في مكان بعيد من النظام الشمسي، بين مداري المريخ والمشتري، تدور صخرة فضائية يبلغ قطرها نحو 55 كيلومتراً.
لا تبدو هذه الصخرة، التي تحمل الاسم العلمي «269 جوستيتيا» (269 Justitia)، مختلفة كثيراً عن آلاف الكويكبات المنتشرة في المنطقة نفسها.
لكن العلماء اكتشفوا شيئاً غريباً في الضوء المنعكس عن سطحها.
فخصائص هذا الضوء تشبه ما رُصد على أجسام جليدية تقع وراء مدار نبتون، على مسافات أبعد بكثير من موقع الكويكب الحالي.
وهذا التشابه يثير احتمالاً مثيراً: هل وُلد جوستيتيا في أطراف النظام الشمسي، ثم انتقل قبل مليارات السنين إلى الحزام الواقع بين المريخ والمشتري؟
للإجابة عن هذا السؤال، تستعد دولة الإمارات العربية المتحدة لإطلاق مهمة فضائية طموحة تتضمن زيارة سبعة كويكبات، قبل الوصول إلى جوستيتيا ومحاولة ملامسة سطحه بمسبار صغير.
وفي الأول من تشرين الأول 2026، أعلن معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي اكتمال تطوير المسبار المخصص لهذه المرحلة من المهمة، تمهيداً لدمجه بالمركبة الفضائية الرئيسية.
وإذا سارت الأمور وفق الخطة، فستبدأ الرحلة عام 2028، ولن تبلغ محطتها الأخيرة قبل عام 2036.
لكن لماذا يستحق كويكب بعيد كل هذه السنوات من العمل؟
صخرة حمراء في المكان الخطأ
يُعرف حزام الكويكبات بأنه منطقة واسعة تضم أعداداً كبيرة من الأجرام الصخرية التي بقيت من المراحل الأولى لتشكّل النظام الشمسي.
ويعتقد العلماء أن هذه الأجسام تحتفظ بمعلومات عن المواد والظروف التي كانت موجودة عندما تكوّنت الكواكب قبل نحو 4.6 مليارات سنة.
لكن جوستيتيا يتمتع بخاصية غير معتادة.
ففي دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة The Astrophysical Journal Letters، حلّل فريق دولي بقيادة الباحث الياباني سوناو هاسيغاوا الخصائص الطيفية لكويكبين هما جوستيتيا وبومبيجا.
وأظهرت النتائج أن انعكاس الضوء عن سطحيهما يزداد بوضوح نحو الأطوال الموجية الحمراء، بدرجة تشبه أجساماً موجودة في المناطق الخارجية الباردة من النظام الشمسي.
ولا يعني وصف الكويكب بأنه «أحمر» أنه يظهر بالضرورة بلون أحمر ساطع للعين البشرية؛ فالمقصود هنا خاصية طيفية يقيسها العلماء باستخدام أدوات رصد متخصصة.
وتشير هذه الخصائص إلى احتمال وجود مواد عضوية معقّدة على السطح، شبيهة بتلك التي رُصدت على بعض الأجسام البعيدة وراء نبتون.
ومن هنا نشأت فرضية أن جوستيتيا ربما تكوّن بعيداً عن الشمس، قبل أن تغيّر التفاعلات الجاذبية موقعه خلال المراحل المبكرة من تشكّل الكواكب.
لكنها لا تزال فرضية علمية، وليست حقيقة مؤكدة.
فالقياسات الطيفية تقدم أدلة على خصائص السطح، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء المسار الذي قطعه الكويكب عبر مليارات السنين.
ماذا لو كانت الكواكب قد غيّرت أماكنها؟
قد يبدو غريباً أن يولد جسم سماوي في منطقة ثم يستقر في منطقة أخرى.
لكن النظام الشمسي لم يكن دائماً كما نراه اليوم.
تشير نماذج علمية لتاريخ الكواكب إلى أن مدارات بعض الكواكب العملاقة تغيّرت خلال المراحل المبكرة، وأن التفاعلات الجاذبية ربما دفعت أجساماً صغيرة بعيداً عن مواقع تشكّلها الأصلية.
