لم يكن الهجوم الذي أصاب منشآت أمازون السحابية في الخليج اختراقاً إلكترونياً، ولم يبدأ برسالة بريد خبيثة أو برنامج تجسّس.
هذه المرة، جاء الخطر من السماء.
في مطلع آذار 2026، تعرضت منشأتان تابعتان لشركة Amazon Web Services في دولة الإمارات لضربات مباشرة بطائرات مسيّرة، فيما تضررت منشأة ثالثة في البحرين نتيجة ضربة وقعت بالقرب منها.
وبحسب تحديث رسمي نشرته الشركة في الثاني من آذار، تسببت الهجمات بأضرار إنشائية، وانقطاع الكهرباء، وأضرار إضافية ناجمة عن المياه المستخدمة في مكافحة الحرائق.
لم تكن النتيجة أضراراً في المباني فقط، بل اضطرابات في خدمات الحوسبة والتخزين وقواعد البيانات التي تعتمد عليها مؤسسات وشركات في المنطقة.
كانت الحادثة بمثابة تذكير قاسٍ بحقيقة كثيراً ما تغيب خلف الحديث عن الذكاء الاصطناعي: العالم الرقمي ليس منفصلاً عن العالم المادي.
فكل نموذج ذكاء اصطناعي، مهما بلغت قدراته، يحتاج إلى معالجات وخوادم وكهرباء وتبريد وشبكات اتصال.
وكل هذه المكوّنات يمكن أن تتعطل.
ومع استثمار دول الخليج مليارات الدولارات لتصبح مراكز عالمية للذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال يتجاوز المنافسة التكنولوجية:
هل تستطيع المنطقة حماية البنية التحتية التي يُفترض أن تحمل مستقبلها الرقمي، عندما تصبح الحرب جزءاً من المعادلة؟
عندما تصيب المسيّرات قلب الحوسبة السحابية
في الثاني من آذار 2026، أكدت أمازون أن منشآتها في الإمارات والبحرين تعرضت لأضرار مادية نتيجة ضربات بمسيّرات خلال الصراع الإقليمي.
وفي الإمارات، تأثرت اثنتان من ثلاث مناطق توافر سحابية داخل إقليم الشركة التشغيلي، بينما استمرت المنطقة الثالثة بالعمل، مع تأثر بعض الخدمات نتيجة اعتمادها على أنظمة موجودة في المواقع المتضررة.
وأوضحت الشركة أن الاضطرابات شملت خدمات مثل Amazon EC2 للحوسبة، وAmazon S3 للتخزين، وقواعد بيانات DynamoDB، إلى جانب خدمات أخرى.
وفي البحرين، استمرت تبعات الأضرار فترة أطول؛ ففي تحديث لاحق بتاريخ 30 نيسان، أعلنت الشركة أن المنطقة المتضررة غير متاحة آنذاك، ونصحت العملاء باستعادة مواردهم من النسخ الاحتياطية الموجودة في مناطق تشغيل أخرى.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن تأثير الهجمات لا يقتصر على الأجهزة التي أصيبت مباشرة.
ففي الأنظمة السحابية، قد تعتمد خدمة على أخرى، وقد يؤدي تعطّل جزء من البنية الأساسية إلى اضطراب خدمات عديدة، حتى لو بقيت بعض الخوادم سليمة.
وهنا يظهر أحد التحديات الرئيسية أمام مراكز البيانات الحديثة: قدرتها على الاستمرار عندما تتعرض بنيتها المادية لضربة كبيرة.
مشروع بخمسة غيغاواط… وطموح يتجاوز الحدود
قبل هذه الأحداث بأشهر، وتحديداً في أيار 2025، أعلنت الإمارات والولايات المتحدة مشروعاً ضخماً لإنشاء مجمّع للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، بقدرة إجمالية مستهدفة تبلغ خمسة غيغاواط.
ووصف الإعلان الصادر عن وزارة التجارة الأميركية المشروع بأنه من أكبر مشاريع البنية التحتية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة.
وتقود شركة G42 الإماراتية تطوير المشروع، بالتعاون مع شركاء تكنولوجيين أميركيين ودوليين.
وفي الثاني والعشرين من أيار، أعلنت OpenAI عن مشروع «ستارغيت الإمارات»، وهو مجمّع حوسبة بقدرة مخططة تبلغ غيغاواط واحداً ضمن المشروع الأكبر.
وتشمل الشراكة أسماء بارزة مثل Oracle وNVIDIA وCisco وSoftBank.
وكان من المخطط بدء تشغيل المرحلة الأولى، بقدرة تبلغ 200 ميغاواط، خلال عام 2026.
