في بلد تتراجع فيه قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، لم يعد عمل الأطفال مجرد ظاهرة تظهر في الشوارع والورش والأسواق. فقد كشف تقرير حديث لمنظمة اليونيسف أن 14% من الأسر المستطلعة في لبنان تضم طفلاً واحداً على الأقل يعمل، وهي نسبة تزيد على ضعف المستوى المسجّل في كانون الثاني 2025. وبين الفقر والنزوح وتعثر التعليم، تتسع دائرة المخاطر التي تهدد الأطفال، وتطرح سؤالاً يتجاوز مسؤولية العائلات: من يحمي حق الطفل في أن يعيش طفولته؟
عندما يصبح العمل بديلاً عن اللعب
في العمر الذي يُفترض أن ينشغل فيه الطفل بواجباته المدرسية وأصدقائه وألعابه، يجد بعض الأطفال في لبنان أنفسهم أمام مسؤوليات لا تتناسب مع سنوات عمرهم.
تختلف ظروفهم وأماكن عملهم، لكن القاسم المشترك بينهم هو دخول عالم يفترض أن تحكمه قواعد حماية أكثر صرامة من تلك التي تحكم حياة البالغين.
قد يعمل طفل لمساعدة عائلته في تأمين الطعام، أو يشارك في نشاط اقتصادي عائلي، أو ينقطع عن التعليم بسبب عجز أسرته عن تحمل النفقات. وفي بعض الحالات، قد يترافق العمل مع مخاطر جسدية ونفسية، أو يحرم الطفل من فرص التعليم والراحة والنمو الطبيعي.
لا يمكن اختزال جميع هذه الحالات في صورة نمطية واحدة، كما لا يجوز افتراض أن كل طفل يعمل يعيش الظروف نفسها.
لكن الأرقام الجديدة تشير إلى مشكلة اجتماعية تتطلب أكثر من التعاطف.
ففي 30 أيلول 2026، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» نتائج تقرير بعنوان «كابوس مستمر»، تناول تأثير الأزمات الاقتصادية والتصعيد العسكري في الأطفال والشباب في لبنان.
وجاءت إحدى نتائجه لتكشف اتساع المشكلة: 14% من الأسر المشاركة في الاستطلاع أفادت بوجود طفل واحد على الأقل يعمل، مقارنة بمستوى يقل عن نصف هذه النسبة في كانون الثاني 2025.
ويعني ذلك أن عمل الأطفال لم يعد مجرد ظاهرة متفرقة يسهل التعامل معها باعتبارها حالات فردية، بل مؤشر يستدعي بحث الظروف الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل.
ماذا تعني نسبة 14% فعلياً؟
قد يبدو الرقم بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة.

فالنسبة التي أعلنتها اليونيسف لا تعني أن 14% من جميع أطفال لبنان يعملون، بل أن هذه الحصة من الأسر المشمولة بالاستطلاع أفادت بأن لديها طفلاً واحداً على الأقل يعمل.
وهذا فارق مهم، لأن عدد الأطفال العاملين داخل الأسرة الواحدة قد يختلف، كما أن نتائج المسوح تتأثر بطريقة اختيار العينة وتعريف العمل والفئات المشمولة.
كذلك لا تسمح هذه النسبة وحدها بحساب العدد الإجمالي للأطفال العاملين في لبنان.
لكن المقارنة مع كانون الثاني 2025 تكشف ارتفاعاً مقلقاً في الظاهرة ضمن البيانات التي اعتمدها التقرير.
وتزداد أهمية النتيجة عندما توضع إلى جانب مؤشرات أخرى أعلنتها المنظمة.
فقد أفادت 22% من الأسر المستطلعة بأن أطفالها ناموا جائعين خلال الأسبوعين السابقين للاستطلاع، بينما قالت 31% إن أطفالها حُرموا من رعاية صحية كانوا يحتاجون إليها، وكان السبب الرئيسي عدم قدرة الأسرة على تحمل التكلفة.
كما أبلغت أربعة من كل خمسة أسر عن صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.
هذه المؤشرات لا تثبت أن الجوع أو الحرمان الصحي سبّب مباشرة دخول كل طفل إلى العمل، لكنها تكشف البيئة الاقتصادية التي تتداخل فيها المخاطر.
فعندما تعجز الأسرة عن توفير احتياجاتها، قد يصبح الدخل الإضافي، مهما كان محدوداً، جزءاً من محاولتها البقاء.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يُنظر إلى سنوات الطفل بوصفها مورداً اقتصادياً يمكن الاستفادة منه لتغطية نفقات الحياة.
