في أيلول الماضي، سلكت قافلة من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الطريق المؤدية إلى بلدة رميش الحدودية.
لم تكن الرحلة عادية.
كانت الآليات تمرّ في منطقة بات الدخول إليها من بقية الأراضي اللبنانية خاضعاً لحواجز أقامها الجيش الإسرائيلي، في مشهد وثّقته وكالة رويترز خلال مرافقتها دورية فرنسية من اليونيفيل.
على الطريق، كانت مبانٍ مدمّرة ومواقع عسكرية إسرائيلية، وفي البلدة بقي آلاف السكان يحاولون الحفاظ على حياتهم اليومية.
قدّرت رويترز عدد المقيمين في رميش بنحو ستة آلاف شخص، ونقلت قلق الأهالي من فقدان صلتهم ببقية لبنان بعد انسحاب القوات الدولية.
لم يكن خوف السكان متعلقاً فقط بمنع اشتباك عسكري جديد، بل أيضاً بوصول الطعام والوقود والبضائع.
فالقوة الدولية التي عجزت عن إنهاء الاحتلال لعبت، رغم محدودية صلاحياتها، دوراً في تسهيل عبور قوافل الإمداد والتنسيق الأمني الذي يسمح بوصولها.
وهنا يظهر أحد أكثر الأسئلة قسوة في ملف الانسحاب:
إذا أصبحت قافلة الأمم المتحدة عاجزة عن مرافقة البضائع، فمَن يضمن وصول شاحنة الخبز والدواء والوقود إلى رميش وعين إبل ودبل والقرى الأخرى التي تحتاج إلى اتصال آمن بمحيطها؟
هذا ليس سيناريو افتراضياً بالكامل.
فرويترز وثّقت في تقريرها المنشور في 16 أيلول إلغاء قوافل إمداد كانت مقررة، ونقلت عن سكان رميش أن بعض المتاجر بدأت تعاني نقصاً في المواد الطازجة والوقود.
وفي المقابل، قال مسؤول عسكري إسرائيلي للوكالة إن إسرائيل تعمل على تسهيل ظروف السكان، وإنها لا تعتبر دور اليونيفيل حاسماً في الجهود الإنسانية.
لكن واقع الحواجز والقيود المفروضة على الحركة يطرح سؤالاً لا يمكن حسمه بالتصريحات: ما الآلية العملية والمضمونة لعبور المدنيين والبضائع عندما تنتهي المهمة الأممية؟
القرار 2790: انسحاب خلال سنة… لا ضمانة بتسلّم الأرض
في 28 آب 2025، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2790، الذي مدّد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026.
ونصّت الفقرة الخامسة على وقف عمليات القوة في هذا التاريخ، وبدء خفض عديدها وانسحاب أفرادها بصورة منظّمة وآمنة، خلال فترة لا تتجاوز سنة.
أي إن نهاية الولاية لا تعني خروج جميع الجنود يوم الأول من كانون الثاني 2027.
بل يدخل وجودهم مرحلة انتقالية تختلف صلاحياتها عن المهمة الأصلية.
وتحدّد الفقرة السادسة من القرار وظائف مسموحة خلال الانسحاب، تشمل حماية الأفراد والمنشآت والقوافل الأممية، والإحاطة بالأوضاع الأمنية قرب المواقع، وإجلاء الأفراد المعرّضين للخطر، والمساهمة ضمن الإمكانات في حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية بقيادة جهات مدنية.
وهذا فرق جوهري.
فالقوة التي تواصل القيام بدوريات ومراقبة الخروق بموجب القرار 1701 حتى نهاية 2026 لن تحتفظ تلقائياً بكامل مهامها السابقة طوال سنة الانسحاب.
ومع تراجع الانتشار، تتغير قدرتها على الوصول إلى المناطق وتوثيق الأحداث والتدخل ضمن صلاحياتها.
لكن ثمة تفصيلاً آخر بالغ الأهمية في القرار نفسه.
فالفقرة التاسعة تطلب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لنقل الأصول الأممية بأمان إلى الجهة المحددة لتسلّمها، وفق الأنظمة المالية والإدارية للأمم المتحدة.
