المسمار منصة إعلامية عربية مستقلة، تقدّم صحافة استقصائية وتحليلية ومعرفية تبحث فيما وراء الخبر، وتتناول القضايا المجتمعية والثقافية والعلمية والفنية من خلال البحث، والتحليل، والتحقق، والسرد الصحافي المعمّق.
يبقى في مكانه على هيئة أعمدة خرسانية وحديد ملتفّ وحجارة متكسّرة وأبواب وشبابيك وأثاث دفنته الردميات.
وبالنسبة إلى أصحابه، قد تكون هذه البقايا آخر ما تبقّى من سنوات العمل والادخار والحياة العائلية.
لكنها، بالنسبة إلى عمليات إعادة الإعمار، تصبح أيضاً كميات ينبغي حصرها، وأحجاماً يجب قياسها، وأعمالاً تحتاج إلى جرافات وشاحنات ومتعهدين وأموال.
هكذا يتحول الركام من أثر للدمار إلى ملف مالي وهندسي وبيئي.
وفي جنوب لبنان، حيث خلّفت الاعتداءات الإسرائيلية المتعاقبة دماراً واسعاً في القرى والأحياء السكنية والبنى التحتية، أصبحت إزالة الأنقاض شرطاً لفتح الطرق، وتأمين الأحياء، وتمكين السكان من الوصول إلى أراضيهم ومنازلهم.
لكنّ إزالة الركام تفتح بدورها سلسلة من الأسئلة: من يختار الشركة؟ وكيف يُحتسب بدل النقل؟ ومن يحدد الموقع الذي تُفرغ فيه الشاحنة حمولتها؟ ومَن يتأكد من أن المواد القابلة للبيع لا تختفي من السجلات؟
بحثت «المسمار» في نتائج التلزيم ودفاتر الشروط والتقارير الرسمية المنشورة حتى 20 تشرين الأول 2026، وتتبّعت مسارين مختلفين: عقود الهدم والإزالة التي أعلنها مجلس الجنوب للأضرار الناتجة عن حرب 2026، ومشروع الدعم الطارئ للبنان المموّل من البنك الدولي، والمبني أساساً على تقييم أضرار حرب 2023–2024.
والنتيجة الأولى أن بعض العقود وأسماء المتعهدين وقيم التلزيمات لم تعد مجهولة. أما تتبّع المواد بعد رفعها، وما إذا كانت هناك إيرادات من إعادة تدويرها، فيحتاج إلى بيانات تشغيلية لم تتوافر كاملة في الوثائق التي راجعناها.
حبوش – قضاء النبطية، 17 نيسان 2026
أربعة تلزيمات… وأرقام تقترب من تريليون ليرة
في 16 تموز 2026، أعلن مجلس الجنوب مناقصات تتعلق بأعمال الهدم والإزالة للمباني المهدمة كلياً وجزئياً جراء الاعتداءات الإسرائيلية بعد 2 آذار من السنة نفسها.
ثم بدأت نتائج التلزيم بالظهور على منصة هيئة الشراء العام.
وبحسب السجلات الرسمية، رسا تلزيم إزالة المباني المتضررة في قرى أقضية صور وصيدا والنبطية وجزين والبقاع الغربي وحاصبيا، وفق الاستثناءات الواردة في الملف، على «مؤسسة حطاب إخوان للهندسة» بقيمة 248 ملياراً و273 مليون ليرة لبنانية.
أما أعمال قضاء بنت جبيل، فقد رسا تلزيمها على «شركة المهندس إيلي نعيم معلوف – EMC» بقيمة 313 ملياراً و608 ملايين ليرة.
وفي قضاء مرجعيون، أُعلنت «شركة Group 1 ش.م.م.» فائزة بقيمة 310 مليارات و341 مليوناً و250 ألف ليرة.
وفي مدينتي النبطية وصور، رسا التلزيم على «شركة فرحات غروب ش.م.ل.» بقيمة 127 ملياراً و658 مليوناً و56 ألفاً و500 ليرة.
