لم يتغير طعام المنطقة العربية بين ليلة وضحاها.
لم تختفِ الموائد التقليدية، ولا توقف الناس عن تناول الخضراوات والحبوب والبقوليات.
لكن شيئاً آخر تغير تدريجياً: أصبحت المنتجات الغذائية الجاهزة أكثر حضوراً، والمشروبات المحلّاة أكثر انتشاراً، والعمل المكتبي أقل اعتماداً على الحركة، والتنقل اليومي أكثر ارتباطاً بالسيارات.
ومع هذه التحولات، بدأت تظهر مشكلة صحية يصعب اختزالها في شخص يأكل أكثر مما ينبغي.
في 18 أيلول 2026، نشرت مجلة Nature Reviews Endocrinology مراجعة علمية أعدّها باحثون من مؤسسات بينها كلية الصحة العامة في جامعة هارفارد، تناولت العلاقة بين التحولات الغذائية والسمنة والسكري من النوع الثاني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وخلص الباحثون إلى أن المنطقة تواجه عبئاً مرتفعاً من المرضين، مع اختلافات كبيرة بين الدول، وضعف في التنسيق بين سياسات الوقاية والعلاج.
وفي 24 أيلول، سلطت جامعة هارفارد الضوء على النتائج، مشيرةً إلى أن دول الخليج شهدت تحولات غذائية مبكرة وواسعة، بينما تشهد بلدان شمال أفريقيا بعض أسرع الزيادات في مؤشرات الوزن المرتفع وسكر الدم.
لكن القضية تتجاوز الطعام نفسه.
فإذا كانت أنماط حياتنا تتغير تحت تأثير الاقتصاد والتخطيط العمراني وأسعار الغذاء والتسويق، فهل يكفي أن نطلب من الناس تناول طعام صحي وممارسة الرياضة؟
85 مليون مصاب… لكن لمن يعود هذا الرقم؟
يقدّر الاتحاد الدولي للسكري في أطلسه الصادر عام 2025 أن نحو 85 مليون بالغ بين 20 و79 عاماً كانوا يعيشون مع السكري خلال عام 2024 في إقليمه المسمى «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
ويمثل هؤلاء نحو 17.6% من البالغين في الفئة العمرية نفسها ضمن ذلك الإقليم.
والأكثر إثارة للقلق أن الاتحاد يتوقع ارتفاع العدد إلى نحو 163 مليوناً بحلول 2050، إذا تحققت الافتراضات السكانية والوبائية المستخدمة في توقعاته.
لكن هناك تفصيل أساسي يجب ألا يضيع وسط الأرقام.
إقليم الاتحاد الدولي للسكري لا يضم الدول العربية وحدها.
فهو يشمل أيضاً دولاً مثل باكستان وإيران وأفغانستان. وتستحوذ باكستان وحدها على نحو 35 مليوناً من الحالات المقدّرة لعام 2024.
لذلك سيكون مضللاً القول إن «85 مليون عربي مصابون بالسكري».
الأدق أن هذا الرقم يخص إقليماً صحياً أوسع، بينما تظهر الأرقام القطرية أن عدداً كبيراً من الدول العربية يواجه عبئاً مرتفعاً أيضاً.
وتشمل تقديرات عام 2024 نحو 13 مليون بالغ مصاب في مصر، و5.3 ملايين في السعودية، و4.8 ملايين في الجزائر.
كما قدّر الاتحاد وجود نحو 32 مليون شخص في الإقليم الأوسع يعيشون مع السكري من دون تشخيص، أي نحو 37% من مجموع المصابين.
وهذه تقديرات إحصائية، وليست حصيلة فحص مباشر لجميع السكان.
كذلك تشمل الأرقام أنواع السكري المختلفة، ولا يجوز اعتبار الحالات الـ85 مليوناً جميعها من النوع الثاني.
لكن الرسالة الصحية واضحة: هناك مرض واسع الانتشار، وجزء كبير من المصابين لا يعرفون أنهم يعيشون معه.
الخليج وشمال أفريقيا… أزمة واحدة بأشكال مختلفة
تظهر مراجعة Nature أن المنطقة العربية لا تمر بتحول غذائي واحد ومتطابق.
ففي بعض دول الخليج، ارتبط ارتفاع الدخل والتحضر السريع بتغير مبكر في أنماط تناول الطعام والتنقل والعمل.
