المسمار منصة إعلامية عربية مستقلة، تقدّم صحافة استقصائية وتحليلية ومعرفية تبحث فيما وراء الخبر، وتتناول القضايا المجتمعية والثقافية والعلمية والفنية من خلال البحث، والتحليل، والتحقق، والسرد الصحافي المعمّق.
في 17 تشرين الأول 2026، افتُتحت الدورة الثامنة من معرض «تراثنا» للحرف اليدوية والمنتجات التراثية، الذي ينظمه جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في مصر، ويستمر حتى 24 تشرين الأول.
يشارك في المعرض أكثر من ألف مشروع وعارض، يمثلون 32 قطاعًا حرفيًا وتراثيًا، في تظاهرة تجمع صناعات تقليدية من مناطق مصرية مختلفة، إلى جانب مشاركات عربية ودولية.
من الخيامية وصناعة الصدف، إلى الفخار والزجاج المنفوخ والمشغولات الجلدية والنسيج اليدوي، تبدو المعروضات وكأنها معرض مفتوح لذاكرة شعوب كاملة.
وتشارك المملكة المغربية ضيفَ شرف في الدورة الحالية، إلى جانب الإمارات والجزائر وتونس ولاتفيا، في مشهد يؤكد أن الحرف التقليدية ليست مجرد منتجات محلية، بل لغة ثقافية تتجاوز الحدود.
لكن السؤال الذي لا تجيب عنه أعداد العارضين وحدها هو: ماذا يحدث للحرفيين بعد انتهاء المعرض؟
هل تتحول المشاركات إلى عقود مستمرة وفرص بيع حقيقية؟ وهل يستطيع العارض العودة إلى ورشته وقد أصبح أكثر قدرة على تأمين دخله؟ أم أن بعض المكاسب تظل مرتبطة بأيام المعرض وحدها؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا بأهمية المعارض، بل محاولة لفهم ما إذا كانت قادرة على تحويل الاهتمام المؤقت إلى استدامة اقتصادية.
في حارة النحاسين… مهنة تبحث عمّن يرثها
حرفي مصري ينقش الزخارف على صينية نحاسية باستخدام أدوات تقليدية، في حرفة تعتمد على الخبرة والدقة والعمل اليدوي. المصدر: الخبر المصري.
بعيدًا عن القاعات المضاءة، تتكشف صورة مختلفة في حارة النحاسين بمنطقة الجمالية في القاهرة.
هناك، أمضى الحرفي مسعد محمد نحو 45 عامًا في التعامل مع النحاس، بين التشكيل والنقش والتطعيم والتلميع.
وفي تقرير نشرته صحيفة «الشروق» في 30 حزيران 2026، تحدث مسعد عن ارتفاع تكلفة المواد الخام وصعوبة استمرار الأجيال الجديدة في المهنة.
وأشار إلى أن بعض القطع تحتاج إلى أشهر من العمل قبل أن تصبح جاهزة للبيع.
لكن المفارقة الأكثر دلالة في حكايته أن أبناءه لم يواصلوا مهنة والدهم.
فالرجل الذي قضى عقودًا في الحفاظ على مهارات ورثها عن أسرته، رأى أبناءه يتجهون إلى مجالات عمل أخرى.
لا يمكن تحويل تجربة حرفي واحد إلى حكم شامل على كل العاملين في الصناعات التقليدية، لكنها تكشف أزمة تواجه بعض التخصصات التي تتطلب سنوات من التدريب، من دون أن تضمن عائدًا يتناسب مع الجهد المبذول.
فإذا كان تعلّم الحرفة يحتاج إلى وقت طويل، بينما يستطيع الشاب الحصول على دخل أسرع من عمل آخر، فما الذي سيدفعه إلى اختيار مهنة صعبة ومكلفة؟
وهنا تصبح حماية التراث قضية اقتصادية واجتماعية، لا مجرد مسألة ثقافية.
الخطر ليس في اختفاء القطعة… بل في ضياع طريقة صنعها
يمكن للمتحف أن يحتفظ بسجادة عمرها مئة عام، ويمكن للأرشيف أن يوثّق صورة لمشغولة نحاسية نادرة.
لكن ماذا يحدث عندما يختفي آخر شخص يعرف كيف يصنعها؟
في 17 تشرين الأول 2026، نقلت صحيفة «الشروق» عن الباحث في التراث أسامة الغزالي تحذيره من تراجع بعض الحرف التقليدية، بينها صناعة السلال النوبية والكليم التقليدي وبعض تقنيات المشغولات المعدنية.
وأوضح أن تقييم خطر الاندثار يجب أن يعتمد على عدد الممارسين، وقدرة المهنة على جذب متعلمين جدد، ومدى استمرار نقل الخبرات.
ومن الأمثلة التي أشار إليها صناعة الفخار السيوي التقليدية، التي تتطلب معرفة تفصيلية بنوع الطين وطريقة تحضيره وتشكيله وزخرفته.
فالاحتفاظ بالقطعة النهائية لا يعني الاحتفاظ بالحرفة.
هذه الفكرة تجد ما يدعمها في موقف اليونسكو.