القرار لا يضع، في نصه، جدولاً تفصيلياً يحدد أي موقع سيُسلَّم في أي يوم، ولا كيف سيجري التسليم إذا كانت المنطقة المحيطة به خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
إعلان الانسحاب، إذاً، شيء.
والقدرة العملية على تسليم كل موقع إلى سلطة الدولة اللبنانية شيء آخر.
خمسون موقعاً… وأكثر من نصفها في مناطق الاحتلال
في 14 تشرين الأول 2026، كشف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، أن نحو 7,500 عنصر من اليونيفيل لا يزالون منتشرين في قرابة خمسين موقعاً في الجنوب.
وبحسب تقرير رويترز، يقع معظم هذه المواقع ضمن مناطق باتت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.
ومن بينها مقر قيادة القوة في الناقورة، الذي أصبح الوصول إليه مرتبطاً بالمرور عبر حواجز عسكرية إسرائيلية.
إنها مفارقة يصعب تجاهلها.
فالمواقع التي يُفترض أن تدعم عودة سلطة الدولة اللبنانية إلى الجنوب أصبحت، في جانب كبير منها، داخل نطاق تسيطر عليه قوة احتلال.
وإذا أُخلي موقع أممي في تلك المنطقة، فهل يستطيع الجيش اللبناني الوصول إليه مباشرة؟
وهل يستطيع الجنود الانتشار فيه من دون موافقة الجيش الإسرائيلي أو انسحابه؟
ومَن يتحمل المسؤولية إذا خرجت القوة الأممية ولم تتمكن المؤسسة العسكرية اللبنانية من الدخول؟
هذه الأسئلة لا تجد إجابة تنفيذية معلنة في القرار 2790.
وقد أقرّ لاكروا نفسه، في مقابلات أجراها أثناء زيارته بيروت، بوجود صعوبات في تسلّم المواقع، معتبراً أن معرفة طبيعة القوة الدولية التي قد تحلّ محل اليونيفيل ستساعد على تجنّب إخلاء بعض النقاط قبل اتضاح مستقبلها.
أما الناطقة باسم اليونيفيل، كانديس أرديل، فأكدت لرويترز وجود خطة انسحاب تتضمن إعادة المواقع إلى الجيش اللبناني، مع ضرورة مراجعة تفاصيلها وفق الظروف الأمنية عند التنفيذ.
لكن إعلان النية بالتسليم لا يعادل إثبات إمكان التنفيذ.
فوجود مواقع داخل نطاق احتلال عسكري يجعل أي عملية تسليم مرتبطة بحقيقة ميدانية لا تستطيع القرارات الإدارية تجاوزها وحدها.
الاحتلال لا تنهيه نهاية مهمة أممية
من الضروري التمييز بين وجود اليونيفيل ومسؤولية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
فقوات حفظ السلام ليست جيشاً مخولاً بشن حرب لإجبار إسرائيل على الانسحاب.
ومع ذلك، فإن مجلس الأمن شدّد في قراره 2790 على مطالبة إسرائيل بسحب قواتها من الأراضي الواقعة شمال الخط الأزرق، بما فيها المواقع الخمسة التي كانت تحتفظ بها عند صدور القرار، وإلغاء المناطق العازلة.
وتوسّع الواقع الميداني بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب الجديدة في آذار 2026.
وقد وثّقت تقارير صحافية وتحليلات مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية تدميراً واسعاً للقرى والبنى التحتية داخل المنطقة التي أعلنت إسرائيل أنها منطقة أمنية.
وبرّرت إسرائيل عملياتها بالحاجة إلى إبعاد تهديدات حزب الله عن سكان شمالها، فيما طالبت الأمم المتحدة ولبنان بالانسحاب الإسرائيلي واحترام السيادة اللبنانية.
وتنص القرارات الدولية أيضاً على حصر السلاح والسلطة في الدولة اللبنانية، وعلى أن تكون المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من المظاهر المسلحة غير التابعة للدولة أو القوة الدولية المخوّلة.