الفقر لا يفسّر كل شيء… لكنه يغيّر الخيارات
ترتبط عمالة الأطفال في كثير من المجتمعات بالفقر، لكن العلاقة ليست آلية أو متطابقة في جميع الحالات.
فليست كل أسرة فقيرة تدفع أطفالها إلى العمل، كما أن وجود طفل يعمل لا يكفي وحده لمعرفة الظروف التي دفعته إلى ذلك.
قد ترتبط المسألة بفقدان أحد الوالدين عمله، أو بمرض أحد أفراد الأسرة، أو بالديون، أو بالنزوح، أو بصعوبة الوصول إلى المدرسة.
وفي لبنان، تراكمت عوامل متعددة منذ الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، قبل أن تضيف جولات التصعيد العسكري أعباء جديدة تتعلق بالنزوح وتضرر المنازل والمدارس وتعطل مصادر الرزق.
وعندما تتعرض الأسرة لأكثر من صدمة اقتصادية في الوقت نفسه، تتراجع قدرتها على اتخاذ قرارات طويلة الأمد.
فالمصاريف العاجلة تصبح أكثر حضوراً من التفكير بالمستقبل، وقد يتقدم تأمين الغذاء أو الإيجار على احتياجات التعليم.
لكن هذا الواقع لا يبرر تحميل الأطفال أعباء العمل، بل يوضح لماذا تحتاج حمايتهم إلى دعم الأسرة نفسها.
فمن الصعب معالجة عمالة الأطفال بصورة مستدامة إذا اقتصر التدخل على مطالبة الأهل بإبقاء أبنائهم في المنازل، من دون توفير بدائل اقتصادية وتعليمية تسمح بذلك.
المدارس المتضررة… عندما يبتعد المقعد الدراسي
لا يمكن فصل عمل الأطفال عن أزمة التعليم في لبنان.
فقد كشف تقييم أجرته وزارة التربية والتعليم العالي بدعم من اليونيسف، وشمل 1,089 منشأة تعليمية، عن تضرر 436 منشأة تعليمية نتيجة التصعيد العسكري منذ آذار 2026، بينها 37 منشأة دُمّرت.

كما أظهرت نتائج اليونيسف أن 17% من الأسر المستطلعة أفادت بتوقف أطفالها عن الدراسة، بينما قالت 46% إنها خفّضت إنفاقها على التعليم.
وهذه الأرقام تكشف ضغطاً مزدوجاً على الطفل: تراجع القدرة على الوصول إلى التعليم، واتساع الحاجة الاقتصادية داخل الأسرة.
فعندما تتعطل الدراسة لفترات طويلة، يصبح خطر الانقطاع الدائم أكثر حضوراً، خصوصاً إذا دخل الطفل سوق العمل وبدأت الأسرة تعتمد على دخله.
كما قد يواجه الأطفال العائدون إلى المدارس صعوبات في تعويض المواد التعليمية التي فاتتهم، أو في التكيف مجدداً مع البيئة الدراسية.
لكن العلاقة بين الانقطاع المدرسي وعمل الأطفال تحتاج إلى فهم دقيق.
فقد يسبق العملُ تركَ المدرسة، وقد يحدث العكس، وقد ينشأ الاثنان عن سبب مشترك مثل النزوح أو الفقر.
ولهذا فإن الحلول التعليمية يجب ألا تقتصر على إصلاح الأبنية المتضررة.
فإعادة الطفل إلى الصف تحتاج أيضاً إلى معالجة تكاليف النقل والكتب والقرطاسية، وتوفير برامج لتعويض الفاقد التعليمي، ومتابعة الأطفال المعرّضين للانقطاع.
هل كل عمل يؤديه الطفل يُعدّ عمالة أطفال؟
من الضروري التمييز بين الأعمال البسيطة الملائمة للعمر، وبين العمل الذي يضر بصحة الطفل أو سلامته أو تعليمه.
فمشاركة طفل في بعض المهام المنزلية المناسبة لعمره، أو اكتسابه مهارات بصورة آمنة لا تتعارض مع دراسته، تختلف عن تشغيله لساعات طويلة أو تعريضه لمواد خطرة أو معدات قد تؤذيه.
وتعرّف منظمة العمل الدولية عمالة الأطفال بأنها الأعمال التي تحرم الأطفال من طفولتهم وإمكاناتهم وكرامتهم، أو تضر بنموهم الجسدي والعقلي، أو تتعارض مع تعليمهم.