المجموع: 999 ملياراً و880 مليوناً و306 آلاف و500 ليرة لبنانية.
هذه الأرقام لا تعني أن المبالغ دُفعت بالكامل، أو أن جميع الأعمال أُنجزت، أو أنها أرباح صافية للشركات.
إنها قيم نتائج تلزيم منشورة رسمياً، ينبغي التمييز بينها وبين العقود الموقعة والكشوفات المنفّذة والمدفوعات النهائية.
ولا تثبت هذه النتائج وحدها وجود فساد أو تواطؤ أو تضخيم أسعار.
لكنها تُظهر حجم الالتزامات المالية التي باتت أعمال إزالة الأنقاض تستقطبها، وتمنح الرأي العام أساساً للمطالبة بمقارنة ما أُعلن بما نُفّذ فعلياً.
جسر القاسمية المدمّر – آذار 2026
ماذا تشتري هذه المبالغ؟
من الخطأ اعتبار قيمة تلزيم الهدم والإزالة مجرد ثمن لنقل حجارة من مكان إلى آخر.
فدفتر الشروط المنشور لإحدى صفقات مجلس الجنوب يحدد أعمالاً تشمل تكسير الباطون، والهدم، وفرز الردميات، ونقلها إلى المواقع المحددة والمعتمدة وفق متطلبات وزارة البيئة، والتدعيم المؤقت عند الحاجة.
كما ينص على تنظيم كشوفات بالأعمال المنفذة تخضع لتدقيق الإدارة والإشراف الهندسي، وعلى احتساب المستحقات وفق الأصول والإجراءات المقررة.
ويحدد الدفتر مدة تنفيذ تبلغ ثلاثة أشهر من تاريخ أمر المباشرة، مع أحكام تتعلق بالتأخير والضمانات.
هذه التفاصيل تعني أن قيمة الصفقة ترتبط بنطاق واسع من الأشغال والمعدات والعمالة والنقل والإشراف، وليس بالردم وحده.
لكنّ التدقيق المالي الحقيقي يحتاج إلى مستندات أكثر تحديداً.
فلكي نعرف إن كانت كلفة إزالة مبنى في منطقة أعلى أو أقل من غيرها، يجب معرفة حجم الركام، وطبيعة المبنى، ومدى تضرره، وصعوبة الوصول إليه، والمسافة إلى موقع التفريغ، ونوع الآليات المطلوبة، وإجراءات السلامة.
ولا يجوز مقارنة القيمة الإجمالية لعقدين مختلفين والحكم على أحدهما بأنه أغلى بصورة غير مبررة من دون هذه المعطيات.
المقارنة الصحيحة تبدأ من جداول الكميات والأسعار، لا من الرقم الإجمالي وحده.
شركة للبنيان وعقد بالدولار… مسار آخر للركام
بالتوازي مع صفقات مجلس الجنوب، يعمل مجلس الإنماء والإعمار على مشروع مختلف اسمه «مشروع الدعم الطارئ للبنان – LEAP»، الممول من البنك الدولي.
أُقرّ التمويل الأولي للمشروع، البالغ 250 مليون دولار، في حزيران 2025.
ولا يقتصر هذا التمويل على الركام؛ بل يشمل أيضاً استعادة الخدمات والبنى التحتية الحيوية، من الطرق والمياه والكهرباء إلى المرافق العامة.
وفي الأول من تشرين الأول 2026، أعلن مجلس الإنماء والإعمار أن أعمال إزالة العوائق وترميم الطرق المتضررة في قضاء النبطية لُزّمت إلى «شركة البنيان»، وأن الأعمال انطلقت.
وتؤكد نتيجة التلزيم المنشورة على موقع هيئة الشراء العام أن العقد أُسند إلى «شركة البنيان للهندسة والمقاولات ش.م.م.» بقيمة 3,689,470 دولاراً أميركياً، ضمن مناقصة تحمل المرجع LEAP-SW4-Nabatieh.
