المسمار منصة إعلامية عربية مستقلة، تقدّم صحافة استقصائية وتحليلية ومعرفية تبحث فيما وراء الخبر، وتتناول القضايا المجتمعية والثقافية والعلمية والفنية من خلال البحث، والتحليل، والتحقق، والسرد الصحافي المعمّق.
في بلد طغت أخبار الحرب على كثير من تفاصيل حياته اليومية، تعمل يمنيات على بناء أرشيف مختلف: قصص عن الغياب والتعليم والعائلة والهوية، تتحول إلى نصوص ورسومات وشهادات تحفظ جانبًا من تاريخ لا يظهر عادة في الوثائق الرسمية. منذ تأسيس «أرشيف المرأة اليمنية» عام 2022، تطورت المبادرة من مساحة للسرد والتجريب الفني إلى مشاريع لتوثيق السير والتجارب الشخصية. لكنّ هذا العمل يفتح أسئلة لا تقل أهمية عن الحفظ نفسه: كيف يجري التحقق من الشهادات؟ ومَن يقرر ما يجوز نشره؟ وهل يكفي أن توافق امرأة على رواية قصتها حتى تصبح متاحة للجمهور إلى الأبد؟
فستان لم يصل في موعده… وذاكرة لم تنسَ
في إحدى المواد المنشورة ضمن مشروع «جدارية هنّ 2»، تبدأ حكاية بعنوان «الفستان» من صورة قديمة أعادت إلى صاحبة السرد ذكرى طفولتها.
كانت تنتظر حفل تكريم مدرسي، وتحلم بأن يعود والدها المسافر ليشاركها المناسبة. لكنّ الأب، الذي يعمل بعيدًا عن أسرته، لم يستطع الحضور، فأرسل إليها فستانًا بدلًا من ذلك.
لم تكن خيبة الطفلة مرتبطة بالملابس، بل بغياب والدها.
يمتد النص لاحقًا إلى تجربة الغربة التي دفعت رجالًا من تعز إلى السفر بحثًا عن فرص معيشية أفضل، وما تركه هذا الغياب من أثر في أسرهم.
العمل منشور باسم الكاتبة أمة الرحمن ناجي، بالتعاون مع الفنانة التشكيلية بيان صبري.
قد تبدو هذه الحكاية بعيدة عن الوثائق التي اعتدنا اعتبارها مصادر للتاريخ؛ فلا تتحدث عن معركة أو اتفاق سياسي أو قرار حكومي.
لكنها تكشف جانبًا آخر من التحولات الاجتماعية: كيف يُعاش الاغتراب داخل المنزل؟ وكيف يتذكر الأطفال الغياب؟ وما الذي يحدث للعلاقات العائلية عندما يصبح السفر ضرورة اقتصادية؟
هنا تتضح الفكرة التي يقوم عليها «أرشيف المرأة اليمنية».
فالتاريخ لا يتشكل من القرارات الرسمية وحدها، بل أيضًا من آثار الأحداث والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في الحياة اليومية.
ومع ذلك، فإن التعامل المهني مع هذا النوع من المواد يحتاج إلى تمييز مهم: النص المنشور ضمن مشروع أدبي وفني ليس بالضرورة مقابلة تاريخ شفهي موثّقة وفق الإجراءات البحثية المتخصصة.
يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن الذاكرة وتجربة اجتماعية، لكن لا يجوز تحويل جميع تفاصيله تلقائيًا إلى وقائع تاريخية مستقلة من دون معرفة مصادرها وطبيعة صياغتها.
وهذه نقطة أساسية لفهم قيمة المشروع وحدود ما يمكن أن نستنتجه من منشوراته.
من أين بدأت الفكرة؟
الباحثة والشاعرة اليمنية سبأ حمزة، مؤسِّسة «أرشيف المرأة اليمنية»، الذي أُطلق عام 2022 لتوثيق معارف النساء وحكاياتهن وتجاربهن داخل اليمن وفي المهجر. المصدر: كلية فاسار الأميركية.
تأسس «أرشيف المرأة اليمنية» في تشرين الأول 2022، بمبادرة من الباحثة والشاعرة سبأ حمزة، وبالتعاون مع الفنانة التشكيلية جهاد جار الله.