أما في شمال أفريقيا، فتشير المراجعة إلى تحولات متسارعة في التغذية ومؤشرات السمنة والسكري.
لكن مستوى الدخل لا يفسر الاختلافات كلها.
فقد تختلف الأنظمة الصحية، وأسعار الغذاء، ومستويات النشاط البدني، والظروف الاجتماعية، والقدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية حتى بين دول متقاربة جغرافياً.
ويظهر هذا التفاوت في بيانات الاتحاد الدولي للسكري.
فعند استخدام معدلات الانتشار المعيارية بحسب العمر، بلغت التقديرات نحو 25.6% في الكويت، و24.6% في قطر، و23.1% في السعودية، مقابل 22.4% في مصر.
وهذه المعدلات ليست نسب جميع السكان، بل تقديرات للبالغين بين 20 و79 عاماً بعد تعديل تأثير الاختلافات العمرية لتسهيل المقارنة.
كما أن وجود فروق بين الدول لا يثبت وحده أن سياسة غذائية معينة سببت ارتفاع السكري أو انخفاضه.
لكن النتائج تشير إلى ضرورة دراسة البيئة المحلية لكل بلد، بدلاً من تطبيق حل واحد على المنطقة كلها.
ماذا حدث لموائدنا؟
تستخدم الدراسات الصحية تعبير «التحول الغذائي» لوصف التغيرات الواسعة في طبيعة الطعام المتاح والمستهلك مع تغير الاقتصاد والمجتمع.
فقد تنتقل المجتمعات من أنماط غذائية تعتمد بدرجة أكبر على تحضير الطعام في المنزل إلى أنماط تتضمن حضوراً أكبر للوجبات التجارية والمنتجات الجاهزة والمشروبات المحلّاة.
ولا يعني ذلك أن كل طعام مصنّع مضر، أو أن جميع الأطعمة التقليدية صحية بالضرورة.
فالأثر الصحي يرتبط بمكونات النظام الغذائي وكمياته وتكرار استهلاكه، وليس بمجرد وصف الطعام بأنه حديث أو تقليدي.
لكن توافر منتجات غنية بالسكر أو الطاقة وسهولة الحصول عليها، إلى جانب تغير أنماط الحركة، قد يخلق بيئة تجعل اكتساب الوزن الزائد أكثر احتمالاً.
وتؤكد مراجعة الباحثين أن السمنة والسكري يرتبطان بتداخل عوامل غذائية وبيئية واجتماعية ووراثية.
ولا توجد أدلة تسمح بتفسير ارتفاع المرضين في بلد معين بسبب واحد فقط.
فالعامل الوراثي قد يزيد قابلية بعض الأشخاص للإصابة، بينما تؤثر البيئة الغذائية والسلوك اليومي والنوم والنشاط البدني وعوامل أخرى في تطور المخاطر.
ومن هنا يصبح الحديث عن «ضعف الإرادة» تفسيراً غير كافٍ لمشكلة صحية واسعة.
عندما يصبح السكر قضية ضريبية
في بداية عام 2026، دخلت السعودية والإمارات مرحلة جديدة في فرض الضرائب الانتقائية على المشروبات المحلّاة.
فبدلاً من الاعتماد على نسبة ضريبية موحدة لمجموعة من هذه المنتجات، انتقل النظام إلى شرائح تتحدد بحسب محتوى السكر في كل 100 ملليلتر من المشروب.
وفي الإمارات، نص النظام على التمييز بين مشروبات تحتوي على أقل من 5 غرامات من السكر لكل 100 ملليلتر، وأخرى تحتوي على ما بين 5 وأقل من 8 غرامات، وثالثة تحتوي على 8 غرامات أو أكثر.
وتقوم الفكرة على ربط العبء الضريبي بكمية السكر الموجودة في المنتج.
ومن الناحية التنظيمية، قد تشجع هذه الآلية الشركات على إعادة تركيب منتجاتها لتقليل كمية السكر.
كما قد تساعد في جعل المشروبات الأعلى محتوىً من السكر أكثر تكلفة بالنسبة إلى المستهلك.
لكن لا يمكن الجزم بأن هذه السياسات خفّضت معدلات السمنة أو السكري بالفعل خلال أشهرها الأولى.
فالحكم على نجاحها يحتاج إلى بيانات عن الاستهلاك الفعلي، وتغير تركيبة المشروبات، وأسعار البيع، وسلوك المستهلكين، والنتائج الصحية خلال فترة أطول.