وكانت المناقصة قد أُعلنت في 18 آب 2026، ونُشرت نتيجتها في 9 تشرين الأول.
ويتضمن نطاق الأشغال إزالة الأنقاض وتنظيف الطرق والحفر والردم وإعادة تأهيل طبقات الطريق والزفت وبعض منشآت تصريف المياه، مع مدة تنفيذ محددة بـ180 يوماً اعتباراً من أمر المباشرة.
لكن هذا العقد لا يمثل إزالة جميع أنقاض المنازل في قضاء النبطية، بل يتعلق بأعمال طرق محددة.
لذلك، لا يجوز جمع قيمته بالدولار مع التلزيمات الأربعة بالليرة والقول إنها جميعاً تموّل النشاط نفسه أو الجهة نفسها.
آلية تعمل على رفع ركام في النبطية – 21 حزيران 2026
المعركة التالية: أين توضع الأنقاض؟
إزالة الركام من الشارع ليست نهاية المشكلة.
فكل شاحنة تغادر الموقع يجب أن تتجه إلى وجهة معروفة، وكل حمولة ينبغي أن تخضع لتصنيف وتسجيل يتناسبان مع طبيعة المواد الموجودة فيها.
وتتضمن خطط الإدارة المستدامة للأنقاض إعادة استخدام بعض المواد أو تدويرها، ومعالجة المواد غير القابلة للاستفادة وفق متطلبات بيئية.
وفي 12 أيار 2026، أعلن مجلس الإنماء والإعمار طلب خدمات استشارية لإدارة الأنقاض في مواقع مقالع، ضمن مشروع LEAP.
يكشف وصف التلزيم على منصة هيئة الشراء العام عن نطاق لافت:
إجراء تقييم ميداني لمواقع تخزين مؤقت تحتوي على ركام في نحو خمسين موقعاً بالمحافظات المتأثرة، ودراسة جدوى إنشاء مرافق مؤقتة لاسترداد المواد القابلة للتدوير في ما لا يزيد على عشرة مواقع، مع إعداد خطط لإعادة تأهيل المقالع وتقييمات للأثر البيئي والاجتماعي.
ويشمل العمل أيضاً إعداد مستندات التلزيم والإشراف على التنفيذ في المواقع المختارة.
هذه ليست دليلاً على أن المرافق العشرة أنشئت بالفعل، ولا أن جميع مواقع التخزين الخمسين مرخّصة أو تعمل بالآلية نفسها.
بل هي مهام دراسية واستشارية وردت في ملف التلزيم.
وفي بيان رسمي بتاريخ الأول من تشرين الأول، أعلن المجلس أن دار الهندسة نزيه طالب وشركاه، بالشراكة مع شركة HYDEA الإيطالية، كُلّفت بمهام المؤازرة الفنية لإدارة الأنقاض في مواقع مقالع ستحددها الوزارة المختصة.
هذا الإعلان يحدد الجهة الاستشارية، لكنه يترك أسئلة تفصيلية تحتاج إلى سجلات التنفيذ: ما مواقع المقالع المعتمدة؟ ما الكميات التي سيستقبلها كل موقع؟ وما مصير المواد التي يمكن فصلها وإعادة استخدامها؟
الحجارة قد تتحول إلى مواد بناء… والحديد إلى مال
ليس الركام كتلة متجانسة.
ففيه مواد إسمنتية وحجرية يمكن، بعد معالجتها وفحص جودتها، دراسة إعادة استخدامها في تطبيقات مناسبة.
وفيه حديد تسليح، ونحاس، وألمنيوم، وأحياناً تجهيزات وأغراض لا تزال لها قيمة مادية.