انطلق المشروع من سؤال يتعلق بغياب تجارب النساء عن أجزاء واسعة من السرد التاريخي والاجتماعي المتداول.
فكثير من المعارف المتعلقة بالحياة اليومية، والرعاية، والأنشطة الاجتماعية، والممارسات الثقافية، تنتقل عبر التجربة الشخصية والرواية الشفهية، وقد لا تجد طريقها إلى الأرشيفات والمؤسسات الرسمية.
وفي مقابلة أجرتها صحيفة «العربي الجديد» مع سبأ حمزة في تشرين الثاني 2025، شرحت المؤسسة أن المبادرة جاءت لمواجهة ما تسميه «التهميش المعرفي»، وإتاحة مساحة تنتج فيها النساء المعرفة انطلاقًا من تجاربهن.
ولا يقتصر مفهوم الأرشفة الذي تتبناه المبادرة على الوثائق الورقية.
فبحسب تعريف المشروع وتصريحات مؤسسته، تشمل المواد القصص الشخصية، والصور، والرسائل، واليوميات، والأعمال الفنية، والمقابلات الشفهية.
وتعتمد المبادرة على العمل الرقمي والتعاون عن بُعد، وهو ما يسمح بمشاركة نساء من مدن يمنية مختلفة ومن مجتمعات الشتات.
لكنّ هذا النموذج يختلف عن مؤسسة أرشيفية تقليدية تحتفظ بمجموعة مغلقة داخل مبنى واحد.
فالعمل هنا يتقاطع مع الإنتاج الفني والتدريب والبحث والتواصل الاجتماعي، ما يجعل السؤال عن منهجية التعامل مع كل نوع من المواد ضروريًا.
من 14 امرأة إلى 20… كيف تُنتَج الحكايات؟
الفنانة اليمنية عبير الحضرمي تعمل على لوحة داخل مرسمها في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت. وتعكس تجربتها دور الفنون البصرية في التعبير عن قضايا المرأة والذاكرة الاجتماعية في اليمن. تصوير: سعيد البطاطي / The National، حزيران 2019.
تتيح المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي للأرشيف فهم جزء واضح من منهجية أحد مشاريعه الأساسية، «جدارية هنّ».
في النسخة الأولى، المنفّذة بين عامَي 2022 و2023، جمع البرنامج أربع عشرة مشاركة من مناطق يمنية متعددة.
شاركت سبع كاتبات في المرحلة الأولى، ضمن ورش حول الكتابة من أجل العدالة الاجتماعية، تبادَلن خلالها النقاش مع كتّاب من خلفيات مختلفة.
وأنتجت هذه المرحلة سبعة نصوص أدبية.
ثم شاركت سبع فنانات بصريات في المرحلة الثانية، حيث قرأن النصوص وأعدن تقديمها بأدوات فنية مختلفة.
والنتيجة كانت سبعة أعمال تجمع الكتابة والتعبير البصري.
أما النسخة الثانية، الممتدة بين عامَي 2025 و2026، فوسّعت نطاق المشاركة إلى عشرين امرأة.
ضمّت المرحلة الأولى عشر كاتبات من تسع محافظات يمنية، بينهن مشاركات من لحج وإب ومأرب وصنعاء وتعز وحجة وحضرموت وعدن والبيضاء.
وأنتجن عشر قصص ونصوص أدبية.
وفي المرحلة الثانية، عملت عشر فنانات على تقديم قراءات بصرية لهذه النصوص، فأُنجزت عشرة أعمال فنية.
هذه الأرقام مهمة لأنها توضّح أن المشروع لا يقوم فقط على استقبال شهادات جاهزة ونشرها.
إنه يعتمد على عملية إنتاج تشاركية تمرّ بالتدريب والكتابة ثم إعادة التفسير الفني.
لكنّ هذه المنهجية تثير سؤالًا مشروعًا: عندما ينتقل النص من كاتبته إلى فنانة تعيد تفسيره، كيف يُحافظ على المعنى الذي قصدته صاحبة التجربة؟
فقد تختار الفنانة التركيز على عنصر لم تعتبره الكاتبة أساسيًا، أو تحويل تجربة شخصية إلى صورة رمزية واسعة الدلالة.