ويضع القانون اللبناني قيوداً على تشغيل الأحداث، إذ يحظر قانون العمل تشغيل من لم يتموا الثالثة عشرة، ويخضع تشغيل من هم دون الثامنة عشرة لشروط وقيود تتعلق بالعمر وطبيعة العمل والمخاطر.
كما يتضمن المرسوم رقم 8987 الصادر عام 2012 أحكاماً خاصة بالأعمال الخطرة المحظورة على الأحداث دون الثامنة عشرة.
لكن وجود النص القانوني لا يضمن وحده الحماية الفعلية.
فقد يعمل الأطفال في أنشطة غير منظمة، أو داخل أعمال عائلية صغيرة، أو في ظروف يصعب الوصول إليها عبر التفتيش التقليدي.
ولهذا تحتاج حماية الأطفال إلى آليات رصد وتدخل تراعي خصوصية كل حالة، وتمنع استغلالهم من دون أن تزيد هشاشة أسرهم.
ما الذي يخسره الطفل عندما يعمل مبكراً؟
لا تقتصر مخاطر العمل المبكر على احتمال التعرض للإصابة الجسدية.
فالطفولة مرحلة أساسية لتطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية، ويؤثر الوقت المتاح للتعلم والراحة واللعب في هذه العملية.
وعندما يضطر الطفل إلى العمل لساعات طويلة، قد يفقد فرصاً للمشاركة في الأنشطة المدرسية والاجتماعية التي تناسب عمره.
وقد ينعكس الإرهاق على التحصيل الدراسي أو القدرة على التركيز، فيما تصبح المسؤوليات الاقتصادية مصدراً إضافياً للتوتر.
ولا تعني هذه المخاطر أن جميع الأطفال العاملين سيعانون النتائج نفسها، لأن التأثير يتوقف على العمر ونوع العمل ومدته وظروفه.
لكنها توضح لماذا لا يمكن التعامل مع عمالة الأطفال بوصفها مجرد وسيلة لتأمين دخل إضافي.
فالخسارة المحتملة لا تُقاس فقط بالساعات التي يمضيها الطفل بعيداً عن المدرسة، بل بما قد يفوته من فرص للتعلم والنمو والاختيار في المستقبل.
الحرب تترك آثاراً تتجاوز الدمار
أظهر تقرير اليونيسف أن الأزمة الإنسانية لا تقتصر على المباني المتضررة أو أعداد النازحين.
فقد قدّرت المنظمة أن نحو 770 ألف طفل اختبروا ضيقاً نفسياً خلال الأشهر الستة التي تناولها التقييم.
كما أفادت 63% من الأسر بأن أطفالها أظهروا علامات قلق أو توتر.
وهي نتائج تشير إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها الأطفال، لكنها لا تمثل بالضرورة تشخيصات طبية فردية.
وفي تقرير نشرته منظمة «أنقذوا الأطفال» عام 2026، جرى تسليط الضوء على تداخل مخاطر عمالة الأطفال مع الاضطرابات النفسية، وضعف أنظمة الحماية، والنزوح، والتحديات التي تواجه الأسر الأكثر هشاشة.
وتكشف هذه المعطيات أن حماية الطفل لا تنفصل عن البيئة التي يعيش فيها.
فالطفل الذي فقد منزله أو مدرسته، أو عاش فترات طويلة من الخوف وعدم الاستقرار، قد يحتاج إلى دعم يتجاوز مجرد إعادة تسجيله في المدرسة.
وقد تشمل الحماية خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، ومساعدة الأسرة على استعادة دخلها، وتأمين مساحات آمنة للتعلم واللعب.
من يتحمل المسؤولية؟
غالباً ما يتحول النقاش حول عمالة الأطفال إلى سؤال مباشر: لماذا يسمح الأهل لأبنائهم بالعمل؟
لكن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يكفي لفهم الظاهرة.
فالمسؤولية موزعة بين أصحاب العمل الذين يجب أن يلتزموا بالقانون، والجهات الرسمية المعنية بالتفتيش والحماية، والمؤسسات التعليمية، والجهات التي تقدم الدعم الاجتماعي، إلى جانب الأسر.
ولا يجوز أن يتحول الفقر إلى إعفاء من واجب حماية الطفل، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن تجاهله عند تصميم الحلول.
فإذا أُخرج طفل من العمل من دون معالجة الأسباب التي دفعت أسرته إلى الاعتماد على دخله، قد يجد نفسه معرضاً للعودة إلى العمل في ظروف أقل ظهوراً وأكثر خطورة.
ولذلك تركز المقاربات الدولية لحماية الأطفال على الربط بين إنفاذ القانون، والدعم المالي للأسر، وضمان التعليم، وخدمات الحماية الاجتماعية.