وقد نشرت الجزيرة نت في 27 نيسان 2025 تقريراً عن تنامي تجارة الخردة والمعادن المستعملة في الجنوب، تضمّن شهادات لأهالٍ اشتكوا من دخول جامعي خردة إلى منازل مدمرة من دون استئذانهم، في مقابل عاملين قالوا إنهم يجمعون المواد بطلب من أصحاب البيوت أو يشترونها منهم.
ونقل التقرير أيضاً عن أحد العاملين أنه يرفع الركام مقابل الاستفادة من المعادن والمواد القابلة للتدوير.
هذه الوقائع تبيّن أن للأنقاض سوقاً اقتصادية قائمة، وأن العلاقة بين صاحب العقار وجامع الخردة قد تكون اتفاقاً مشروعاً، أو موضع نزاع عندما يحصل الدخول أو الأخذ من دون إذن.
لكنّ هذا النشاط التجاري الخاص لا يعني أن الشركات الفائزة بالتلزيمات الرسمية تستولي على المعادن أو تبيعها بصورة مخالفة.
لم نعثر على دليل يثبت ذلك بحق أي من الشركات المذكورة.
الأسئلة التي يفرضها هذا السوق مختلفة: هل تحدد عقود الهدم ملكية المواد المستخرجة؟ وهل تُفرز المعادن ضمن عملية رسمية موثقة؟ ومن يحق له التصرف بها أو بيعها؟ وهل ينعكس أي عائد مالي مشروع منها على كلفة إزالة الركام أو على حقوق المالك؟
ولا يمكن حسم هذه المسائل من دون مراجعة نصوص العقود الكاملة والاتفاقات مع أصحاب العقارات والسجلات المالية.
وثيقة بيئية تحدد كيف تُراقَب الشاحنات
**وثيقة رسمية:** خطة الإدارة البيئية والاجتماعية لمشروع إزالة الأنقاض وتأهيل الطرق في قضاء النبطية، المنشورة على موقع مجلس الإنماء والإعمار.
**لكن السؤال: هل تُطبَّق هذه الإجراءات فعلياً على الأرض؟**
المصدر: مجلس الإنماء والإعمار – مشروع LEAP.
من أبرز الوثائق التي راجعتها «المسمار» خطة الإدارة البيئية والاجتماعية الخاصة بأعمال إزالة العوائق وترميم الطرق في قضاء النبطية، المنشورة ضمن ملف التلزيم على موقع مجلس الإنماء والإعمار.
فالخطة لا تكتفي بالدعوة العامة إلى التخلص الآمن من الأنقاض.
إنها تنص على نقل الركام مباشرةً إلى مواقع تخزين مؤقت معتمدة من وزارة البيئة، وعدم إجراء فرز عشوائي أو تخزين مؤقت في مواقع الأشغال الواقعة ضمن نطاق هذا المشروع.
وتحظر رمي الردميات في الأودية ومجاري المياه والأراضي الزراعية والمواقع غير المرخصة.
كما تشترط إعداد خطة لإدارة الأنقاض قبل مباشرة الأعمال، تتضمن طرق النقل والوجهات المعتمدة ونظاماً لتتبّع الحمولة.
وتحديداً، تذكر الوثيقة تذاكر الرحلات، وسجلات الوزن أو الحجم، وتتبع الشاحنات عبر GPS، والسجل اليومي لمصدر الحمولة ورقم الطريق ورقم لوحة الشاحنة وتاريخ النقل ووقته والوجهة وتوقيع جهة الاستلام.
بكلمات أخرى، فإن نظام الرقابة المطلوب نظرياً يجعل من الممكن تتبّع رحلة كل حمولة من موقع رفعها إلى مكان وصولها.
وهنا تظهر أهمية السجلات.
إذا كانت الشركة تتقاضى بدل إزالة كمية من الركام، فمن المفترض أن توجد مستندات تبيّن الأعمال والكميات المعتمدة. وإذا كانت الشاحنة تصل إلى موقع تخزين معتمد، فيفترض أن يكون بالإمكان التحقق من سجلات الاستلام.