وهذا الاختلاف قد يكون مصدرًا للإبداع، لا مشكلة في ذاته.
لكن من المهم التمييز بين حرية الفنانة في التأويل وبين نسبة هذا التأويل إلى صاحبة التجربة الأصلية.
إن كان العمل يُقدَّم بوصفه نصًا أدبيًا ورسمة مستوحاة منه، تكون العلاقة واضحة. أما إذا قُدّم بوصفه شهادة تاريخية مباشرة، فإن متطلبات الدقة والتوثيق تصبح مختلفة.
«كهربة»… عندما يتحول حق التعلم إلى حكاية
في النسخة الأولى من «جدارية هنّ»، نشرت الكاتبة والصحافية هناء عبدربه نص «كهربة»، بالتعاون مع الفنانة التشكيلية إميليا الحميري.
تدور الحكاية حول فتاة يمنية تعيش في بيئة ريفية، تتقاطع فيها الأعمال المنزلية وتوقعات الأسرة بشأن مستقبل الفتاة مع رغبتها في التعلم والحصول على الدفاتر والأقلام.
لا تطرح القصة قضية تعليم الفتيات في صيغة تقرير إحصائي، بل من خلال تفاصيل الحياة اليومية والحوارات العائلية.
وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الأرشفة الفنية.
فالأرقام تستطيع قياس معدلات الالتحاق بالمدارس أو الانقطاع عن التعليم، لكنها لا تشرح وحدها كيف تنشأ التوقعات الاجتماعية داخل الأسرة، وكيف تختبر الفتيات هذه التوقعات.
في المقابل، لا يمكن اعتماد «كهربة» دليلًا على مدى انتشار المواقف التي تصوّرها بين الأسر اليمنية.
فهي عمل أدبي منشور ضمن مشروع إبداعي، وليست عينة بحثية ممثلة لسكان اليمن.
والتمييز بين هذين المستويين يحمي قيمة النص بدل أن ينتقص منها.
فالمادة الأدبية تتيح فهمًا للمعاني والتجارب، بينما يحتاج إثبات مدى انتشار ظاهرة اجتماعية إلى أبحاث وبيانات وشهادات موثقة أخرى.
من القصص إلى السير التاريخية… مشروع «منوّر»
لم يتوقف عمل الأرشيف عند إنتاج النصوص والرسومات.
ففي 11 آب 2026، نشر الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» مقابلة مع سبأ حمزة، أوضحت فيها أن المبادرة استفادت من منحة لبناء القدرات المؤسسية ضمن برنامج «الورشة الثقافية في اليمن».
وساعد هذا الدعم، بحسب حمزة، في تطوير الممارسات الداخلية والبنية التنظيمية للمشروع.
ومن ثمار هذه المرحلة إطلاق مبادرة «منوّر»، ضمن مشروع أوسع يحمل اسم «موسوعة المرأة اليمنية».
وتقول حمزة إن عشر باحثات وكاتبات تلقين تدريبًا لتوثيق سير عشرين امرأة وإسهاماتهن.
هذا التطور مهم لأنه ينقل المشروع إلى مجال يتطلب أدوات بحثية إضافية.
فكتابة سيرة امرأة ساهمت في الحياة العامة أو الثقافية لا تعتمد على الذاكرة الشخصية وحدها، بل قد تحتاج إلى تواريخ ووثائق ومقابلات ومصادر مستقلة.
ولكي تتحول السيرة إلى مرجع تاريخي، ينبغي أن يكون بالإمكان معرفة أصل المعلومات التي استندت إليها، وما إذا كانت مأخوذة من شهادة شخصية أو وثيقة أو مصدر منشور.
وتكشف صفحة سابقة للموسوعة عن اهتمام مبدئي بهذه المسألة؛ إذ تضمّن نموذج اقتراح السير سؤالًا يطلب من صاحب الاقتراح توضيح كيفية التحقق من المعلومات المقدمة.
