حين يتلقى مريض السرطان علاجه، يفترض أن تكون وراء العبوة سلسلة مكتملة من الفحوص العلمية والموافقات التنظيمية وإجراءات الرقابة. فالدواء لا يُقيَّم بالاسم التجاري أو السعر وحدهما، بل بملف يثبت جودته وسلامته وفعاليته وفق المعايير المعتمدة.
لكن ملفاً فُتح رسمياً في لبنان خلال تشرين الأول 2026 أعاد طرح سؤال حساس: كيف دخلت أدوية بيولوجية مشابهة إلى السوق عبر قرارات استثنائية، وهل استوفت كل المستحضرات الشروط العلمية التي يفترض أن تسبق استخدامها؟
في 16 تشرين الأول، أعلنت وزارة الصحة العامة أن مستحضرات ضبطتها القوى الأمنية في إطار مداهمة كانت قد شُطبت بقرار وزاري لعدم استيفائها شروط الاستخدام والتداول.
وفي 22 تشرين الأول، اتخذ مجلس الوزراء قراراً يتعلق بوقف تداول أدوية بيولوجية مشابهة مستوردة من دول غير مرجعية، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية.
ثم جاء بيان رئيس الحكومة نواف سلام في 29 تشرين الأول ليؤكد أن القضاء طلب من وزارة الصحة لائحة بالأدوية البيولوجية المشابهة التي دخلت البلاد منذ عام 2018 بموجب قرارات استثنائية.
ثلاث محطات خلال أقل من أسبوعين نقلت الملف من نقاش تقني حول تسجيل الأدوية إلى قضية تتصل بمسؤولية الإدارة وسلامة المرضى واستخدام المال العام.
لكن هذه التطورات لا تثبت أن جميع الأدوية المعنية غير فعالة، أو أن كل مريض استخدمها تعرض لضرر. فالحكم على أي مستحضر يتطلب ملفاً علمياً وفحوصاً محددة، فيما تستلزم المسؤولية القانونية أدلة مستقلة.
من عام 2018… لماذا طلب القضاء العودة إلى السجلات القديمة؟
في بيان رسمي نشرته رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 29 تشرين الأول 2026، أعلن رئيس الحكومة أن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج كلّف قسم المباحث الجنائية المركزية مخاطبة وزارة الصحة للحصول على لائحة جميع الأدوية البيولوجية المشابهة التي دخلت لبنان منذ عام 2018 عبر قرارات استثنائية.
يحدد هذا الطلب نقطة البداية للتحقيق.
فالمطلوب قضائياً ليس فحص عبوات موجودة في مستودع فحسب، بل الرجوع إلى سنوات من القرارات التي سمحت بإدخال مستحضرات إلى السوق.
ووفق بيان رئاسة الحكومة، فإن مراجعة المسارات السابقة تهدف إلى التحقق من الأدوية التي لم تستوفِ الشروط المطلوبة، ومساءلة المسؤولين عن أي مخالفات تثبتها التحقيقات.
لكن البيان لم ينشر لائحة تلك الأدوية، أو أسماء الشركات المستوردة، أو أرقام قرارات التسويق الاستثنائية، أو تواريخ سريانها.
ولذلك، لا يمكن تحديد عدد المستحضرات المشمولة أو قيمة مشترياتها أو عدد المرضى الذين تلقوها اعتماداً على البيان وحده.
وستكون هذه البيانات أساسية لتحديد ما إذا كانت الاستثناءات حالات فردية مبررة، أم مساراً متكرراً يحتاج إلى تفسير إداري وفني أوسع.
أدوية بيولوجية مشابهة… لماذا لا تعني كلمة «مشابه» أنها غير آمنة؟
من الضروري هنا التمييز بين الجدل حول إجراءات التسجيل وبين الطبيعة العلمية للأدوية البيولوجية المشابهة، المعروفة باسم Biosimilars.
فهي مستحضرات حيوية تُطوَّر لتكون شديدة التشابه مع دواء بيولوجي مرجعي سبق اعتماده، من حيث الجودة والفعالية والسلامة، من دون اختلافات ذات أهمية سريرية.
ولا تُعد هذه الأدوية نسخاً مطابقة بالمعنى الذي ينطبق على كثير من الأدوية الكيميائية الجنيسة، لأن تصنيع المنتجات البيولوجية أكثر تعقيداً.
وتضع منظمة الصحة العالمية إرشادات لتقييم تشابه هذه المنتجات مع المستحضرات المرجعية، تشمل المقارنة التحليلية وخصائص الجودة والدراسات اللازمة بحسب طبيعة المنتج.