لكن تطبيق هذه الالتزامات تعثّر في ظل استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية والخلاف حول سلاح حزب الله.
وبالتالي، فإن انتهاء مهمة اليونيفيل لا يسقط التزامات إسرائيل بالانسحاب، ولا يلغي مسؤوليات الدولة اللبنانية، ولا يعني سقوط القرار 1701.
بل إن انسحاب القوة الدولية سيجعل آلية متابعة الالتزامات وتوثيق الخروق أكثر إلحاحاً.
ماذا سيحدث للخط الأزرق؟
منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، شكّل الخط الأزرق مرجعاً اعتمدته الأمم المتحدة للتحقق من الانسحاب ومراقبة التحركات والخروق.
وهو خط انسحاب، وليس اتفاقاً نهائياً لترسيم الحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل.
وطوال سنوات، راكمت اليونيفيل سجلات وخرائط وتقارير ومعلومات ميدانية تتعلق بهذا الخط والمواقع المتنازع عليها والخروق المسجلة.
كما لعبت دور الوسيط في تبادل الإخطارات العسكرية، عبر قنوات اتصال ساعدت على منع بعض الحوادث من التحول إلى مواجهات أوسع.
وفي 14 تشرين الأول، لفت لاكروا إلى أهمية استمرار وجود طرف ثالث يساعد على تخفيف التوتر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
والسبب واضح.
عندما تتحرك قوات مسلحة في منطقة حساسة، قد يتحوّل سوء تقدير أو تبادل نيران محدود إلى تصعيد.
ولا يملك الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي علاقة عسكرية اعتيادية مفتوحة يمكنها أن تحل بسهولة محل جميع آليات الاتصال والتنسيق الأممية.
ومع غياب اليونيفيل، تصبح الأسئلة التالية ضرورية:
من سيتولى الإبلاغ عن الخروق وتوثيقها؟
من يحتفظ بالأرشيف والخرائط والسجلات الفنية؟
ومن يدير قنوات تفادي الاحتكاك الميداني؟
ومن يضمن إمكانية وصول المراقبين إلى المواقع التي يريدون معاينتها؟
هذه وظائف تختلف عن مجرد وجود قوة عسكرية على الأرض.
فالجيش اللبناني هو صاحب المسؤولية السيادية عن الأمن في أراضيه، لكن المراقبة الدولية المستقلة تحتاج إلى تفويض ووسائل للوصول والتوثيق.
وبقاء مراقبين دوليين بعد انسحاب اليونيفيل لا يعني تلقائياً امتلاكهم عددها أو قدرتها اللوجستية أو مهامها الكاملة.
خطط بديلة مطروحة… من دون قرار
في حزيران 2026، قدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن ثلاثة خيارات للحضور الدولي بعد اليونيفيل.
وبحسب رسالة اطّلعت عليها رويترز، تراوحت التصورات بين حضور محدود للمراقبة وترتيبات أكثر اتساعاً تجمع المراقبين غير المسلحين ووحدات حماية مسلحة.
وتتراوح تقديرات حجم القوة بين نحو 1,980 و5,525 عنصراً، وفق الخيار.
لكنّ الفارق بينها لا يتعلق بالأعداد فقط.
بل بقدرتها على مراقبة الخط الأزرق، والوصول إلى المناطق، واحتواء التوتر، وحماية المراقبين.
ولم يتحول أي من هذه التصورات، حتى 20 تشرين الأول 2026، إلى قرار نهائي بإنشاء مهمة بديلة.
وقد أكد لاكروا خلال زيارته الأخيرة لبيروت أن النقاشات الجدية بشأن الخيارات المطروحة لا تزال مطلوبة، وأن لبنان يرغب في استمرار وجود أممي.
إذن، توجد بدائل على الورق، لكن لا توجد حتى الآن قوة بديلة متفق على ولايتها وعديدها وصلاحياتها.
وهو فارق ينبغي ألا يضيع بين التسريبات الدبلوماسية والتصريحات المتفائلة.