لكن هذا النموذج، وحده، لا يكفي لإثبات وجود نظام تدقيق شامل لجميع السير.
فالمصادر المتاحة لا تقدم شرحًا تفصيليًا لخطوات مراجعة المعلومات أو عدد المصادر المطلوبة لكل سيرة، ولا تسمح لنا بالحكم على مستوى التحقق المنجز في جميع المواد.
ومن المهم أيضًا عدم الخلط بين تدريب باحثات على توثيق عشرين سيرة وبين اكتمال نشر عشرين سيرة تاريخية مدققة ومتاحة للجمهور.
فالبيان المنشور يوثق النشاط التدريبي والتوثيقي، لكنه لا يقدم بمفرده جردًا نهائيًا لجميع السير المنشورة.
الشهادة الشخصية ليست الحقيقة التاريخية كاملة
كلثوم محمد سعيد تعرض شهادة ميلادها التاريخية داخل منزلها في مدينة عدن، في صورة توضح أهمية الوثائق العائلية والشهادات الشخصية في حفظ ذاكرة النساء وتاريخ الحياة اليومية. تصوير: رويترز، أيلول 2022
تحتل الشهادات الشفهية مكانة مهمة في البحث التاريخي، خصوصًا عندما تتعلق بتجارب لم تترك وراءها وثائق رسمية كثيرة.
لكن الباحث في التاريخ الشفهي يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مصدرًا يحتاج إلى قراءة نقدية.
فالإنسان يتذكر الأحداث من موقعه الخاص، وقد تتغير بعض التفاصيل في ذاكرته مع مرور الزمن أو نتيجة التجارب اللاحقة.
ولا يجعل ذلك الشهادة عديمة القيمة.
بل يحدد طبيعتها: فهي مصدر لفهم ما يتذكره الإنسان، وكيف يفسّر ما عاشه، وما المعاني التي يمنحها لتجربته.
أما الوقائع القابلة للتحقق، مثل تاريخ حدث معين أو اسم مؤسسة أو تسلسل واقعة عامة، فيمكن مقارنتها بوثائق وشهادات ومصادر أخرى عندما تكون متاحة.
وهذا ما تؤكد عليه إرشادات جمعية التاريخ الشفهي (Oral History Association)، التي تدعو إلى توثيق سياق المقابلات، والمحافظة على سلامة المواد الأصلية، والتحقق من المعلومات التي تُقدّم باعتبارها وقائع تاريخية.
وفي حالة «أرشيف المرأة اليمنية»، تبرز ضرورة الحفاظ على الفروق بين النص الأدبي، والمقابلة المسجلة، والسيرة البحثية، والعمل الفني.
فكل منها ينتج معرفة من نوع مختلف، ويحتاج إلى معايير مناسبة في التوثيق والإحالة والحفظ.
الموافقة ليست توقيعًا واحدًا
من أكثر الأسئلة حساسية في مشروعات الأرشفة المرتبطة بالنساء مسألة الموافقة على جمع الشهادات واستخدامها.
فالموافقة على إجراء مقابلة لا تعني بالضرورة الموافقة على نشرها كاملة عبر الإنترنت.
والموافقة على الاحتفاظ بصورة داخل أرشيف لا تمنح تلقائيًا الحق في استخدامها داخل معرض فني أو فيلم أو حملة إعلامية.
كما أن نشر اسم المشاركة وصورتها وصوتها قد يحمل تبعات مختلفة عن نشر نص مجهول الهوية.
لهذا، تميّز الممارسات المهنية الجيدة بين الموافقة على التسجيل، والموافقة على الحفظ، والموافقة على الإتاحة العامة، وإعادة الاستخدام لاحقًا.
وتوصي جمعية التاريخ الشفهي بالحصول على موافقة مستنيرة وموثقة، وتوضيح الغرض من المقابلة وطرق حفظها وإتاحتها، ومنح صاحبة الشهادة فرصة لمراجعتها قبل النشر عندما يكون ذلك ممكنًا.
كما تؤكد ضرورة احترام طلبات الامتناع عن الإجابة، أو تقييد الوصول، أو استخدام اسم مستعار ضمن شروط متفق عليها.