وفي لبنان، تبدو الحاجة ملحّة إلى توسيع برامج متابعة الأطفال المعرّضين للخطر، وضمان وصولهم إلى خدمات التعليم والصحة والدعم الاجتماعي، خصوصاً في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح.
لماذا يجب ألا نعتاد المشهد؟
قد يؤدي التكرار إلى جعل بعض المشاهد مألوفاً في الحياة اليومية.
طفل يعمل في الشارع، أو يساعد في ورشة، أو ينشغل ببيع البضائع بدلاً من التوجه إلى المدرسة.
ومع مرور الوقت، قد يتراجع الإحساس بخطورة هذه الحالات، خصوصاً عندما يصبح الفقر جزءاً دائماً من المشهد العام.
لكن اعتياد رؤية الأطفال يعملون لا يجعل الظاهرة طبيعية أو مقبولة.
فالطفل لا يمتلك القدرة نفسها التي يمتلكها البالغ على التفاوض بشأن أجره أو ساعات عمله أو شروط سلامته.
كما أن اعتماده على الأسرة أو صاحب العمل قد يجعل الاعتراض على الظروف الضارة أكثر صعوبة.
وهنا تظهر أهمية التغطية الصحافية المسؤولة.
فالصحافة لا ينبغي أن تكتفي بتصوير طفل يعمل ونشر قصته بوصفها مادة مؤثرة، بل عليها أن تسأل عن ظروف عمله، وعن الجهات المسؤولة عن حمايته، وعن الخدمات التي كانت يمكن أن تمنع وصوله إلى هذا الوضع.
كما يجب حماية هوية الأطفال وخصوصيتهم عند توثيق حالات الاستغلال، وتجنب نشر صور أو تفاصيل قد تعرضهم للوصم أو الأذى.
ما الذي يحتاجه لبنان الآن؟
تكشف البيانات أن حماية الطفولة في لبنان تتطلب استجابة لا تفصل بين التعليم والاقتصاد والصحة والحماية الاجتماعية.

فإصلاح المدارس ضروري، لكنه لا يكفي إذا كانت الأسرة عاجزة عن تحمل تكاليف إرسال طفلها إليها.
وزيادة الرقابة على تشغيل الأحداث مهمة، لكنها تحتاج إلى خدمات قادرة على مساعدة الأسر المتضررة.
كما أن تقديم الدعم النفسي للأطفال المتأثرين بالنزاع يجب أن يترافق مع جهود لإعادة الاستقرار إلى حياتهم اليومية.
وتبرز أهمية قاعدة بيانات وطنية محدثة تسمح بتحديد أعداد الأطفال العاملين وأعمارهم وقطاعات عملهم ومناطق وجودهم، مع مراعاة حماية البيانات الشخصية.
فمن دون معرفة دقيقة بحجم الظاهرة وتوزعها، يصعب تقييم أثر التدخلات أو تحديد الفئات الأكثر حاجة إلى الحماية.
والهدف لا ينبغي أن يكون تقليل ظهور الأطفال العاملين في الشوارع فقط، بل الحد من الظروف التي تدفعهم إلى العمل أصلاً.
طفولة لا يمكن تعويضها
قد يستطيع الطفل الذي دخل سوق العمل مبكراً العودة إلى المدرسة في مرحلة لاحقة، وقد يتمكن من تعويض بعض ما فاته من تعليم.
لكن السنوات التي يقضيها تحت ضغط المسؤوليات الاقتصادية لا يمكن استعادتها بالطريقة نفسها.
فالأزمة لا تكمن في أن بعض الأطفال يتعلمون معنى العمل والمسؤولية في سن صغيرة، بل في أن الظروف قد تحرمهم من الخيارات والفرص التي يفترض أن تكون متاحة لهم.
وتكشف أرقام اليونيسف أن المشكلة باتت أكبر من مجرد حالات فردية، وأن حماية الأطفال تحتاج إلى إجراءات تتعامل مع الفقر والنزوح والتعليم والعمل بوصفها قضايا مترابطة.
ليس المطلوب أن نلوم طفلاً يعمل لإطعام أسرته، ولا أن نكتفي بالتعاطف مع عائلته، بل أن نسأل لماذا أصبحت طفولته جزءاً من الحل الاقتصادي لأزمة لم يصنعها.
وفي بلد يواجه أزمات متلاحقة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:
إذا أصبح الطفل مسؤولاً عن إعالة أسرته اليوم، فمن يضمن له الحق في بناء مستقبله غداً؟