الاتحاد الأوروبي يدخل الملف… لكن ليس بديلاً عن اليونيفيل
في 12 تشرين الأول 2026، اتخذ مجلس الاتحاد الأوروبي قراراً بإنشاء مهمة لدعم لبنان تحت اسم EUSM Lebanon، بولاية أولية مدتها ثلاث سنوات.
وتشمل المهمة جانباً عسكرياً وآخر مدنياً، يركزان على تقديم المشورة والتدريب للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وتعزيز قدراتهما في مراقبة الحدود والأمن البحري والتنسيق العملياتي ومكافحة التهريب.
لكنّ القرار الأوروبي حدّد أيضاً خطوة لاحقة: استكمال التخطيط العملياتي، ثم اتخاذ قرار منفصل لإطلاق المهمة.
وعليه، فإن إنشاء المهمة قانونياً لا يعني أنها بدأت انتشارها الميداني بالفعل.
والأهم أنها، وفق المهام المعلنة، ليست قوة لحفظ السلام تتولى تلقائياً دوريات اليونيفيل أو مرافقة قوافل الأهالي عبر المناطق المحتلة أو رصد الخروق على امتداد الخط الأزرق.
يمكن للمهمة الأوروبية أن تدعم قدرات المؤسسات اللبنانية، لكنّها لا تسدّ بمفردها الفراغ الذي قد ينشأ عن مغادرة آلاف الجنود الأمميين.
وهذا يضع الحكومة اللبنانية أمام تحدّ مزدوج: تطوير قدرات الجيش والأجهزة الأمنية، والتفاوض على ترتيبات دولية تسمح باستمرار المراقبة وتسهيل وصول المساعدات.
الجيش اللبناني: تسلّم مواقع أم تسلّم مستحيل؟
يعتبر القرار 2790 أن الهدف من الانسحاب المنظّم هو أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن توفير الأمن في الجنوب.
وهذا المبدأ ينسجم مع السيادة اللبنانية.
لكنّ السؤال الاستقصائي ليس ما إذا كان الجيش يجب أن يكون صاحب السلطة، بل ما إذا كانت الظروف المادية والأمنية تسمح له بتسلّم المهمات المطلوبة.
فانتشار الجيش يحتاج إلى عناصر ومركبات وقدرات مراقبة واتصالات وهندسة عسكرية وإزالة ألغام وتمويل دائم.
كما يحتاج إلى طرق آمنة ومواقع يمكن الوصول إليها.
وقد حذّر مسؤولو الأمم المتحدة من أن الأنشطة العسكرية المستمرة، والطرقات المتضررة، والذخائر غير المنفجرة، والقيود على الحركة تعرقل الانتشار وإجراءات الانسحاب معاً.
وكان مجلس الأمن قد أشار في قرار 2790 إلى خطة لنشر ستة آلاف عنصر إضافي من الجيش في الجنوب، ودعا المجتمع الدولي إلى توفير الدعم المالي والمادي والعسكري للمؤسسة.
لكنّ وجود هدف معلن للنشر لا يثبت إنجازه في كل المناطق، خصوصاً بعد تغيّر المعطيات الميدانية خلال حرب 2026.
ولذلك يصبح من الضروري نشر خطة واضحة تحدد عدد المواقع التي يمكن تسلّمها، وعدد المواقع المتعذّر الوصول إليها، والاحتياجات اللوجستية والتمويلية التي تعوق التنفيذ.
فالمسألة لا تُقاس بعدد الجنود على الورق وحده، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى أراضيها وممارسة سلطتها عليها.
446 مليون دولار… والفاتورة ليست كلها للبنان
هناك وجه مالي للمهمة لا يظهر عادة في التغطيات الأمنية.
ففي 30 حزيران 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار المالي رقم A/RES/80/282، وخصصت مبلغاً قدره 446,431,200 دولار للفترة الممتدة من 1 تموز 2026 حتى 30 حزيران 2027.
ويشمل هذا المبلغ تمويل مهمة اليونيفيل والدعم الإداري واللوجستي المرتبط بعمليات حفظ السلام.
ومن بين مكوناته نحو 407.6 ملايين دولار لصيانة وتشغيل القوة، إضافة إلى اعتمادات لحساب دعم عمليات حفظ السلام وقواعد الإسناد التابعة للأمم المتحدة خارج لبنان.
