من مشروع حياة إلى حسابات مالية
لم يعد السؤال عن الزواج في لبنان مقتصراً على اختيار الشريك المناسب أو تحديد موعد الاحتفال. بالنسبة إلى كثيرين، بات يسبق القرارَ سؤالٌ أكثر إلحاحاً: كيف يمكن تأسيس منزل، وتأمين دخل مستقر، والتخطيط للإنجاب في بلد تتبدّل فيه الظروف الاقتصادية والأمنية باستمرار؟
خلف هذا السؤال تحوّل اجتماعي يستحق التوقف عنده. فالزواج، الذي شكّل تقليدياً إحدى المحطات الأساسية للانتقال إلى الاستقلال العائلي، أصبح بالنسبة إلى شريحة من الشباب مشروعاً تصطدم شروط تحقيقه بالواقع المعيشي.
ولعل أكثر ما يكشف عمق التحوّل ليس الحديث المتكرر عن غلاء حفلات الزفاف، بل البيانات الرسمية التي تُظهر تغيّراً ملحوظاً في أعداد الزيجات المسجّلة، وإن كانت هذه الأعداد وحدها لا تكفي لتفسير أسبابه.
الأرقام: تراجع طويل وتعافٍ لم يدم
بحسب المديرية العامة للأحوال الشخصية التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، سُجّلت 40,232 حالة زواج في عام 2011، وهو المستوى الأعلى ضمن السلسلة التي استعرضها الباحث الديموغرافي شوقي عطية في دراسة منشورة بمجلة «الدفاع الوطني» في تموز 2026.
وفي عام 2019، بلغ عدد الزيجات المسجّلة 34,076، قبل أن ينخفض إلى 29,493 في عام 2020. ثم ارتفع إلى 33,661 في عام 2021، في فترة تلت الصدمة الأولى للأزمة الاقتصادية وانتشار جائحة كورونا.
أما عام 2024، فقد شهد تسجيل 25,628 زواجاً، قبل ارتفاع العدد مجدداً إلى 32,852 في 2025.
تطور عدد الزيجات المسجّلة في لبنان:

سنوات مختارة، وليست سلسلة سنوية متصلة.
لكن التطوّر الأحدث يحمل دلالة إضافية. فقد نقل تقرير نشرته قناة LBCI في الثاني من أيلول 2026، استناداً إلى أرقام وزارة الداخلية، أن الزيجات المسجّلة خلال النصف الأول من 2026 بلغت 9,785 زواجاً، مقابل 15,018 خلال الفترة نفسها من عام 2025، أي بانخفاض يقارب 35%.
هذا التراجع النصفي مهم، لكنه لا يعني بالضرورة أن العدد السنوي النهائي سينخفض بالنسبة نفسها. كما أن عدد الزيجات المسجّلة لا يعادل «معدل الزواج» الديموغرافي الذي يتطلب احتساب حجم السكان وتركيبهم العمري.
مع ذلك، تُظهر الأرقام مجتمعاً يتأثر فيه قرار الزواج باضطرابات متتالية، وتطرح سؤالاً يتجاوز الإحصاءات: ما الظروف التي تجعل الشاب أو الشابة مستعداً لتأجيل تكوين أسرة؟
الاقتصاد يدخل العلاقة قبل العاطفة
منذ عام 2019، تغيّرت العلاقة بين الدخل والإنفاق في لبنان بصورة جذرية. ومع انهيار القدرة الشرائية لشرائح واسعة، لم تعد الوظيفة، حتى عندما تكون متوافرة، ضمانة تلقائية للاستقرار.
وفي تقرير أصدره البنك الدولي في أيار 2024، قُدّر معدل الفقر بنحو 44% من السكان ضمن النطاق الذي تناولته الدراسة في خمس محافظات، استناداً إلى بيانات تعود إلى 2022. وتعكس هذه النتيجة اتساع الضغوط المعيشية، مع ضرورة عدم التعامل معها بوصفها قياساً جديداً للفقر في عام 2026.