ففي عام 2020، أُدرج النسيج اليدوي في صعيد مصر على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل.
وأشارت المنظمة إلى أن ارتفاع تكاليف المواد الخام، وضعف الجدوى الاقتصادية، وتراجع انتقال المهارات بين الأجيال، من أبرز التحديات التي تهدد استمرار هذا الفن.
وهنا تظهر حقيقة يغفل عنها كثيرون: التراث ليس الشيء الذي يبقى بعد رحيل الحرفي فحسب، بل المعرفة التي يحملها في يديه.
الدولة تعترف بالعقبات… لكن هل تكفي الحلول؟
ليست مشكلات الحرفيين غائبة عن النقاش الرسمي.
ففي نيسان 2026، عقد وزير الصناعة المصري خالد هاشم اجتماعًا مع ممثلي غرفة صناعة الحرف اليدوية، تناول صعوبات تواجه القطاع.
وشملت التحديات المطروحة نقص بعض مستلزمات الإنتاج، والرسوم الجمركية، وصعوبة تسوية الأوضاع القانونية للورش، وتعقيدات الترخيص، وقلة المدربين المؤهلين، والحاجة إلى التمويل والتسويق.
وتعني هذه القائمة أن التحدّي لا يكمن في نقص الاهتمام بالمنتج التراثي وحده.
فهناك سلسلة كاملة تبدأ بالحصول على الخامات، وتمرّ بالتدريب والإنتاج والتصميم، وصولًا إلى التسويق والبيع.
وقد تكون إقامة معرض ناجح خطوة مهمة في هذه السلسلة، لكنها ليست بديلًا عن معالجة بقية حلقاتها.
من جهة أخرى، أطلقت مصر استراتيجية وطنية للحرف اليدوية للفترة 2025–2030، تستهدف رفع قيمة صادرات القطاع إلى 600 مليون دولار بحلول عام 2030، واستحداث 120 ألف فرصة عمل.
وهذه أهداف رسمية معلنة، وليست نتائج تحققت بالفعل.
ويُفترض أن يقاس نجاحها لاحقًا بمؤشرات ملموسة: عدد المشروعات التي استمرت، وزيادة دخل الحرفيين، وفرص التدريب الفعلية، وحجم المبيعات والصادرات، ومدى تحسن ظروف العمل.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القطع التي تعرضها المؤسسات، بل أيضًا بعدد الأشخاص الذين يستطيعون الاستمرار في صناعتها.
النساء يصنعن التراث… فهل يحصلن على فرص مستدامة؟
شابة مصرية تعمل على نول خشبي لصناعة المنسوجات اليدوية، ضمن جهود دعم المهارات التقليدية وفرص العمل في المجتمعات المحلية. المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تكشف الدورة الحالية لمعرض «تراثنا» جانبًا مهمًا من حضور النساء في الصناعات اليدوية.
فبحسب بيانات جهاز تنمية المشروعات، ترتبط نحو 70% من معروضات الدورة الحالية بمشروعات ومنتجات تقدمها أو تديرها نساء وفتيات.
وهذا الرقم يعكس حجم حضور المرأة في النشاط المعروض، لكنه لا يعني بالضرورة أن النساء يحصلن على 70% من إيرادات القطاع أو يمتلكن النسبة نفسها من جميع ورشه ومؤسساته.
وهنا يجب التمييز بين المشاركة الاقتصادية والتمكين الاقتصادي المستدام.
فالمرأة التي تنتج المشغولات من منزلها قد تمتلك مهارة عالية، لكنها تحتاج أيضًا إلى وسائل بيع، وقدرة على تسعير عملها، وفرص تدريب، وحماية قانونية وتنظيمية مناسبة لطبيعة نشاطها.
ولا يكفي أن تظهر المنتجات النسائية في واجهات المعارض، إذا لم تتحول هذه المشاركة إلى قدرة على الاستمرار والاستقلال المالي.
ومن هنا يمكن النظر إلى المعارض بوصفها فرصة، لا بوصفها حلًا نهائيًا.
المغرب ومصر… عندما تلتقي الحرف العربية في سوق واحدة
تمنح مشاركة المغرب ضيفَ شرف معرض «تراثنا 2026» فرصة لطرح سؤال عن مستقبل الحرف على مستوى عربي أوسع.
فالجناح المغربي يضم منتجات من النحاس والزرابي وخشب العرعار والأزياء التقليدية، بما يعكس تنوع المهارات والتقاليد الحرفية في البلاد.
وتشترك الأسواق العربية في امتلاك تقاليد غنية من النسيج والخزف والزخرفة والخشب والمعادن، وإن اختلفت ظروف الإنتاج والتسويق والتنظيم من بلد إلى آخر.
ولا يصح اعتبار جميع الحرف العربية مهددة بالاندثار بالدرجة نفسها.
فبعض القطاعات نجح في تطوير التصاميم والوصول إلى أسواق عالمية، فيما تواجه تخصصات أخرى صعوبات حقيقية في جذب المتدربين أو توفير دخل مستقر.