هذا المبلغ ليس منحة للبنان، وليس قيمة عقود أُعطيت جميعها لشركات لبنانية، ولا مؤشراً مباشراً إلى الأموال التي ستخسرها الأسواق الجنوبية بانتهاء المهمة.
لكن القرار المالي يحتوي على مواد تكشف بُعداً آخر للانسحاب.
فالجمعية العامة طلبت توضيح تكاليف انتهاء خدمات العاملين في سياق خفض عديد القوة، وشجّعت على مساعدة الموظفين الوطنيين في الانتقال إلى مسارات مهنية أخرى.
كما شدّدت على الالتزام بالمتطلبات البيئية عند إغلاق المواقع، قبل نقلها إلى السلطات المعنية عندما يكون ذلك مناسباً.
أي أن الأمم المتحدة نفسها تتعامل مع انسحاب اليونيفيل بوصفه عملية لها تبعات وظيفية ومالية وعقارية وبيئية، لا مجرد سحب وحدات عسكرية.
والسؤال الذي يستحق المتابعة في الجنوب هو: كم وظيفة محلية سيتأثر بها الانسحاب، وما حجم العقود التي ستنتهي، وكيف ستُحمى حقوق العاملين المتضررين؟
الموظفون المحليون والمقاولون… اقتصاد عاش إلى جانب القواعد
خلال عقود وجودها، أصبحت اليونيفيل جزءاً من النشاط الاقتصادي في بلدات جنوبية عديدة.
وتشمل الآثار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للبعثات الدولية فرص العمل والخدمات والتموين والنقل والصيانة والمشتريات المحلية، لكن حجم كل منها في حالة اليونيفيل يحتاج إلى بيانات دقيقة.
وقد نقلت رويترز في أيلول شهادات لمتعاقدين لبنانيين يعملون في خدمات مرتبطة بالقواعد الدولية، أعربوا عن خشيتهم من خسارة وظائفهم وملاجئهم مع الانسحاب.
هذه الشهادات تكتسب أهمية خاصة لأن اقتصاد الجنوب تعرّض أساساً لضربة قاسية بفعل الحرب والنزوح وتدمير المؤسسات.
وفي مسح أجرته منظمة العمل الدولية خلال أيار 2026 وشمل 2,485 عاملاً في القطاع الخاص على مستوى لبنان، تبيّن أن فقدان العمل بين المستطلعين المتأثرين بالحرب بلغ مستويات مرتفعة جداً في محافظتَي النبطية والجنوب.
لكن لا يمكن استخدام أرقام هذا المسح لحساب عدد الوظائف التي ستضيع بسبب انسحاب اليونيفيل.
فالمسح يتناول آثار الحرب على سوق العمل عموماً، وليس العاملين المرتبطين حصرياً بالقوة الدولية.
ولهذا يحتاج التحقيق المالي إلى لوائح الموظفين اللبنانيين والعقود المحلية والمشتريات، ومقارنة حجم الإنفاق المحلي قبل الانسحاب وبعده.
من دون هذه السجلات، لن يكون دقيقاً القول إن الجنوب سيخسر مبلغاً محدداً من الدولارات لمجرد أن الميزانية الأممية ستنخفض أو تنتهي.
مساعدات المدارس والبلديات… مَن يواصل المشاريع الصغيرة؟
لا يقتصر حضور اليونيفيل في القرى على الدوريات العسكرية.
فالقوة تنفّذ، ضمن إمكاناتها وبرامجها، مبادرات صغيرة لدعم المجتمعات المحلية، وتساعد في تسهيل وصول المساعدات وتأهيل بعض المرافق والخدمات.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت، في حصيلة تغطي السنة الممتدة من تشرين الثاني 2024 إلى تشرين الثاني 2025، أن اليونيفيل نفّذت قرابة 450 مشروعاً ومبادرة صغيرة استجابة لطلبات السلطات المحلية، شملت أنشطة متعلقة بالتعليم والصحة والطاقة والمياه وبناء القدرات.