في الموقع الرسمي لـ«أرشيف المرأة اليمنية»، وفي المواد العامة التي راجعناها لإعداد هذا التقرير، يتكرر التأكيد على توفير مساحة آمنة للنساء وعلى احترام أصواتهن وتجاربهن.
لكننا لم نعثر ضمن هذه المصادر على سياسة منشورة تفصّل نماذج الموافقة المعتمدة لجميع المشروعات، أو إجراءات مراجعة المواد قبل إتاحتها، أو آلية التعامل مع طلبات التقييد والسحب.
هذا لا يعني أن المشروع لا يعتمد إجراءات داخلية للموافقة والحماية. بل يعني أن المعلومات المتاحة علنًا لا تكفي لتقييمها بصورة مستقلة.
ومن هنا تبرز أسئلة ينبغي أن تكون جزءًا من أي مراجعة مهنية لهذا النوع من الأرشيفات.
هل تحصل المشارِكة على نسخة واضحة من شروط الاستخدام؟ وهل تستطيع اختيار نشر اسمها أو إخفائه؟ وهل يحق لها مراجعة المقابلة أو طلب حجب أجزاء منها؟ وهل توجد آلية للتعامل مع تغيير موقفها من نشر المادة بعد سنوات؟
هذه ليست مسائل شكلية، بل ترتبط بقدرة صاحبة الحكاية على التحكم في الطريقة التي تُستخدم بها تجربتها.
عندما يصبح النشر خطرًا محتملًا
تزداد أهمية الخصوصية عندما يتناول التوثيق تجارب حساسة، مثل العنف أو النزوح أو النزاعات العائلية أو المواقف السياسية.
فقد تكشف شهادة منشورة عن موقع صاحبتها أو هويتها أو علاقاتها الاجتماعية، حتى إذا حُذف اسمها المباشر.
وأحيانًا يمكن جمع تفاصيل صغيرة من نصوص وصور ومقاطع صوتية مختلفة لإعادة التعرف إلى شخصية أرادت البقاء مجهولة.
ولا يتعلق الخطر بالمرأة وحدها؛ فقد تمتد آثار نشر بعض المعلومات إلى أفراد من أسرتها أو أشخاص آخرين تذكرهم في شهادتها.
ولهذا، فإن حماية الخصوصية لا تتحقق بحذف الأسماء فقط.
قد تتطلب أيضًا مراجعة المعلومات التي تكشف العنوان أو مكان العمل أو العلاقات العائلية أو تفاصيل الأحداث، وتقدير احتمالات تعرّف الآخرين إلى صاحبة المادة.
كما أن الصورة الرقمية قد تحتوي على بيانات تقنية أو علامات بصرية تساعد على تحديد مكان التقاطها أو توقيتها.
في هذه الحالات، تصبح عملية مراجعة المحتوى قبل النشر جزءًا من السلامة، لا مجرد إجراء تحريري.
ومن المهم التوضيح أن هذه المخاطر عامة في أعمال توثيق التجارب الحساسة، ولا تشكل دليلًا على وقوع تسريب أو ضرر محدد داخل «أرشيف المرأة اليمنية».
فالتحقق من وجود حادثة فعلية يحتاج إلى وقائع وشهادات مستقلة، وهي غير متوافرة لدينا في المصادر التي راجعناها.
أين تُحفظ الحكايات؟
تعمل مبادرة «أرشيف المرأة اليمنية» عبر منصات رقمية، ويتيح موقعها منشورات ومعلومات عن المشاركات والمشاريع.
لكنّ نشر المادة الرقمية لا يساوي بالضرورة حفظها أرشيفيًا على المدى الطويل.
فالأرشفة المستدامة تتطلب التفكير في مكان حفظ النسخ الأصلية، وآليات النسخ الاحتياطي، وإدارة صلاحيات الوصول، ومراقبة سلامة الملفات، وتوثيق أي تعديلات تطرأ عليها.
كما تحتاج إلى خطة للتعامل مع فقدان البيانات أو توقف المنصة أو تغير الجهات المشرفة عليها.
