شاشة صغيرة وحياة كاملة للمقارنة
تبدأ الحكاية غالباً بحركة عفوية: فتح الهاتف للاطلاع على رسالة، ثم الانتقال إلى صورة، ثم مقطع فيديو، ثم متابعة حياة أشخاص قد لا نعرفهم شخصياً.
خلال دقائق، يجد المستخدم نفسه أمام عشرات الصور والقصص التي تعرض رحلات ونجاحات وعلاقات وأجساداً مثالية ومنازل أنيقة، بينما تبدو حياته اليومية أقل إثارة بالمقارنة.
قد لا يكون في أي صورة، منفردة، ما يستدعي القلق. لكن التعرّض المتكرر لهذا المحتوى يطرح سؤالاً اجتماعياً ونفسياً: ماذا يحدث عندما تصبح حياة الآخرين، كما تعرضها الخوارزميات، المقياس الذي نحكم من خلاله على حياتنا؟
في العالم العربي، حيث أصبحت المنصات الرقمية جزءاً من التواصل العائلي والعمل والترفيه ومتابعة الأخبار، لم يعد هذا السؤال نظرياً.
وقد أعاد تقرير السعادة العالمي لعام 2026 فتح النقاش، مستنداً إلى بيانات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُظهر ارتباطاً بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل وتراجع بعض مؤشرات الرفاه النفسي.
لبنان في قلب الظاهرة

تشير الدراسة إلى أن نسبة الاستخدام المكثف في لبنان ارتفعت من 22% خلال مسح 2018–2019 إلى نحو 45% في مسح 2023–2024.
وفي العراق، ارتفعت النسبة من 12% إلى 27% خلال الفترتين نفسيهما.
أما في معظم الدول التي تناولها التحليل، فتراوح انتشار الاستخدام الذي يتجاوز خمس ساعات يومياً بين 20% و40%، مع تفاوت واضح بين البلدان.
تلفت هذه الأرقام الانتباه إلى حجم حضور المنصات الرقمية في الحياة اليومية، لكنها لا تخبرنا، بمفردها، لماذا يستخدمها الناس بهذه الكثافة.
فقد يكون الهاتف أداة للعمل والتواصل مع المغتربين، أو وسيلة لمتابعة التطورات الأمنية والسياسية، أو مساحة للترفيه والهروب المؤقت من الضغوط.
وهنا تظهر خصوصية التجربة اللبنانية، حيث يمتزج الاستخدام الاجتماعي للمنصات بالحاجة إلى الأخبار والتواصل عبر الحدود.
ماذا تقول الدراسة عن السعادة؟
تُظهر نتائج تحليل الباروميتر العربي، الذي اعتمد عليه الفصل التاسع من تقرير السعادة العالمي، أن المستخدمين الذين يقضون أكثر من خمس ساعات يومياً على وسائل التواصل سجّلوا مستويات أعلى من التوتر والأعراض الاكتئابية، مقارنة بغير المستخدمين أو المستخدمين بمعدلات معتدلة.
وفي أحد المؤشرات، أفاد 34.5% من المستخدمين المكثفين بأنهم يشعرون بالاكتئاب غالباً أو معظم الوقت، مقابل 28.1% بين غير المستخدمين والمستخدمين المعتدلين، بفارق 6.4 نقاط مئوية.
نسبة من أفادوا بالشعور بالاكتئاب غالباً أو معظم الوقت

هذا مؤشر لأعراض مُبلّغ عنها ذاتياً، وليس نسبة تشخيصات سريرية للاكتئاب.
لكن قراءة هذه النتائج تستدعي الحذر.
فالدراسة تُظهر علاقة إحصائية، ولا تثبت أن استخدام المنصات هو السبب المباشر وراء الأعراض النفسية. قد تؤدي الضغوط النفسية إلى زيادة الوقت الذي يقضيه الشخص على الهاتف، وقد يسهم الاستخدام المكثف في تعميق بعض تلك الضغوط. ومن الممكن أيضاً أن تؤثر ظروف اقتصادية واجتماعية أخرى في الأمرين معاً.
وهذا التمييز ليس تفصيلاً أكاديمياً، بل ضروري لتجنّب اختزال مشكلات الصحة النفسية في التكنولوجيا وحدها.
من التواصل إلى المقارنة الاجتماعية
أحد الجوانب التي توقف عندها الباحثون هو طبيعة المحتوى الذي يتعرض له المستخدم، لا مدّة الاستخدام فقط.
فالتواصل مع العائلة والأصدقاء يختلف عن التصفّح المستمر لمحتوى يعرض أنماط حياة مثالية أو نجاحات استثنائية.
وعندما تتكرر المقارنة بين الواقع الشخصي والصور المنتقاة من حياة الآخرين، قد ينشأ شعور بعدم الكفاية أو بعدم الرضا عن الذات.