وبحسب هذه النماذج، يمكن أن تحتوي المناطق الداخلية نسبياً من النظام الشمسي على أجسام جاءت من مسافات بعيدة.
إذا ثبت أن جوستيتيا واحد من هذه الأجسام، فستكون دراسته فرصة لاختبار فهمنا لحركة المواد بين مناطق النظام الشمسي.
وقد تساعد خصائصه أيضاً في دراسة كيفية توزّع المواد الغنية بالكربون والمركّبات المتطايرة والمياه خلال تشكّل الكواكب.
لكن الإجابة تحتاج إلى أكثر من لون الكويكب.
فالعلماء يريدون بيانات عن تركيبه الكيميائي، وخصائص سطحه، وطريقة استجابته للحرارة والإشعاع، وتاريخه الجيولوجي.
وهذا هو الجانب العلمي الأساسي في المهمة الإماراتية.

رحلة تمتد خمسة مليارات كيلومتر
تحمل المهمة اسم «مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات» (Emirates Mission to the Asteroid Belt)، واختصارها EMA.
وستستخدم مركبة فضائية رئيسية تُعرف باسم «المستكشف محمد بن راشد» (MBR Explorer).
ووفق الجدول المعلن في تشرين الأول 2026، يُتوقع إطلاق المركبة من اليابان في آذار 2028، ضمن نافذة زمنية ضيقة مرتبطة بمواقع الكواكب وظروف الرحلة.
وتستهدف المهمة قطع مسافة إجمالية تقارب خمسة مليارات كيلومتر خلال ثماني سنوات.
ولن تتجه المركبة نحو جوستيتيا مباشرة.
بل ستستفيد من مناورات المساعدة الجاذبية قرب الزهرة والأرض والمريخ، لتغيير سرعتها واتجاهها والاستفادة من حركة الكواكب في مواصلة الرحلة.
وخلال انتقالها، ستمر قرب ستة كويكبات مختلفة، حيث ستجمع بيانات عن أسطحها وخصائصها الفيزيائية.
أما الوجهة السابعة والأخيرة فستكون جوستيتيا.
وبذلك لا تقتصر المهمة على دراسة جرم واحد، بل تسعى إلى مقارنة أجسام مختلفة تساعد على فهم تنوّع المواد في الحزام الرئيسي للكويكبات.

مسبار صُنع في أبوظبي
في الأول من تشرين الأول 2026، أعلن معهد الابتكار التكنولوجي، التابع لمنظومة البحث والتطوير في أبوظبي، اكتمال تصميم وبناء واختبار المسبار الذي سيُستخدم في المرحلة النهائية من المهمة.
وجرى تطويره عبر مركز بحوث الدفع والفضاء التابع للمعهد، بالتعاون مع وكالة الإمارات للفضاء وجهات علمية وتقنية أخرى، بينها جامعة خليفة وجامعة الإمارات وشركة HEX20.
ومن المقرر إرسال المسبار إلى الولايات المتحدة لدمجه بالمركبة الرئيسية في مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء بجامعة كولورادو بولدر.
ويكشف هذا التعاون عن طبيعة مشاريع استكشاف الفضاء الحديثة.
فحتى عندما يُصمَّم نظام فضائي ويُصنَّع داخل دولة معينة، قد تحتاج المهمة الكاملة إلى شراكات دولية في تطوير المركبة والاختبارات والملاحة والأجهزة العلمية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الفريق الوطني العامل على مختلف أجزاء المشروع يضم أكثر من 150 مهندساً وعالماً.
وبالنسبة إلى الإمارات، لا تقتصر أهمية الإنجاز على امتلاك جهاز فضائي جديد، بل تشمل الخبرة المكتسبة في تصميم الأنظمة التي يجب أن تعمل بصورة مستقلة في بيئات يصعب الوصول إليها.
ومع ذلك، فإن اكتمال تطوير المسبار لا يعني أن المهمة نجحت مسبقاً.
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإطلاق، ثم خلال سنوات الرحلة، وصولاً إلى المرحلة الأكثر صعوبة عند جوستيتيا.

لماذا لا يستطيع العلماء التحكّم بالمسبار لحظة بلحظة؟
عندما تعمل مركبة على مسافات هائلة من الأرض، تصبح الاتصالات معها مختلفة جذرياً عن التحكم بطائرة مسيّرة أو روبوت قريب.