لكنّ هذه الحصيلة تعود إلى فترة سابقة، ولا تثبت استمرار جميع المبادرات خلال حرب 2026 أو مستقبل تمويلها بعد الانسحاب.
وفي 17 أيلول 2026، نشرت اليونيفيل تقريراً عن أنشطة لدعم المجتمعات المحلية بعد الأعمال العسكرية الأخيرة، بينها معارض للمنتجات المحلية ومبادرات مع البلديات والجهات المجتمعية.
هذه المشاريع لا يمكن مقارنتها بحجم التمويل المطلوب لإعادة إعمار الجنوب.
لكنها، بالنسبة إلى بلدية صغيرة أو مدرسة أو مؤسسة محلية، قد تمثل دعماً عملياً يصعب تعويضه بسرعة.
ويبقى السؤال: هل أعدّت الجهات المحلية جردة بالمشاريع التي تعتمد على دعم اليونيفيل؟ وهل توجد جهة مستعدة لمواصلة تشغيل ما يحتاج منها إلى صيانة أو تمويل مستمر؟
لا يظهر من الوثائق المتاحة وجود خطة انتقالية منشورة وشاملة لجميع هذه الأنشطة.
المواقع العسكرية نفسها… مَن يتحمل مسؤولية الإقفال؟
من بين أبرز نتائج مراجعة القرار المالي للأمم المتحدة وجود بند يتعلق بالإقفال البيئي للمواقع.
فالمواقع المستخدمة لعقود قد تحتوي على منشآت جاهزة، ومولدات كهربائية، وخزانات وقود، وشبكات مياه وصرف صحي، وتجهيزات اتصال وغيرها من الأصول.
ولا يعني ذلك أن هذه المواقع ملوثة أو أن فيها أضراراً بيئية مثبتة.
لكنّ إغلاق منشأة كبيرة يستدعي التحقق من سلامة إزالة التجهيزات أو نقلها، ومعالجة أي مخلفات، وتوثيق حالة العقار قبل التسليم.
ومن هنا تنشأ أسئلة مرتبطة مباشرة بحقوق البلديات وأصحاب الأراضي والدولة:
ما المواقع التي سيُعاد تسليمها؟
ومن هي الجهة التي ستتسلم كل موقع؟
هل ستُنقل بعض التجهيزات إلى المؤسسات اللبنانية بصورة قانونية؟
هل توجد محاضر جرد وتسلّم؟
وهل أُنجز تقييم بيئي قبل الإقفال؟
القرار الدولي يحدد مبادئ عامة، أما إثبات التطبيق فيحتاج إلى ملفات تسليم فعلية.
وفي ظل وجود عدد كبير من القواعد في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، يصبح من الضروري أيضاً معرفة كيفية حماية الموجودات والأراضي خلال الفترة الفاصلة بين إخلاء المواقع والقدرة اللبنانية على الوصول إليها.
هل نجحت اليونيفيل أصلاً؟
لا يكتمل التحقيق إذا تعامل مع اليونيفيل بوصفها قوة نجحت في جميع مهامها.
فالوجود الأممي الممتد منذ 1978 لم يمنع تكرار الحروب الإسرائيلية على لبنان، ولم يؤدِّ إلى تسوية شاملة للحدود أو معالجة نهائية لوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وقد انتقدت الولايات المتحدة وإسرائيل استمرار مهمة اليونيفيل بحجة عجزها عن منع إعادة بناء قدرات حزب الله العسكرية في الجنوب.
في المقابل، تشير الأمم المتحدة إلى أن تفويض القوة وحدود صلاحياتها لا يسمحان لها بالعمل بديلاً عن الجيش اللبناني أو فرض حل سياسي بالقوة، وأنها ساعدت في مراقبة الخروق والتنسيق وفتح الطرق وتسهيل المساعدات.
وحتى خلال حرب 2026، لم يكن جنود حفظ السلام خارج دائرة الخطر.
ففي الرابع من حزيران، أعلنت الأمم المتحدة مقتل سبعة من عناصر اليونيفيل منذ تجدد الأعمال العسكرية في آذار، فضلاً عن إصابة آخرين.