ولا يتطلب ذلك بالضرورة أن يصدق المستخدم جميع ما يراه. يكفي أن يتعرض باستمرار إلى معايير مرتفعة للجمال أو الثروة أو النجاح حتى تصبح تلك المعايير حاضرة في تقييمه لنفسه.
وتشير الدراسة إلى أن متابعة المؤثرين والمحتوى البصري المرتبط بالمظهر ارتبطت في أبحاث لبنانية وسعودية بمؤشرات سلبية تتعلق بالصحة النفسية وصورة الجسد والرفاه الشخصي.
غير أن المشكلة ليست في وجود المؤثرين بحد ذاته. فكثير من صناع المحتوى يقدمون معلومات تعليمية وتجارب إنسانية مفيدة.
المسألة تتعلق بما يحدث عندما تصبح الصورة المعدّلة للحياة اليومية معياراً اجتماعياً يتعرض له المستخدم بصورة متكررة، بينما تختفي خلفها الإخفاقات والصعوبات والتفاصيل العادية التي يعيشها الجميع.
هل أصبح النجاح عرضاً يومياً؟
لم تعد المنصات مجرد مساحة لنشر الصور والتواصل، بل تحولت أيضاً إلى سوق واسع للانتباه والتأثير والاستهلاك.
فعبر المحتوى الترويجي، قد يجري تقديم شراء منتج أو زيارة مكان أو اتباع نمط معين للحياة باعتباره خطوة نحو السعادة أو النجاح.
وتزداد أهمية هذه الظاهرة في المجتمعات التي تواجه ضغوطاً معيشية، حيث قد يشعر المستخدم بفجوة كبيرة بين إمكاناته الفعلية والمعايير الاستهلاكية المعروضة أمامه.
وقد لا تكون المشكلة أن الآخرين يمتلكون أشياء لا يستطيع اقتناءها، بل أن الخوارزميات قد تجعل هذه المشاهد حاضرة بصورة تفوق انتشارها الحقيقي في المجتمع.
هكذا يمكن أن تتحول المقارنة من أشخاص نعرف ظروفهم جيداً إلى نماذج رقمية لا نعرف إلا الجانب الذي اختار أصحابها عرضه.
وتصبح المسافة بين الواقع والصورة الرقمية أحد العوامل المحتملة في تشكيل مشاعر الرضا أو الإحباط.
أخبار بلا توقف… وقلق لا ينتهي
في لبنان والعالم العربي، لا يُستخدم الهاتف للترفيه فقط.
فوسائل التواصل أصبحت أيضاً من أهم قنوات متابعة التطورات السياسية والأمنية والاجتماعية.
ويشير تحليل تقرير السعادة العالمي إلى ارتفاع الاعتماد على المنصات كمصدر أساسي للأخبار في لبنان والأراضي الفلسطينية، مع ارتباط هذا النمط من الاستخدام بمستويات أعلى من بعض مؤشرات الضيق النفسي في العينة الإقليمية.
لكن هذا الارتباط يحتاج إلى قراءة دقيقة.
فالشخص الذي يعيش في بيئة غير مستقرة قد يتابع الأخبار باستمرار لأنه يشعر بالقلق على أسرته أو عمله أو سلامته. وفي هذه الحالة لا تكون المنصة بالضرورة مصدر القلق الأساسي، بل الوسيلة التي يتابع من خلالها أسباب قلق قائمة أصلاً.
ومع ذلك، فإن التعرض المتواصل إلى الصور العنيفة والعناوين المثيرة والمعلومات المتضاربة قد يجعل الانفصال المؤقت عن تدفق الأخبار أكثر صعوبة.
وهنا تقع مسؤولية مهمة على المؤسسات الإعلامية، بما فيها الإعلام الرقمي، في تقديم الأخبار بصورة دقيقة ومتناسبة مع أهميتها، من دون استغلال الخوف لجذب المشاهدات.
هل خمس ساعات هي الخط الأحمر؟
قد يبدو الرقم واضحاً: أكثر من خمس ساعات يومياً يرتبط في الدراسة بمؤشرات سلبية أعلى للرفاه النفسي.
لكن لا ينبغي تحويله إلى حد طبي قاطع يصلح لجميع الأفراد.
فخمس ساعات يقضيها طالب في التواصل مع زملائه وإنجاز أعمال دراسية ليست بالضرورة مماثلة لخمس ساعات من التصفح السلبي والمقارنات الاجتماعية.
كما تختلف تأثيرات الاستخدام باختلاف العمر، والدعم الاجتماعي، والحالة النفسية السابقة، وطبيعة المحتوى، وظروف الحياة خارج الإنترنت.