وبالتالي، لا يصح التعامل مع مصطلح «بيوسيميلر» باعتباره مرادفاً لدواء رديء أو مغشوش.
فالمستحضرات البيولوجية المشابهة المعتمدة وفق المعايير العلمية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في توسيع الوصول إلى العلاج وتقليل كلفته.
لكن انخفاض السعر أو وجود شهادة مرتبطة بالمصنع لا يغنيان عن تقييم ملف المستحضر نفسه وفق المتطلبات التنظيمية.
وهنا تكمن القضية اللبنانية: ليس السؤال عما إذا كانت الأدوية المشابهة مقبولة علمياً من حيث المبدأ، بل عما إذا كان كل دواء دخل السوق قد اجتاز التقييم المناسب.
16 تشرين الأول: أدوية مشطوبة في مستودع
بدأ أحد أبرز فصول الملف مع إعلان وزارة الصحة العامة نتائج تحقيق داخلي مرتبط بمستحضرات جرى ضبطها في إطار إجراءات قضائية وأمنية.
ففي 16 تشرين الأول، أوضحت الوزارة أن إحالتها إلى النيابة العامة التمييزية سبقت عملية المداهمة، وأن الأدوية المحجوزة كانت قد شُطبت بقرار وزاري لعدم استيفائها الشروط اللازمة لاستخدامها وتداولها في السوق اللبنانية.
هذه الواقعة مهمة لأنها توضح أن الوزارة أعلنت وجود قرار إداري سابق بالشطب، وأن إجراءات الضبط جاءت لاحقاً.
لكن البيانات المنشورة لا تقدم، بصورة تكفي لإعادة تركيب الملف بالكامل، تواريخ شطب جميع المستحضرات المحجوزة، وأسماءها التجارية، وأرقام التشغيلات، والكميات، وما إذا كان قد جرى بيع وحدات منها بعد قرارات الشطب.
كذلك لا يثبت العثور على مستحضرات مشطوبة داخل مستودع أن كل العبوات الموجودة فيه كانت قد وصلت إلى المرضى.
ولمعرفة حجم المخالفة المحتملة، لا بد من مقارنة تاريخ الشطب مع سجلات الاستيراد والتخزين والبيع والتوزيع.
فالفرق القانوني والعملي كبير بين الاحتفاظ بمخزون معزول تمهيداً لإتلافه وفق الأصول وبين الاستمرار في تداوله بعد سحب الترخيص.
ولا يمكن حسم أي من الاحتمالين من دون محاضر الضبط وقرارات الشطب والسجلات المرتبطة بها.
22 تشرين الأول: الحكومة تتدخل… لكن مَن يحدد الدواء المسموح؟
في 22 تشرين الأول 2026، اتخذ مجلس الوزراء قراراً يتعلق بوقف العمل بالأدوية البيولوجية المشابهة المستوردة من دول غير مرجعية، بحسب التصريحات الرسمية المنشورة.
وأكد رئيس الحكومة في 29 تشرين الأول تبنّي الحكومة قرار وزير الصحة في هذا الإطار.
لكن تطبيق القرار يحتاج إلى تفاصيل تنظيمية دقيقة.
فما المقصود بالدولة المرجعية؟ وهل التصنيف متعلق بدولة التصنيع، أم بالهيئة الرقابية التي قيّمت الدواء، أم بالاعتمادات الدولية للجهة المصنعة والمستحضر؟
هذه ليست مسألة لغوية.
فقد يُصنّع مستحضر في دولة معينة ويخضع لتقييم تنظيمي من هيئة أخرى، وقد تستوفي مصانع متعددة في البلد نفسه مستويات مختلفة من الاعتماد والرقابة.
كما أن سلامة المستحضر وفعاليته لا تُحسمان بجنسية المصنع وحدها.
وقد أثيرت هذه النقطة تحديداً في النقاش الرسمي خلال المؤتمر الصيدلي السابع والعشرين، حيث برزت المطالبة بتقييم كل دواء على حدة، وتحديد المستحضر المرجعي وملف المقارنة والرأي الفني الذي استندت إليه الموافقة.
ولهذا فإن نشر القرار التنفيذي التفصيلي ولائحة المستحضرات المشمولة به ضروري لفهم نطاقه وآثاره.
مَن وقّع الاستثناءات وعلى أي أساس؟
يتيح الحديث عن قرارات استثنائية طرح أسئلة لا تجيب عنها البيانات الحكومية المختصرة.