لكنّ وجود هذه المتطلبات في دفتر الشروط لا يثبت تلقائياً أنها طُبّقت فعلياً على كل رحلة.
ذلك يحتاج إلى تدقيق مستقل في السجلات، ومطابقة الكميات والفواتير والتواريخ ومواقع التفريغ.
الخطر المدفون: الأسبستوس ومخلّفات الحرب
هناك جانب من ملف الركام لا يحتمل التساهل.
فالأبنية المتضررة قد تحتوي على مواد خطرة، مثل بعض المنتجات المحتوية على الأسبستوس، إلى جانب مخلفات كيميائية أو ذخائر غير منفجرة.
وتؤكد الخطة البيئية لمشروع النبطية ضرورة الالتزام بإجراءات المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام، ووقف العمل عند الاشتباه بوجود جسم متفجر أو مادة خطرة.
كما تتناول الإجراءات التعامل مع الأشلاء البشرية التي قد يُعثر عليها أثناء رفع الأنقاض، وضرورة وقف العمل والتنسيق مع الجهات المختصة.
وهذا يعني أن إزالة الركام ليست مسألة معدات ثقيلة فقط.
إنها عملية تحتاج إلى تقييم مخاطر وتدابير تمنع تعريض العمال والسكان لمواد أو أجسام قد تهدد حياتهم.
وقد أصدرت وزارة البيئة، بالتعاون مع شركاء دوليين، إجراءات تشغيل معيارية لإدارة الركام بعد الكوارث، تشمل الكشف المسبق والتعامل مع المواد الخطرة والفرز والنقل والتدوير والتخلص الآمن وإعادة تأهيل المقالع.
وجود هذه الإرشادات خطوة ضرورية، لكنّ التحدي يبقى في إثبات التزام جميع الأعمال بها.
فأي خلل لا يؤدي فقط إلى تلويث موقع بعيد عن القرية، بل قد ينقل المخاطر من منطقة دمرتها الحرب إلى منطقة أخرى تستقبل الردميات.
من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية؟
تكشف الوثائق عن أدوار مؤسساتية متوازية.
فمجلس الجنوب هو الجهة الشارية في أربع صفقات هدم وإزالة رصدتها «المسمار» للأضرار الناتجة عن حرب 2026.
وفي مشروع LEAP، يتولى مجلس الإنماء والإعمار التنفيذ والتنسيق وإدارة المشروع، ضمن إطار حكومي وتمويل من البنك الدولي.
أما وزارة الأشغال العامة والنقل فتتولى دوراً أساسياً في قطاع الطرق، وتتولى وزارة البيئة الإشراف على المتطلبات البيئية المتصلة بالمشروع، وتدخل البلديات والمحافظات ضمن منظومة التنسيق والتنفيذ والرقابة المحلية.
ويشكّل المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام مرجعاً حيوياً في ما يتصل بالمخاطر الناجمة عن الذخائر غير المنفجرة.
هذا التوزع في الصلاحيات لا يشكّل مخالفة بحد ذاته.
فإزالة الأنقاض وإعادة الإعمار تحتاجان إلى تنسيق بين جهات متعددة.
لكن عندما تتوزع مراحل العمل بين صاحب العقار والبلدية والجهة الشارية والمتعهد والاستشاري ووزارة البيئة وموقع استقبال الردميات، يصبح تحديد مسؤولية كل طرف ضرورياً.
فمن يصادق على كمية الأنقاض المرفوعة؟
ومن يراقب مسار الشاحنة؟
ومن يجيز استقبال الركام في المقلع؟
ومن يتحقق من كمية الحديد المستخرج ومصيره؟
ومن يستقبل اعتراض صاحب المنزل إذا شعر أن ممتلكاته نُقلت من دون رضاه أو من دون توثيق؟
هذه ليست تفاصيل إدارية هامشية؛ إنها صلب القدرة على منع النزاعات وحماية المال والحقوق والبيئة.