وهنا يظهر الفرق بين الإعلان عن سياسة صحية وبين إثبات أثرها.
فوجود ضريبة على السكر ليس دليلاً كافياً على نجاحها؛ النجاح يُقاس بما يتغير بعد تطبيقها.
هل تتحمل شركات الغذاء جزءاً من المسؤولية؟
عندما تتحدث الحكومات عن مكافحة السمنة، غالباً ما تركز على تشجيع الأفراد على ممارسة الرياضة وتعديل أنظمتهم الغذائية.
لكن الخيارات المتاحة للمستهلك ليست منفصلة عن السوق.
فالشركات تحدد تركيبة المنتجات وأحجام العبوات واستراتيجيات التسويق والتوزيع.
كما يؤثر السعر في قرارات الشراء، خصوصاً لدى الأسر التي تواجه ضغوطاً اقتصادية.
وقد يكون المنتج الأقل جودة غذائية أكثر سهولة في الوصول أو أقل تكلفة من بعض البدائل، بحسب البلد والمنطقة ونوع الطعام.
لكن هذه العوامل لا تسمح باتهام شركة معينة بالتسبب في انتشار السكري من دون بيانات مباشرة.
السؤال الأهم هو كيف تُنظم البيئة الغذائية.
هل يستطيع المستهلك معرفة كمية السكر الموجودة في المشروب بسهولة؟
وهل توجد معايير واضحة للإعلان عن المنتجات الموجهة إلى الأطفال؟
وهل تنشر الحكومات نتائج السياسات الضريبية والغذائية التي تطبقها؟
وهل تُقيّم آثار تلك السياسات لدى الفئات منخفضة الدخل؟
هذه أسئلة تتعلق بالصحة العامة والشفافية، وليس فقط بالمسؤولية الفردية.
السمنة ليست مجرد رقم على الميزان
تصف منظمة الصحة العالمية السمنة بأنها مرض مزمن يتأثر بعوامل بيولوجية وبيئية واجتماعية وسلوكية متشابكة.
وفي تحديث نُشر في 7 تشرين الأول 2026، قدّرت المنظمة أن نحو 1.1 مليار شخص حول العالم كانوا يعيشون مع السمنة خلال 2024، بينهم نحو 940 مليون بالغ.
كما ربطت السمنة بزيادة مخاطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والكبد والكلى وبعض أنواع السرطان.
لكن يجب التمييز بين السمنة والسكري.
فليس كل شخص يعيش مع السمنة مصاباً بالسكري، كما أن السكري قد يصيب أشخاصاً لا يعانون السمنة.
ويحتاج التشخيص إلى تقييم طبي مناسب.
أما مؤشر كتلة الجسم، رغم فائدته في الدراسات السكانية والتقييم الأولي، فلا يصف وحده توزيع الدهون أو الحالة الصحية الكاملة لكل شخص.
وقد يحتاج الطبيب إلى معلومات إضافية مثل محيط الخصر وضغط الدم وتحاليل السكر والدهون والتاريخ الصحي.
وبالتالي، فإن التعامل مع السمنة بوصفها قضية شكل خارجي فقط يحجب آثارها الطبية الحقيقية، كما أن الحكم على صحة الأشخاص من مظهرهم وحده قد يكون مضللاً.
إبر التنحيف… هل تغيّر المشهد؟
مع الانتشار المتزايد لأدوية مثل سيماجلوتايد وتيرزيباتيد، بدأ النقاش العالمي حول السمنة ينتقل من الحميات الغذائية وحدها إلى خيارات علاجية دوائية أكثر تطوراً.
وفي كانون الأول 2025، أصدرت منظمة الصحة العالمية أول إرشادات عالمية بشأن استخدام أدوية تؤثر في مستقبلات GLP-1 لعلاج السمنة.
وأوصت المنظمة بصورة مشروطة بإمكان استخدامها على المدى الطويل لدى البالغين الذين تنطبق عليهم شروط العلاج، مع استثناء النساء الحوامل من تلك التوصية.
لكن التوصية المشروطة لا تعني أن العلاج مناسب للجميع.
فقد أشارت المنظمة إلى تحديات تتعلق بالتكلفة، وإمكانية الوصول، والبيانات طويلة المدى، والتوقف عن العلاج، وقدرة الأنظمة الصحية على توفير المتابعة المناسبة.
كما حذرت من انتشار منتجات مزيفة أو دون المستوى نتيجة الطلب العالمي المرتفع على هذه الأدوية.