وتظهر انعكاسات تلك الضغوط بوضوح عند التفكير في الزواج. فالأمر لا يتوقف عند كلفة الحفل أو شراء الأثاث، بل يشمل القدرة على دفع إيجار شهري، وتسديد فواتير الخدمات، وتحمّل مصاريف الصحة والنقل، والتخطيط لاحقاً لتربية الأطفال.
هذه الالتزامات تجعل الاستقرار الاقتصادي جزءاً أساسياً من النقاش بين الشريكين. فقد تكون الرغبة في الارتباط موجودة، لكنهما يفتقران إلى الحد الأدنى من الأمان المالي.
هنا تتحول الأزمة الاقتصادية من قضية عامة إلى عامل حاضر في التفاصيل الأكثر خصوصية للحياة الشخصية.
السكن… العقبة التي لا يحلّها خاتم الزواج
لطالما ارتبط الزواج في الثقافة الاجتماعية اللبنانية بفكرة المنزل المستقل، حتى عندما كانت العائلة الممتدة تؤدي دوراً في دعم الأزواج الجدد.
لكن امتلاك منزل، أو حتى استئجار شقة بشروط مستقرة، أصبح قراراً مالياً ثقيلاً بالنسبة إلى كثير من أصحاب الدخل المحدود أو غير المنتظم.
وتزداد الصعوبة عندما تُضاف إليها كلفة تجهيز المنزل والخدمات الأساسية، في ظل غياب شبكة حماية اجتماعية واسعة تمكّن الشباب من مواجهة الطوارئ.
لا توجد، ضمن البيانات التي اعتمدتها هذه المقالة، دراسة وطنية حديثة تحدّد نسبة الزيجات التي أُجّلت بسبب أزمة السكن وحدها. لذلك لا يمكن اعتبار السكن السبب الأول إحصائياً. لكنه يمثل عنصراً مركزياً في المعادلة المالية لتأسيس الأسرة.
والنتيجة أن الزواج يصبح مرتبطاً بقدرة الشريكين على تحمّل تكاليف الاستقلال، لا بمجرد استعدادهما العاطفي والاجتماعي.
هل المشكلة في الشباب أم في توقعات المجتمع؟
في النقاش العام، كثيراً ما تُطرح ظاهرة تأخّر الزواج باعتبارها دليلاً على تغيّر قيم الشباب، أو تراجع اهتمامهم بالمسؤولية العائلية.
لكن هذه القراءة تتجاهل اختلاف الظروف بين الأجيال.
فالشخص الذي بدأ حياته العملية في مرحلة كانت فيها الرواتب والمدخرات أكثر استقراراً لا يواجه بالضرورة الظروف نفسها التي يواجهها شاب يدخل سوق العمل اليوم.
وفي المقابل، لا يصح تفسير جميع حالات تأخّر الزواج بالأزمة الاقتصادية. فهناك أيضاً أشخاص يختارون استكمال الدراسة أو تطوير المسار المهني، وآخرون لا يجدون الزواج أولوية شخصية، أو يرفضون الارتباط قبل التأكد من التوافق مع الشريك.
وهذا التمييز أساسي: عدم الزواج ليس مشكلة اجتماعية بحد ذاته، لكن العجز عن اتخاذ قرار شخصي بسبب غياب الفرص الاقتصادية يستحق النقاش والمساءلة.
وتزداد المسألة تعقيداً حين تصبح التوقعات الاجتماعية المتعلقة بحفل الزفاف والمهر وتجهيز المنزل معياراً لتقييم قدرة الطرفين على الزواج، بدلاً من التركيز على مقومات العلاقة واستقرارها.
النساء أمام معادلة مختلفة
لا تنعكس ضغوط الزواج بالطريقة نفسها على الرجال والنساء.
ففي بعض البيئات الاجتماعية، ما زال يُتوقع من الرجل تأمين الجزء الأكبر من الموارد اللازمة للزواج، بينما تواجه المرأة ضغوطاً مرتبطة بالعمر، والإنجاب، والتوفيق بين العمل والحياة العائلية.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يمنح التوسع في التعليم والعمل النساء خيارات أوسع بشأن توقيت الارتباط أو عدمه.