أولها: ما الأساس القانوني الذي سمح بإدخال كل مستحضر من دون اتباع مسار التسجيل الاعتيادي؟
وثانيها: ما المستندات العلمية التي كانت متوافرة عند منح الاستثناء؟
وثالثها: مَن راجع الملف الفني، وهل وُثقت الاعتراضات أو التحفظات أو شروط المتابعة؟
والاستثناء، بحد ذاته، لا يثبت مخالفة. فقد تسمح الأنظمة في ظروف محددة بمسارات خاصة لتلبية حاجة علاجية، مع اشتراط ضمانات وإجراءات رقابية مناسبة.
لكن تكرار الاستثناءات، أو استمرارها لمدد طويلة، أو منحها من دون تقييم موثق، أمور تستوجب التدقيق إذا ثبتت في ملفات محددة.
وقد أشار بيان رئاسة الحكومة إلى أن عمليات إدخال سابقة جرت، وفق تقييمها، خارج الأطر العلمية أو الفنية المطلوبة.
وهذا توصيف صادر عن جهة حكومية رسمية، لكنه يحتاج إلى ربطه بالقرارات الفردية وملفاتها حتى يمكن تحديد ما حدث ومن يتحمل مسؤوليته.
فالمساءلة لا تقوم على وصف عام للخلل، بل على قرار معين، وملف محدد، ومستندات يمكن فحصها، وأشخاص تتاح لهم فرصة الرد.
أين يظهر المال العام في القضية؟
لا يتعلق الملف بسلامة المرضى فقط.
فالأدوية البيولوجية المستخدمة في علاج السرطان والأمراض المزمنة قد تكون مرتفعة الكلفة، ويكون لتحديد سعر شرائها وحجم الكميات الممولة من الجهات العامة أثر مالي مهم.
وقد أثار رئيس الحكومة في بيانه مسألة الأموال التي أنفقتها وزارة الصحة على أدوية تحيط بفعاليتها تساؤلات.
لكن لا تتوافر في البيان قيمة إجمالية مؤكدة للمشتريات المشمولة بالمراجعة، أو تفصيل يوضح سعر كل دواء وعدد وحداته والجهات الممولة له.
ومن دون هذه البيانات، لا يمكن نشر رقم محدد بوصفه هدراً مثبتاً، ولا تقدير وفورات كان يمكن تحقيقها لو اختير بديل آخر.
لإجراء تدقيق مالي جدي، ينبغي مقارنة مستندات الشراء والعقود والفواتير والأسعار بتاريخ كل عملية، إلى جانب الحالة التنظيمية والعلمية للمستحضر وقت شرائه.
كما ينبغي التمييز بين حصول خلل في إجراء التسجيل وبين إثبات هدر مالي، ثم بين إثبات الهدر ووجود مسؤولية جزائية.
فكل مستوى من هذه المستويات يحتاج إلى أدلة مختلفة.
ماذا عن المرضى الذين يستخدمون هذه الأدوية؟
وسط الجدل القضائي والتنظيمي، تبقى مصلحة المرضى هي المسألة الأكثر إلحاحاً.
فبعض الأدوية البيولوجية تُستخدم ضمن أنظمة علاج تتطلب الاستمرار والمتابعة الدقيقة.
وقد يؤدي أي تغيير غير منظم في توافر المستحضر إلى إرباك خطة العلاج، حتى عندما يكون الهدف من القرار حماية المرضى.
ولهذا ينبغي أن تترافق أي مراجعة أو قيود على التداول مع معلومات واضحة للأطباء والصيادلة والمرضى، وتحديد البدائل المرخصة وآليات تأمينها.
ولا ينبغي للمريض أن يستنتج من إعلان مراجعة ملفات فئة دوائية أن علاجه الحالي ضار أو غير فعال حكماً.
كما لا ينبغي إيقاف العلاج أو استبداله بصورة فردية اعتماداً على الأخبار المتداولة.
فالقرار العلاجي يتطلب مراجعة الطبيب المعالج، بينما يقع على الجهات التنظيمية واجب نشر المعلومات المتعلقة بالمستحضرات المشمولة بأي إجراء.
وتحتاج الدولة أيضاً إلى توضيح كيفية التعامل مع المرضى الذين سبق أن تلقوا أدوية أصبحت موضع مراجعة: هل هناك حاجة إلى متابعة إضافية، أم أن المسألة تنظيمية تتعلق بالتسجيل؟ لا يمكن الإجابة قبل تحديد المنتجات ونتائج تقييمها.