فالإشارات الراديوية تنتقل بسرعة الضوء، لكنها تحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى المركبة والعودة منها عندما تكون على بُعد مئات الملايين من الكيلومترات.
لهذا لا يستطيع المهندسون الاعتماد على إرسال تعليمات فورية لكل حركة.
وقد صُمّم المسبار الإماراتي ليعمل بصورة مستقلة وفق برمجيات وأنظمة معالجة موجودة على متنه.
وبحسب معهد الابتكار التكنولوجي، يستطيع النظام تحديد أوقات التقاط الصور واختيار البيانات التي تستحق الاحتفاظ بها، باستخدام وحدة معالجة إلكترونية طوّرها الفريق.
كما يحمل كاميرتين توفران مجالَي رؤية مختلفين، إحداهما واسعة والأخرى أكثر تخصّصاً في تصوير التفاصيل.
لكن الاستقلالية التشغيلية لا تعني بالضرورة أن المسبار يستخدم نموذج ذكاء اصطناعي توليدياً أو يمتلك قدرة عامة على اتخاذ القرارات.
فكثير من الأنظمة الفضائية تعتمد على خوارزميات تحكم ومعالجة محددة مسبقاً لتنفيذ مهامها من دون تدخل بشري مباشر.
الهدف هنا عملي: تمكين الجهاز من العمل في ظروف يستحيل فيها انتظار الأوامر من الأرض قبل كل خطوة.
هل سيهبط المسبار أم يصطدم بالكويكب؟
تتضمن الخطة وصول المركبة الرئيسية إلى جوستيتيا، ثم إجراء عمليات رصد قريبة على مدى أشهر.
بعد ذلك، سينفصل المسبار الصغير عنها ليتجه نحو السطح.
لكن هذه المرحلة لا تشبه بالضرورة الهبوط الهادئ الذي نشاهده في بعض المهمات القمرية.
فبحسب التفاصيل المنشورة عن تصميم المهمة، قد يلامس المسبار الكويكب بسرعة تصل إلى نحو 27 متراً في الثانية.
وهذا يعني أن الوصول قد يكون أشبه بملامسة اصطدامية، يمكن أن تثير مواد من الطبقة السطحية.
ومن المخطط أن يصوّر المسبار المنطقة أثناء الاقتراب، وأن ينقل البيانات إلى المركبة الأم التي ستكون في موقع يسمح باستقبال الإشارات.
وقد تساعد الصور والمواد المكشوفة نتيجة الاصطدام على دراسة خصائص لا تظهر بوضوح من المدار وحده.
لكن نجاح هذه المرحلة يعتمد على مجموعة من العوامل، بينها دقة الملاحة وموقع الاتصال وقوة التحمل الميكانيكي وأداء أنظمة الاتصالات.
ولا يمكن الجزم مسبقاً بأن جميع الأهداف العلمية ستتحقق.
هل يمكن أن يكشف الكويكب أسرار الحياة؟
يرتبط البحث عن المواد العضوية في الفضاء غالباً بسؤال نشأة الحياة.
لكن يجب التمييز بين وجود المركّبات العضوية ووجود كائنات حية.
فالكيمياء العضوية تشمل مركبات تحتوي على الكربون، ويمكن أن تتكوّن بعمليات طبيعية لا علاقة لها بالكائنات الحية.
وقد رُصدت مواد عضوية في نيازك ومذنبات وأجرام مختلفة من النظام الشمسي.
إذا أكدت قياسات جوستيتيا وجود مركّبات عضوية معقّدة، فقد يساعد ذلك العلماء على فهم ظروف تشكّلها وتطورها وتوزّعها.
لكن مثل هذا الاكتشاف لن يكون دليلاً على وجود حياة قديمة أو حالية على الكويكب.
وتتعلق الأسئلة العلمية الأكثر واقعية بمصدر هذه المواد، وتاريخ تعرضها للإشعاع، وإمكان ارتباطها بمواد جليدية كانت موجودة عندما تشكّل الجرم.
كذلك لا تعني دراسة المركّبات المرتبطة بالمياه أن العلماء يتوقعون العثور على محيط أو بحيرات تحت سطح جوستيتيا.