من هنا، لا يجوز التعامل مع ارتفاع عمر الزواج باعتباره مؤشراً سلبياً تلقائياً. فقد يعكس في بعض الحالات استقلالية أكبر في اتخاذ القرار، بينما يعكس في حالات أخرى عوائق اقتصادية غير مرغوبة.
ولمعرفة أي الاتجاهين أكثر حضوراً في لبنان، يحتاج الباحثون إلى مسوح مباشرة تسأل الشباب والشابات عن أسباب التأجيل، بدلاً من استنتاج دوافعهم من عدد العقود المسجّلة وحده.
الهجرة تغيّر خريطة العلاقات
لا يمكن فصل النقاش عن الزواج عن واقع الهجرة اللبنانية.
فعندما يغادر أحد الشريكين للعمل أو الدراسة، تواجه العلاقة قرارات تتصل بمكان الإقامة والاستقرار القانوني والقدرة على الانتقال، وربما انتظار سنوات قبل اجتماع الطرفين في منزل واحد.
وقد يؤدي السفر إلى توفير موارد مالية تتيح الزواج في مرحلة لاحقة، لكنه قد يفرض أيضاً علاقات طويلة المسافة أو يعيد تشكيل الأولويات الشخصية.
بمعنى آخر، ليست الهجرة عاملاً يؤدي بالضرورة إلى تأخير الزواج أو إلغائه، بل متغيراً قد يسهّله عند بعض الأسر ويعقّده عند أسر أخرى.
ويستحيل تحديد حجم هذه التأثيرات بدقة من دون بيانات تجمع بين الهجرة والحالة الزوجية والعمر والمستوى الاقتصادي.
ما الذي تقوله الأرقام فعلاً؟
تراجع الزيجات المسجّلة لا يثبت وحده أن المجتمع اللبناني فقد إيمانه بمؤسسة الزواج.
فالأعداد الإجمالية تتأثر بعوامل متعددة، منها التركيب العمري للسكان، والهجرة، والأوضاع الأمنية، وتوقيت تسجيل العقود، فضلاً عن الظروف الاقتصادية.
كما أن الارتفاع في عام 2025، ثم الانخفاض في النصف الأول من 2026، يذكّران بأن الاتجاه ليس خطياً، وأن التغيرات السنوية تحتاج إلى قراءة حذرة.
لهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى مؤشرات أكثر دقة: متوسط العمر عند الزواج الأول، ونسب غير المتزوجين بحسب الفئات العمرية، وتوزيع الزيجات جغرافياً، والقدرة على الحصول على السكن، وأسباب التأجيل المعلنة.
من دون هذه البيانات، يبقى النقاش الاجتماعي معرضاً للتحول إلى أحكام عامة على جيل كامل.
عندما يصبح الاختيار امتيازاً
قد لا يكون السؤال الأهم اليوم لماذا يتزوج اللبنانيون بأعداد أقل في بعض السنوات، بل لماذا أصبح اتخاذ قرار مصيري مثل الزواج مرتبطاً بهذا القدر من القلق حيال المستقبل.
فالزواج ليس واجباً ينبغي أن يؤديه الجميع، ولا ينبغي اختزال نجاح الأفراد في قدرتهم على تأسيس أسرة. لكن المجتمع الذي يريد أفراده الزواج، ويجدون أنفسهم مضطرين إلى التأجيل لأسباب تتجاوز إرادتهم، يواجه اختلالاً يتصل بفرص العمل والسكن والحماية الاجتماعية.
ليست القضية أن الشباب اللبناني لم يعد يريد بداية جديدة؛ القضية أن بعض البدايات أصبحت تتطلب موارد يصعب تأمينها.
ويبقى السؤال الأعمق: هل يستطيع اللبنانيون بناء حياتهم وفق اختياراتهم، أم باتت الظروف الاقتصادية تقرّر عنهم؟