ولا ينبغي استخدام أدوية إنقاص الوزن من دون تقييم ووصفة طبية عندما تكون مطلوبة.
لكن حتى مع توفر علاجات فعالة، يبقى سؤال الصحة العامة قائماً.
فهل يمكن خفض عبء السمنة والسكري بالاعتماد على الأدوية وحدها، بينما تبقى الظروف التي تزيد المخاطر على حالها؟
ترى منظمة الصحة العالمية أن العلاج الدوائي ينبغي أن يكون جزءاً من استجابة أشمل تشمل التغذية والنشاط البدني والرعاية الصحية المناسبة.
فالدواء قد يساعد الفرد الذي يحتاج إليه، لكنه لا يحل بمفرده المشكلات المتعلقة بالبيئة الغذائية أو الفجوات في الوصول إلى الرعاية.
32 مليون مصاب لا يعرفون أنهم مرضى
قد تكون إحدى أخطر نتائج أطلس السكري أقل ظهوراً من أرقام الانتشار.
فوجود نحو 32 مليون مصاب غير مشخص في إقليم الاتحاد الدولي للسكري للشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعني أن المشكلة لا تتعلق بالوقاية وحدها.
بل بالقدرة على اكتشاف المرض أيضاً.
فالسكري من النوع الثاني قد يتطور تدريجياً، وقد لا يسبب أعراضاً واضحة في بدايته.
وعندما يتأخر التشخيص، قد ترتفع احتمالات ظهور مضاعفات ترتبط بالقلب والكلى والأعصاب والعينين.
لكن السكري ليس حكماً حتمياً بحدوث هذه المضاعفات.
فالتشخيص والمتابعة وضبط مستويات السكر وضغط الدم وعوامل الخطر الأخرى يمكن أن تقلل احتمال حدوثها أو تؤخر تطورها.
ومن هنا تظهر أهمية الرعاية الصحية الأولية والفحوص المناسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر.
ولا ينبغي أن يقتصر التركيز على توفير العلاجات المتقدمة للمرضى الذين حصلوا على تشخيصهم، بل أن يشمل أيضاً الوصول إلى الأشخاص الذين يعيشون مع المرض من دون معرفة.
كما أن السياسات ينبغي أن تراعي التفاوت في القدرة على تحمل تكلفة الفحوص والعلاج والمتابعة بين البلدان والفئات الاجتماعية.
هل يمكن وقف الأزمة؟
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن السكري من النوع الثاني يمكن الوقاية منه أو تأخير ظهوره في كثير من الحالات، خصوصاً لدى الأشخاص المعرضين لخطر مرتفع.
وتشمل التدخلات المدعومة بالأدلة تحسين جودة الغذاء، والنشاط البدني المنتظم، وتجنب التدخين، والمحافظة على وزن مناسب للحالة الصحية.
كما توصي معايير الجمعية الأميركية للسكري لعام 2026 ببرامج منظمة للوقاية لدى الفئات المعرضة للخطر، تتضمن تغييرات غذائية وسلوكية ونشاطاً بدنياً منتظماً.
لكن نجاح هذه التدخلات لا يعتمد على إرادة الفرد وحدها.
فوجود مساحات آمنة للمشي، وتوافر غذاء صحي بتكلفة مقبولة، والوصول إلى اختصاصيي التغذية والرعاية الصحية، وتنظيم تسويق بعض المنتجات، كلها عناصر قد تسهّل الاختيارات الصحية.
وتلفت مراجعة Nature Reviews Endocrinology إلى أن جهود الوقاية والعلاج في المنطقة ما زالت متفرقة وغير متساوية بين الدول.
كما يدعو الباحثون إلى تحسين البيانات المحلية ودراسة الآثار الطويلة المدى للسياسات، مع مراعاة الاختلافات الثقافية والاجتماعية.
وهذه نقطة مهمة لأن ما يصلح في مدينة خليجية مرتفعة الدخل قد يحتاج إلى تعديلات كبيرة قبل تطبيقه في منطقة ريفية بشمال أفريقيا أو في بلد يواجه أزمة اقتصادية.
من يدفع ثمن التحول الغذائي؟
لا يُقاس العبء الاقتصادي للسكري بكلفة الدواء وحدها.
فقد تشمل التكاليف الفحوص الدورية، والعلاج المستمر، والرعاية في المستشفيات، والتعامل مع المضاعفات، إلى جانب الوقت الذي يخسره المرضى وأسرهم من العمل.