منظمة الصحة العالمية… تعاون معلن ونتائج لم تُنشر بعد
أعلنت وزارة الصحة أنها بدأت، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، مساراً لتحديث معايير تسجيل الأدوية المتداولة في لبنان وتطوير قدرات العاملين على تطبيقها.
وستُعطى الأولوية لمراجعة ملفات الأدوية البيولوجية المشابهة.
وهذه خطوة ذات دلالة تنظيمية، لأن تقييم هذه المستحضرات يتطلب خبرة علمية متخصصة وآليات موثقة لمقارنة المستحضر المقترح بالدواء المرجعي.
لكن إعلان التعاون لا يعني أن المنظمة اعتمدت جميع الأدوية الموجودة في السوق اللبنانية، أو أنها أنجزت بالفعل تقييماً لكل ملف.
كما أن إرشادات المنظمة لا تحل محل مسؤولية الجهات التنظيمية الوطنية عن القرارات التي تصدرها وفق القانون.
ولذلك، ينبغي نشر نطاق التعاون الفني والجدول الزمني للمراجعة والنتائج النهائية التي تسمح بمعرفة المستحضرات المستوفية للشروط وتلك التي تحتاج إلى إجراءات إضافية.
الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة
تتيح الوثائق الرسمية تحديد ثمانية أسئلة أساسية:
أولاً: ما أسماء الأدوية البيولوجية المشابهة التي دخلت لبنان منذ عام 2018 عبر قرارات استثنائية؟
ثانياً: ما أرقام تلك القرارات وتواريخها ومبرراتها القانونية والفنية؟
ثالثاً: ما الدراسات المقارنة التي قُدمت لكل مستحضر، وما رأي اللجان الفنية بشأنها؟
رابعاً: ما أسماء المستحضرات المشطوبة التي ضبطتها الجهات الأمنية، وما تواريخ الشطب والكميات المحجوزة؟
خامساً: كم أنفقت وزارة الصحة وغيرها من الجهات العامة على شراء المستحضرات المعنية، ولأي جهات موردة دُفعت هذه الأموال؟
سادساً: ما التعريف التنظيمي المعتمد للدول والهيئات المرجعية، وكيف يطبَّق القرار على المستحضرات المسجلة؟
سابعاً: ما البدائل التي ستُتاح للمرضى إذا توقف تداول دواء كانوا يستخدمونه؟
ثامناً: متى تُنشر نتائج مراجعة الملفات، وما آلية تلقي بلاغات الأطباء عن أي مشكلات تتعلق بسلامة المستحضرات أو فعاليتها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تسمح بالانتقال من إعلان وجود خلل محتمل إلى تحديد القرارات والمسؤوليات والنتائج، من دون أحكام مسبقة.
المشكلة ليست في الدواء الأرخص… بل في الدليل الذي يجيز استخدامه
تكشف التطورات الرسمية في تشرين الأول 2026 عن مراجعة واسعة لمسار دخول فئة من الأدوية البيولوجية المشابهة إلى لبنان، بعد إعلان ضبط مستحضرات مشطوبة وطلب قضائي بالعودة إلى القرارات الاستثنائية الصادرة منذ عام 2018.
لكن لا يمكن من هذه الوقائع وحدها الجزم بأن جميع المنتجات المعنية غير فعالة، أو أن كل عملية شراء شكلت هدراً للمال العام.
فالأدوية البيولوجية المشابهة، عندما تخضع لتقييم علمي سليم، ليست بطبيعتها أقل أماناً من الأدوية المرجعية. وقد تشكل وسيلة مهمة لتأمين العلاج بكلفة أكثر قابلية للتحمل.
لذلك، لا ينبغي أن يتحول التحقيق إلى مواجهة عامة بين الدواء الأصلي والدواء المشابه، أو إلى اتهامات بحسب بلد المنشأ.
القضية الأساسية هي سلامة القرار التنظيمي: ما الدليل العلمي الذي سمح بدخول كل مستحضر، ومَن قيّمه، وما الذي حدث بعد تسويقه؟
فإذا كانت الدولة تعيد اليوم فتح قرارات امتدت إلى عام 2018، فمن حق المرضى معرفة ما الذي كشفته المراجعة، ومن حق دافعي الضرائب معرفة كيف أُنفقت الأموال العامة.
ويبقى سؤال «المسمار»: إذا كان ملف الدواء يحتاج اليوم إلى مراجعة من نقطة دخوله إلى لبنان، فمَن ضمن للمريض أن كل الموافقات السابقة استندت إلى الدليل العلمي المطلوب؟