إنها محاولة لإعادة بناء التاريخ الكيميائي للنظام الشمسي من خلال آثار محفوظة في أجسامه الصغيرة.
لماذا تستثمر الدول في استكشاف الكويكبات؟
قد يتساءل القارئ: ما الجدوى من إنفاق الأموال والجهد للوصول إلى صخرة تبعد ملايين الكيلومترات؟
تتجاوز الإجابة الفضول العلمي.
فمهمات استكشاف الكويكبات تدفع نحو تطوير تقنيات الملاحة الدقيقة، وأنظمة الدفع، والإلكترونيات التي تتحمل الإشعاع، والاتصالات بعيدة المدى، والبرمجيات المستقلة.
كما تسمح بدراسة مواد تعود إلى مراحل مبكرة من تاريخ النظام الشمسي، وقد تفتح مستقبلاً آفاقاً لفهم موارد الأجرام الصغيرة.
لكن ينبغي التمييز بين البحث العلمي والتطبيق الاقتصادي.
فدراسة احتمال وجود موارد على الكويكبات لا تعني أن استخراج المعادن أو المياه منها أصبح مشروعاً تجارياً متاحاً.
وما تزال الجدوى الاقتصادية والتقنية والقانونية لاستغلال موارد الفضاء موضوعاً يحتاج إلى تطوير ودراسة.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، يمكن أن يكون تطوير الخبرات العلمية والهندسية أحد أكثر المكاسب المباشرة واقعية من هذه المشاريع، حتى قبل وصول المركبة إلى هدفها النهائي.
ما الذي تحقق، وما الذي ينتظرنا؟
حتى تشرين الأول 2026، يتمثل الإنجاز المعلن في اكتمال تطوير المسبار المخصص للمرحلة النهائية، واستمرار التحضير للمركبة الرئيسية ومراحل دمج الأنظمة والاختبارات.
أما إطلاق المهمة فما زال مقرراً لعام 2028، والوصول إلى جوستيتيا مستهدفاً في 2036.
ولم تُلتقط بعد صور مباشرة جديدة لسطح الكويكب بواسطة هذه المهمة، ولم يُثبت أصل الجرم في المناطق الخارجية للنظام الشمسي.
ولهذا، فإن أهمية المشروع لا تكمن في إعلان اكتشاف لم يحدث، بل في بناء الأدوات القادرة على اختبار فرضية علمية قائمة.
وإذا نجحت المهمة، فقد تقدم بيانات تساعد على تحسين نماذج تطور النظام الشمسي المبكر، وفهم تاريخ انتقال الأجرام بين مناطقه المختلفة.
لكن الإجابات النهائية ستظل مرتبطة بما ترصده الأجهزة فعلياً، لا بما تتوقعه البيانات الصحافية قبل الرحلة.
رحلة إلى الماضي لا إلى المستقبل فقط
عندما تنطلق المركبة الإماراتية، ستكون متجهة نحو كويكب بعيد، لكنها من الناحية العلمية ستسافر نحو أدلة عن ماضٍ سحيق.
فالأجرام الصغيرة ليست مجرد صخور تسبح في الفراغ؛ إنها بقايا من مراحل سبقت تشكّل الكواكب بالصورة التي نعرفها اليوم.
وقد يحتفظ بعضها بمعلومات فقدتها الكواكب الكبيرة خلال مليارات السنين من النشاط الجيولوجي والتغيرات الداخلية.
أما جوستيتيا، بلونه الطيفي غير المألوف، فيقدم للعلماء لغزاً إضافياً: هل هو كويكب محلي تطور سطحه بطريقة غير معتادة، أم زائر قديم جاء من مناطق أبعد بكثير؟
لم تُحسم الإجابة بعد.
لكن المسبار الذي اكتمل تطويره في أبوظبي يمثل خطوة عملية نحو اختبارها.
وربما لا يكون الاكتشاف الأهم الذي تنتظره هذه الرحلة شيئاً موجوداً على سطح الكويكب، بل القصة التي قد يرويها عن الرحلة الطويلة التي قطعتها مواد النظام الشمسي قبل أن تتشكّل العوالم التي نعرفها اليوم.