وتؤكد الإرشادات المهنية لجمعية التاريخ الشفهي أهمية الاحتفاظ بالمواد في صيغ مناسبة للحفظ، مع توثيق البيانات الوصفية والحقوق والقيود المرتبطة بالوصول.
ويمكن أن تشمل المعلومات الوصفية تاريخ التسجيل، ونوع المادة، والجهة التي أنتجتها، ومصدرها، والقيود التي وافقت عليها المشاركة.
لكن بعض هذه المعلومات نفسها قد يكون حساسًا، ما يجعل الفصل بين البيانات الداخلية والبيانات المنشورة للجمهور ضرورة مهنية.
أما بالنسبة إلى المشروع اليمني، فلا تسمح المعلومات العامة المتاحة لنا بتحديد طريقة تخزين جميع مواده الأصلية، أو الأنظمة التقنية المستخدمة لإدارة صلاحيات الوصول إليها.
وهذه فجوة معرفية لا ينبغي ملؤها بالتخمين.
فالمطلوب ليس بالضرورة نشر تفاصيل تقنية قد تعرّض أمن الأرشيف للخطر، بل توفير قدر مناسب من الشفافية حول مبادئ الحفظ وحماية المعلومات والمسؤولية عن إدارتها.
هل يمكن أن نحتفظ بالقصة ونحجبها في الوقت نفسه؟
قد يبدو أن الغاية الطبيعية لأي أرشيف هي جعل مواده متاحة لأكبر عدد ممكن من الناس.
لكنّ هذه الفكرة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالشهادات الشخصية.
فقد ترغب امرأة في الاحتفاظ بتجربتها للأجيال المقبلة، لكنها لا تريد إتاحتها حاليًا للجمهور.
وقد توافق أخرى على نشر جزء من مقابلة، مع إبقاء بقية التسجيل محجوبًا.
وهناك شهادات ربما يكون الحفاظ عليها ضمن مجموعة مقيّدة الوصول أفضل من نشرها فورًا.
وتتيح بعض الممارسات الأرشيفية المهنية فرض قيود زمنية أو شروط خاصة للاطلاع، وفق طبيعة المادة والاتفاق مع صاحبتها.
هذا لا يتناقض مع مهمة حفظ الذاكرة.
بل يوضح أن الحفظ والإتاحة ليسا الأمر نفسه.
فيمكن للمادة أن تبقى محفوظة من دون أن تكون منشورة للجميع.
وفي الحالات الحساسة، قد يكون تأجيل النشر أو عدم النشر أصلًا قرارًا مسؤولًا، إذا كانت مخاطره أكبر من فوائده المحتملة.
وهنا يصبح احترام الصمت جزءًا من أخلاقيات الأرشفة.
فليس كل ما تستطيع المؤسسة تسجيله ينبغي لها نشره.
مَن يملك الرواية… ومَن يمول حفظها؟
تثير المشاريع الأرشيفية المستقلة سؤالًا آخر يتعلق بالتمويل والاستدامة.
فوفق المواد المنشورة، استفاد «أرشيف المرأة اليمنية» من دعم السفارة الهولندية ومن منحة عبر الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق».
كما تطور عمله عبر شراكات ثقافية، من بينها نشاط أُقيم في متحف العالم بمدينة روتردام في تشرين الأول 2025.
وفي مقابلة «آفاق» المنشورة في آب 2026، تحدثت سبأ حمزة عن تأثير التمويل الخارجي في إمكانات الإنتاج الثقافي وفي تحديد القصص التي تحصل على فرص الظهور.
وهذا لا يثبت أن جهة داعمة تدخلت في مضمون مشروع الأرشيف أو فرضت عليه رواية معينة.
لكنه يلفت الانتباه إلى تحدٍّ تواجهه مؤسسات ثقافية مستقلة عديدة: كيف يمكن تأمين الموارد المالية والتقنية من دون فقدان القدرة على تحديد الأولويات البحثية والتحريرية؟
فالعمل الأرشيفي يحتاج إلى تمويل طويل الأمد، لا سيما إذا كان الهدف حفظ المواد الرقمية لسنوات أو عقود.