وقدّر الاتحاد الدولي للسكري الإنفاق الصحي المرتبط بالسكري في إقليمه للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 35 مليار دولار خلال 2024.
وهذا الرقم يخص الإقليم الإحصائي الكامل، وليس الحكومات العربية وحدها.
كما أنه تقدير للإنفاق المرتبط بالسكري، ولا ينبغي تفسيره على أنه خسارة اقتصادية مباشرة بالقيمة نفسها.
لكن الرقم يوضح أن المشكلة ليست صحية فقط.
فكلما ارتفع عدد المصابين وازدادت المضاعفات، اتسع الضغط على الأنظمة الصحية والموارد الاقتصادية.
وفي الدول التي تعتمد فيها الأسر على الإنفاق المباشر للحصول على جزء كبير من الرعاية، قد تتحول الأمراض المزمنة إلى عبء مالي طويل الأمد.
وتصبح الوقاية والكشف المبكر وتحسين الرعاية قضايا اقتصادية أيضاً، لا مجرد حملات توعية موسمية.
ما الذي لا نعرفه بعد؟
رغم كثرة الأرقام، لا تزال هناك فجوات تستحق التحقيق.
فالمراجعة العلمية المنشورة في أيلول 2026 لا تقدم تجربة واحدة تثبت أن عاملاً غذائياً محدداً تسبب وحده في انتشار السكري بالمنطقة.
بل تجمع أدلة من دراسات سابقة وتوضح تشابك العوامل.
كما أن تقديرات الاتحاد الدولي للسكري تعتمد على بيانات سكانية وصحية ونماذج إحصائية تختلف جودتها وحداثتها بين الدول.
ولا تمثل توقعات 2050 مصيراً محتوماً.
فقد تتغير النتائج بتغير أعمار السكان ومعدلات المرض وتحسن الوقاية والعلاج.
ومن جهة أخرى، لا تسمح البيانات التي راجعناها بالحكم على نجاح الضرائب الجديدة على المشروبات المحلّاة في السعودية والإمارات بعد أقل من عام على بدء تطبيق نظام الشرائح الجديد.
ولهذا يبقى أمام المؤسسات الصحية والجهات التنظيمية عدد من الأسئلة:
كم انخفض استهلاك السكر بعد التغييرات الضريبية؟ وهل عدّلت الشركات تركيبة منتجاتها؟ وما الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالسكري من دون تشخيص؟ وهل تتحسن قدرة الأسر على الحصول على الغذاء الصحي والرعاية الوقائية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحول السياسات من وعود عامة إلى نتائج قابلة للقياس.
الوباء الذي لا يبدأ من المستشفى
عادةً ما تظهر أزمة السكري في العيادة.
هناك يتلقى المريض تشخيصه، ويبدأ متابعة مستويات السكر، ويحصل على الأدوية والتعليمات اللازمة.
لكن جزءاً مهماً من الظروف التي تزيد خطر الإصابة يتشكل قبل ذلك بسنوات.
في المنزل، والمدرسة، ومكان العمل، والمتجر، والشارع، وفي الأسعار والمنتجات التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.
ولا يعني ذلك أن جميع حالات السكري يمكن منعها، أو أن المصابين مسؤولون شخصياً عن مرضهم.
بل يعني أن المرض الذي يظهر في جسم الإنسان قد يكون مرتبطاً أيضاً بظروف صحية واجتماعية واقتصادية أوسع.
وبينما تتوسع الخيارات العلاجية، ومنها أدوية السمنة الحديثة، يظل التحدي الأكبر هو ألا تصبح الوقاية امتيازاً لمن يملك المال والوقت والقدرة على اختيار نمط حياة أكثر صحة.
فالمطلوب ليس إدانة المائدة العربية أو تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية أزمة معقدة.
المطلوب فهم كيف تغيّرت بيئة الغذاء والحياة، ومن يملك القدرة على تحسينها، وكيف يمكن قياس نتائج ذلك على صحة الناس.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الحكومات العربية اليوم أكثر أهمية من السؤال الذي يُطرح على كل مريض:
إذا كنا نعرف أن السكري والسمنة يتأثران بما نأكله وكيف نعيش، فلماذا نواصل التعامل مع الوقاية باعتبارها قراراً فردياً، بينما البيئة التي تصنع هذه القرارات تتغير من حولنا؟