وفي المقابل، لا يعني الاستخدام الأقل من خمس ساعات أن جميع أنماط التصفح آمنة أو مفيدة.
لذلك، قد يكون السؤال الأكثر فائدة من «كم ساعة أمضيت على الهاتف؟» هو: ماذا فعلت خلال هذه الساعات، وكيف شعرت بعدها، وما الأنشطة والعلاقات التي ربما تراجعت لصالح الشاشة؟
ليست الصورة قاتمة بالكامل
من المهم ألا يتحول النقاش إلى إدانة شاملة لوسائل التواصل.
فالتقرير العالمي نفسه يقدّم صورة متباينة، ويشير إلى أن استخدام الإنترنت للتواصل والتعلّم وإنشاء المحتوى ارتبط في بعض البيانات بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة، بينما ارتبط الإفراط في أنشطة أخرى بمستويات أدنى.
كما أن المنصات التي تُسهّل الروابط الاجتماعية الفعلية لا تُظهر بالضرورة الأنماط السلبية نفسها المرتبطة بالمنصات المعتمدة بكثافة على المحتوى الخوارزمي.
وفي المجتمعات العربية، تؤدي المنصات أدواراً مهمة في الحفاظ على العلاقات بين العائلات الموزعة بين بلدان مختلفة، وفي دعم المبادرات المدنية، وتوسيع فرص التعلم والعمل.
وقد تكون مساحة للتعبير لمن لا يجدون فرصاً كافية للمشاركة في محيطهم المباشر.
وهذا يعني أن الحل ليس بالضرورة الانسحاب الكامل من الحياة الرقمية، بل فهم الفروق بين استخدامها بوصفها وسيلة للتواصل والمعرفة، وبين التحول إلى نمط استهلاك يزاحم النوم والعلاقات المباشرة والأنشطة اليومية.
من المسؤول عن الرفاه الرقمي؟
غالباً ما تركز النصائح الموجهة إلى المستخدمين على ضرورة ضبط الوقت، وإيقاف الإشعارات، وتقليل التصفح.
ورغم فائدة هذه الممارسات لبعض الأشخاص، فإن اختزال المسؤولية في الأفراد يتجاهل طبيعة المنصات نفسها.
فالعديد من التطبيقات مصمّم لتشجيع الاستمرار في المشاهدة عبر المقاطع المتتابعة والتوصيات الشخصية والإشعارات، وهي أدوات تجعل إدارة الوقت تحدياً يتجاوز قوة الإرادة وحدها.
وتطرح هذه الحقيقة أسئلة تتعلق بمسؤولية شركات التكنولوجيا عن شفافية أنظمة التوصية، وحماية المستخدمين الأصغر سناً، والتعامل مع المحتوى الضار.
وفي الوقت نفسه، تقع على المدارس والأسر والمؤسسات الصحية مسؤولية تطوير التربية الرقمية، لا عبر التخويف من التكنولوجيا، بل من خلال مساعدة الأفراد على التمييز بين المحتوى الواقعي والمحتوى المعدّ بعناية لجذب الانتباه.
كما ينبغي ألا يتحول النقاش إلى تجاهل الأسباب الأخرى للتوتر والقلق، مثل البطالة، والضغوط الاقتصادية، وضعف العلاقات الاجتماعية، وانعدام الأمان.
فالهاتف قد يكون جزءاً من المشكلة، لكنه قد يكون أيضاً وسيلة يحاول الإنسان من خلالها التعامل مع مشكلات أعمق.
هل نستخدم المنصات أم تعيد تشكيل حياتنا؟
لا تؤكد نتائج تقرير السعادة العالمي لعام 2026 أن وسائل التواصل تجعل جميع مستخدميها تعساء، لكنها تقدم إشارات تستحق التعامل معها بجدية، خصوصاً عندما يصبح الاستخدام مكثفاً ومصحوباً بالمقارنة الاجتماعية ومتابعة المحتوى الذي يثير التوتر.
وفي لبنان والعالم العربي، حيث تتداخل المنصات مع أخبار الأزمات وتفاصيل العلاقات والحياة المهنية، يصبح الحديث عن الرفاه الرقمي جزءاً من نقاش أوسع حول نوعية الحياة نفسها.
فليس كل اتصال تواصلاً، ولا كل متابعة معرفة، ولا كل صورة تعكس حقيقة أصحابها.
ربما لا تكمن المفارقة في أننا أصبحنا نعرف تفاصيل أكثر عن حياة الآخرين، بل في أننا نقضي وقتاً أقل في الانتباه إلى تفاصيل حياتنا نحن.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس ما إذا كان علينا مغادرة العالم الرقمي، بل كيف نضمن ألا تصبح قيمتنا الشخصية ورضانا عن الحياة خاضعين لما تقرر الشاشات عرضه علينا.