كما يحتاج إلى كوادر تتولى الفهرسة والتوثيق والحماية والتدريب.
ومن دون استدامة مؤسساتية، قد تتوقف مشاريع مهمة عند حدود التمويل المتاح، حتى عندما تنجح في إنتاج مواد ذات قيمة تاريخية وثقافية.
أرشيف يكتب الحاضر… لكن كيف سنقرأه بعد خمسين عامًا؟
بعد أربع سنوات على انطلاق المشروع، يمكن توثيق عدد من إنجازاته المعلنة: إنتاج أعمال أدبية وبصرية بمشاركة يمنيات من مناطق متعددة، وإطلاق نسخة ثانية أكثر اتساعًا من «جدارية هنّ»، وتدريب باحثات وكاتبات على توثيق سير نسائية ضمن مشروع «منوّر».
كما تتيح منشوراته الاطلاع مباشرة على نصوص وأعمال فنية تحمل أسماء صانعاتها.
لكنّ قياس نجاح الأرشيف على المدى الطويل يحتاج إلى معايير إضافية.
هل ستكون المواد محفوظة بصورة يمكن الوصول إليها بعد عقود؟ وهل يمكن للباحث معرفة مصدر الشهادة وسياق إنتاجها؟ وهل تستطيع المشاركات معرفة كيفية استخدام موادهن؟ وهل توجد إجراءات تسمح بحماية الشهادات الحساسة؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة المبادرة، بل تتصل بطبيعة المهمة التي اختارتها لنفسها.
فالأرشيف الذي يهدف إلى مواجهة تغييب النساء عن التاريخ يحتاج إلى ضمان ألا تفقد النساء السيطرة على قصصهن في أثناء محاولة إنقاذها من الغياب.
والحماية هنا لا تعني إخفاء التجارب أو منع تداولها، بل بناء علاقة واضحة وعادلة بين صاحبة الشهادة والباحثة والمؤسسة والجمهور.
الذاكرة التي تستحق الحفظ… والنساء اللواتي يستحققن الحماية
حين نتحدث عن تاريخ اليمن، تتقدم عادة الأحداث السياسية والحروب والتحولات الكبرى إلى الواجهة.
لكنّ الحياة التي جرت بينها لا تقل أهمية.
هناك تفاصيل عن المدارس والهجرة والعلاقات العائلية والرعاية والعمل والإبداع، وهي تفاصيل قد تختفي من السرد التاريخي إذا لم تجد من يجمعها ويحفظها.
يحاول «أرشيف المرأة اليمنية» توسيع هذا السرد عبر منح النساء مساحة لإنتاج المعرفة عن تجاربهن.
وتظهر أهمية المشروع في اعترافه بأن التاريخ يمكن أن يُكتب من خلال حكاية وقصيدة ورسمة وشهادة، لا من خلال الوثائق الرسمية وحدها.
لكن هذه الفكرة نفسها تفرض مسؤولية مضاعفة.
فحين يتحول صوت امرأة إلى مادة أرشيفية، يصبح على الجهة الحافظة أن تفكر في مستقبل القصة ومستقبل صاحبتها معًا.
ليس الإنجاز أن نحفظ أكبر عدد ممكن من الحكايات، بل أن نحفظها بطريقة تحترم من عاشتها، ومن اختارت روايتها، ومن فضّلت الاحتفاظ بجزء منها لنفسها.
فالتاريخ الذي يسعى إلى إنصاف النساء لا ينبغي أن يبدأ بأخذ حقهن في تقرير ما يُروى عن حياتهن.
وإذا كان الأرشيف يقاوم النسيان، فإن الاختبار الحقيقي له هو أن يحفظ الذاكرة من دون أن يحوّل أصحابها إلى مجرد مواد محفوظة.
يضمّ قسم التحرير في «المسمار» نخبةً من الكفاءات العربية الشابة، بخلفيات أكاديمية وعلمية متنوّعة. يجمعهم نهجٌ تحريري يقوم على البحث والتدقيق والتحليل النقدي، لكشف ما وراء الأحداث، وتفكيك السرديات الجاهزة، وطرح الأسئلة التي تستحق الإجابة.