التدريب والتمويل، وإلى مكانته داخل سوق يتغير بسرعة.
كما يعني عدم التعامل مع التكنولوجيا بوصفها قدرًا لا يمكن مساءلته، أو عدوًا ينبغي رفضه من دون فهمه.
فقد تمنح الأدوات الجديدة فنانًا مستقلًا إمكانات إنتاج لم تكن متاحة له سابقًا، لكنها قد تضع فنانًا آخر أمام منافسة غير متكافئة.
والسياسات الثقافية الجادة مطالبة بفهم الحالتين.
في بيروت، ستُعرض خلال الأيام المقبلة أفلام عن الذاكرة والمنفى والموسيقى والمسرح والعمارة والحرب، في محاولة للتذكير بما يستطيع الإنسان إنتاجه من جمال ومعرفة وشهادات.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه خارج قاعة العرض أوسع من قدرة الآلة على صناعة صورة.
فالفن لا يفقد إنسانيته لمجرد أن الفنان يستخدم أداة جديدة. وقد يفقد جزءًا من هذه الإنسانية عندما تصبح خبرة أصحابه وحقوقهم وعملهم أمورًا يمكن تجاهلها.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكان الفنان؟
بل: مَن سيضمن أن الفنان سيظل قادرًا على الإبداع والعيش من عمله، مهما تطورت الآلة؟