لا دليل على فساد… لكن هناك اختباراً واضحاً للشفافية
من الضروري وضع حد فاصل بين ما كشفته الوثائق وما لا تزال المستندات عاجزة عن إثباته.
لقد أمكن تحديد أربع نتائج تلزيم لمجلس الجنوب، بقيم مالية واضحة، والاطلاع على نطاقات العمل المنشورة.
وأمكن أيضاً تحديد شركة فائزة بعقد أشغال طرق النبطية ضمن مشروع البنك الدولي، والاطلاع على خطة بيئية تلزم بتتبع حركة الأنقاض في هذا المشروع.
لكنّ ذلك لا يكفي للحكم على الأسعار بأنها مضخمة، أو القول إن جهة محددة تربحت بصورة غير قانونية من بيع المعادن، أو اتهام أي من الشركات بالتخلص غير المشروع من الركام.
تلك استنتاجات تحتاج إلى أدلة مستقلة.
في المقابل، يستطيع الرأي العام أن يطالب الإدارات بنشر بيانات يمكن من خلالها إجراء التدقيق: أوامر المباشرة، والكميات المنفذة، والكشوفات المصادق عليها، والمبالغ المصروفة، ومسارات النقل المعتمدة، وسجلات الاستلام، والوجهات النهائية للمواد المفروزة.
فهذه المستندات هي التي تسمح بالانتقال من الشكوك العامة إلى نتائج قابلة للإثبات.
بيتٌ مدمّر… أم مورد اقتصادي؟
ربما يبدو الركام للجهة المنفذة مجموعة مواد يجب نقلها بأسرع وقت.
لكنه، بالنسبة إلى صاحب البيت، ليس مجرد نفايات.
قد تكون بين الحجارة أوراق وذكريات وتجهيزات وعناصر إنشائية يمكن أن تكون لها قيمة، فضلاً عن مواد لا تزال ضمن ملكيته أو تحتاج إلى موافقته للتصرف بها وفق القانون.
ومن هنا، فإن أي نظام لإزالة الأنقاض ينبغي أن يراعي حقوق أصحاب العقارات ومقتنياتهم، إلى جانب السرعة والسلامة البيئية.
ولا ينبغي أن تتحول الحاجة الإنسانية الملحة إلى فتح الطريق أو إزالة مبنى مهدد بالسقوط إلى سبب لإهمال التوثيق.
فالتوثيق نفسه يحمي أصحاب البيوت ويحمي المتعهدين والجهات الرسمية من النزاعات والاتهامات غير المسندة.
السؤال الذي يبدأ بعد رفع آخر حجر
كشفت وثائق التلزيم أن إزالة ركام الجنوب دخلت بالفعل مرحلة من العقود ذات القيم المالية الكبيرة.
لكن الإجابة عن مصير هذا الركام لا تكمن في اسم الشركة الفائزة وحده.
إنها تكمن في السجلات التي تربط بين موقع الدمار، وكمية الأنقاض، والشاحنة التي نقلتها، والموقع الذي استقبلها، والطريقة التي عولجت بها، والجهة التي تصرّفت بالمواد القابلة للاستفادة.
فالركام الذي كان بيتاً لإنسان لا ينبغي أن يفقد تاريخه القانوني والمالي بمجرد وضعه في شاحنة.
وبقدر ما يحتاج الجنوب إلى إزالة الأنقاض والبدء بإعادة الإعمار، يحتاج أيضاً إلى ضمان أن تتم هذه العملية وفق قواعد واضحة تحمي أصحاب المنازل والعمال والبيئة والمال العام.
ويبقى سؤال «المسمار»: إذا كانت الدولة قادرة على إعلان اسم المتعهد وقيمة التلزيم، فهل تستطيع أن تُظهر للمواطن أين انتهى ركام بيته، وكم كلّف نقله، وما الذي جرى للمواد المستخرجة منه؟