وتشير هذه الوقائع إلى محدودية قدرة القوة الدولية على حماية أفرادها أحياناً، فكيف بحماية جميع سكان منطقة واسعة؟
لكنّ الاعتراف بحدود اليونيفيل لا يجيب وحده عن السؤال الذي يطرحه الانسحاب: هل يؤدي إلغاء دور محدود إلى تحسين الوضع، أم إلى خسارة وظائف كانت تُؤدَّى رغم كل أوجه القصور؟
الحكم على فعالية المهمة يحتاج إلى تقييم مستقل للنتائج والإخفاقات، لا إلى افتراض أنها كانت قادرة على إنهاء الاحتلال أو نزع سلاح طرف لبناني من تلقاء نفسها.
السؤال السياسي: من يقرّر شكل اليوم التالي؟
الجهات المعنية متعددة، لكن صلاحياتها ليست متساوية.
فمجلس الأمن يملك سلطة تحديد التفويض الدولي أو تعديله.
وتتولى الحكومة اللبنانية التفاوض بشأن مستقبل الوجود الدولي، بينما تقع المسؤولية السيادية والأمنية داخل الأراضي اللبنانية على مؤسسات الدولة.
أما إسرائيل، فتتحمل مسؤولية انسحاب قواتها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، واحترام الالتزامات الدولية ذات الصلة.
وتظلّ مسألة السلاح خارج سلطة الدولة أحد الملفات الأساسية لتنفيذ القرار 1701، في ظل موقف حزب الله الرافض نزع سلاحه ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً.
لكنّ النقاش السياسي بشأن السلاح لا ينبغي أن يحجب الحقوق المباشرة للسكان.
فالمدنيون الذين يعيشون تحت القيود العسكرية يحتاجون إلى طرق مفتوحة، ومؤسسات قادرة على الوصول إليهم، وضمانات لسلامتهم وحياتهم اليومية.
وهذه الاحتياجات لا تنتظر انتهاء المفاوضات المعقدة.
قبل إقفال آخر بوابة زرقاء
بعد نحو خمسة عقود من وجود اليونيفيل في جنوب لبنان، لم يعد السؤال فقط عمّا إذا كان بقاؤها مفيداً أو ما إذا كان رحيلها حتمياً.
السؤال أصبح أكثر تحديداً.
هناك قرار أممي يحدّد تاريخاً لإنهاء المهمة.
وهناك خطة انسحاب يُفترض تنفيذها تدريجياً.
وهناك مواقع عسكرية داخل مناطق تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وهناك قرى يحتاج سكانها إلى الإمدادات وحرية التنقل.
وهناك جيش لبناني مطلوب منه تسلّم المسؤوليات، لكنه يواجه قيود الانتشار ومخاطر الحرب ونقص الموارد.
وهناك موظفون ومتعاقدون لبنانيون ومرافق محلية سيتأثرون بتقلّص الحضور الأممي.
وفي المقابل، لم يُعلن بعد اتفاق نهائي بشأن قوة دولية بديلة تستطيع تنفيذ مهمات المراقبة والتنسيق الحالية.
إن أخطر ما قد يتركه انسحاب اليونيفيل ليس فراغ موقع عسكري وحده، بل غياب ترتيبات واضحة تمنع تحوّل الاحتلال والعزلة الميدانية إلى واقع دائم في حياة قرى الجنوب.
فالمطلوب ليس أن تصبح اليونيفيل بديلاً عن الدولة اللبنانية، بل أن يتمكّن الجيش والمؤسسات الشرعية من تسلّم مسؤولياتهما فعلياً، وأن تنتهي السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، وأن يبقى السكان قادرين على الوصول إلى بلادهم وأرزاقهم.
وإلى أن تُنشر خطة عملية تضمن انتقال هذه المسؤوليات، سيبقى السؤال الذي يطرحه «المسمار»: مَن يتسلّم مفاتيح المواقع الأممية عندما يرحل جنودها… ومَن يفتح الطريق لأصحاب الأرض كي يبقوا فيها؟