لكن التعاون بين التجارب العربية يمكن أن يفتح آفاقًا لتبادل التدريب والخبرات، وتطوير التصميم، والترويج التجاري للمنتجات الحرفية.
ويبقى السؤال عن موقع الحرفي الأصلي داخل هذه العملية.
فحين يتحول التراث إلى علامة تجارية جذابة، ينبغي ألّا تختفي أسماء صانعيه خلف أسماء الشركات والوسطاء والجهات المسوّقة.
حين يصبح العمل اليدوي سلعة فاخرة… مَن يحصل على قيمته؟
تحظى بعض المشغولات التقليدية بقيمة عالية لدى المشترين، بسبب ندرتها أو جمالها أو ارتباطها بتاريخ ثقافي معين.
لكن السعر الذي يدفعه المستهلك لا يساوي بالضرورة ما يحصل عليه الحرفي.
فبين الورشة والمتجر، قد تمر القطعة بمراحل تتضمن النقل والتخزين والتسويق والتوزيع، ولكل منها تكلفته ومساهمته المشروعة.
ولا يمكن اتهام هذه الحلقات باستغلال الحرفيين من دون بيانات عن الأسعار وهوامش الربح والعقود.
ومع ذلك، فإن فهم كيفية توزيع القيمة الاقتصادية بين المنتج والمسوّق والبائع أمر أساسي عند تقييم عدالة السوق.
فإذا استغرق الحرفي أسابيع في صناعة قطعة، فلا يكفي أن نعرف سعرها النهائي لمعرفة ما إذا كان عمله مجزيًا.
يجب معرفة تكلفة المواد الخام، وساعات العمل، ونفقات الورشة، والعمولات، والعائد الصافي الذي يبقى لصاحب المهنة.
ومن دون هذه المعلومات، قد تتحول النقاشات حول «دعم التراث» إلى عبارات عامة، يصعب اختبار أثرها الفعلي على العاملين.
حرفي مصري يعمل على تطريز قطعة من الخيامية التقليدية، مستخدمًا الإبرة والخيط لتشكيل زخارف مستوحاة من الفن الشعبي المصري. حقوق الطبع والنشر: Christopher Wilton-Steer
التصميم الحديث… إنقاذ للحرفة أم تغيير لهويتها؟
تواجه الصناعات التقليدية تحديًا آخر يتعلق بعلاقتها بالذائقة المعاصرة.
فهل ينبغي الحفاظ على القطع بالشكل نفسه الذي صُنعت به قبل مئة عام؟ أم تطويرها لتناسب البيوت والملابس والأسواق الحديثة؟
لا توجد إجابة واحدة لجميع الحرف.
فبعض تقنيات الإنتاج التقليدية تشكّل جوهر الهوية التراثية للعمل، ويستحق الحفاظ عليها عناية خاصة. لكن ذلك لا يمنع تطوير الوظائف والألوان والأحجام والتصاميم.
يمكن للحرفي أن يحافظ على مهارة التطريز المتوارثة، ويستخدمها في منتج جديد يناسب مستهلكًا معاصرًا.
وهنا يؤدي المصممون والفنانون دورًا مهمًا في وصل المعرفة التقليدية بالاحتياجات الحديثة.
لكنّ التعاون الحقيقي ينبغي أن يعترف بمساهمة الحرفي، لا أن يحوّله إلى منفّذ مجهول لتصميم يُنسب بالكامل إلى جهة أخرى.
فالحرفة ليست مجرد تقنية إنتاج يمكن فصلها عن الأشخاص الذين حملوا تاريخها وطوروها.
مَن ينقذ التراث من التحول إلى ذكرى؟
حين يغلق معرض «تراثنا» أبوابه في 24 تشرين الأول، سيعود العارضون إلى ورشهم ومنازلهم، حاملين حصيلة أيام من البيع والتعارف والترويج.
وقد تفتح المشاركة لبعضهم أسواقًا وفرصًا جديدة، وهو جانب لا يجوز تجاهله.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الاحتفال.
هل يجد الحرفي مواد خام يستطيع شراءها؟ وهل توجد ورشة تستقبل متدربين جدد؟ وهل تتوافر أسواق تشتري المنتجات بصورة منتظمة؟ وهل يمكن للمهنة أن تمنح صاحبها حياة اقتصادية مستقرة؟
إن المحافظة على التراث لا تعني إبقاء كل حرفة على حالها إلى الأبد، ولا حماية المنتجات من التغيير.
بل تعني توفير الظروف التي تسمح للمهارات والمعارف بالاستمرار والتطور، بحيث يبقى التراث حيًا بين الناس، بدل أن يتحول إلى شاهد على حياة لم تعد موجودة.
يمكننا شراء سجادة قديمة، أو قطعة فخار، أو تحفة نحاسية، والاحتفاظ بها لعشرات السنين. لكننا لا نستطيع شراء الخبرة التي ضاعت برحيل آخر من أتقنها.
وإذا كانت معارضنا تنجح في تسويق ما تصنعه الأيدي، فالسؤال الذي يجب أن نطرحه هو: هل ننجح بالقدر نفسه في حماية مستقبل أصحاب تلك الأيدي؟