لكن من الضروري التمييز بين القدرات المخططة والقدرات التي دخلت الخدمة فعلياً؛ فالإعلان عن مشروع بطاقة خمسة غيغاواط لا يعني أن هذه القدرة أصبحت متاحة أو تعمل بكاملها.
تكمن أهمية المشروع في أنه يمثل جزءاً من محاولة الإمارات الانتقال من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى امتلاك موقع مؤثر في البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.
فالدولة لا تسعى فقط إلى استخدام النماذج المتقدمة، بل إلى استضافة القدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيلها وتطويرها.
إلا أن الحرب فرضت سؤالاً جديداً على هذه الطموحات.
الحرب تعيد رسم خريطة المشروع
في 11 أيلول 2026، كشفت وكالة رويترز أن الإمارات تراجع خطط مشروع مراكز الذكاء الاصطناعي البالغ خمسة غيغاواط، بعد الهجمات التي شهدتها المنطقة.
ونقلت الوكالة عن ستة مصادر مطّلعة أن التطورات العسكرية دفعت المسؤولين إلى إعادة تقييم الطريقة التي ينبغي بناء البنية التحتية الحساسة بها، ومواقع توزيعها.
وبحسب أربعة من هذه المصادر، كان التصور الأصلي يقوم على مجمّع واسع في أبوظبي، يمتد على مساحة تقارب 26 كيلومتراً مربعاً، قبل أن تظهر احتمالات لتحويله إلى شبكة منشآت موزعة جغرافياً داخل الإمارات.
وتناولت المراجعات أيضاً خيارات لتحسين الحماية المادية ومتانة البنية التحتية.
لكن هذه المعلومات لا تعني أن مخططاً نهائياً جديداً أُقرّ بالفعل.
فقد أكدت G42، رداً على أسئلة رويترز، استمرار العمل وفق الخطط، مع إخضاع التفاصيل للمراجعة المستمرة بما يتوافق مع متطلبات الأمن والمرونة التشغيلية.
كذلك قالت OpenAI إنها تواصل العمل مع الإمارات على أولويات البنية التحتية وتبنّي الذكاء الاصطناعي.
ولم تستطع رويترز تحديد موعد اعتماد أي تصميم جديد أو أثر التعديلات المحتملة على الكلفة والجدول الزمني.
وهنا تكمن المفارقة: المشروع الذي صُمّم ليعبّر عن القوة التكنولوجية، أصبح مضطراً إلى التفكير مجدداً في كيفية الصمود أمام المخاطر المادية.
لماذا أصبحت مراكز البيانات منشآت استراتيجية؟
لطالما ارتبط مفهوم المنشآت الاستراتيجية بالمطارات والموانئ والمصافي ومحطات الكهرباء.
لكن الاقتصاد الحديث أضاف إلى هذه القائمة نوعاً آخر من البنية التحتية: مراكز البيانات.
فداخل هذه المنشآت تُشغّل تطبيقات وخدمات مصرفية وتجارية وإدارية، وتُخزَّن معلومات، وتُنفّذ عمليات حوسبة تحتاج إليها مؤسسات عديدة.
ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية المراكز القادرة على استضافة أعداد كبيرة من المعالجات المتقدمة.
لكن الأهمية الاقتصادية أو التقنية لأي منشأة لا تجعلها تلقائياً هدفاً عسكرياً مشروعاً، إذ تخضع حماية الأعيان المدنية أثناء النزاعات للقانون الدولي الإنساني.
وما تثبته أحداث 2026 هو تعرض منشآت رقمية مدنية لأضرار مادية خلال الحرب، وليس أن كل مركز بيانات أصبح هدفاً عسكرياً.
مع ذلك، فإن الاعتماد الواسع على خدمات الحوسبة السحابية يجعل انقطاعها قادراً على إحداث آثار تتجاوز المكان المتضرر.
فقد يتوقف تطبيق في بلد آخر، أو تتعطل خدمة تعتمد على قاعدة بيانات موجودة في المنشأة المصابة.
وهذا ما يجعل حماية مراكز البيانات مسألة تتعلق باستمرارية الأعمال والخدمات العامة، لا بالأمن السيبراني وحده.
الكهرباء والتبريد… الجانب الذي لا يظهر في إعلانات الذكاء الاصطناعي
عندما تتحدث الشركات عن قوة الذكاء الاصطناعي، غالباً ما تركز على عدد المعالجات وسرعة التدريب وقدرة النماذج.
لكن مراكز البيانات العملاقة تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة.
فبحسب تقرير أصدرته وكالة الطاقة الدولية عام 2025، بلغ استهلاك مراكز البيانات العالمية نحو 415 تيراواط/ساعة خلال عام 2024، بما يعادل قرابة 1.5% من الاستهلاك العالمي للكهرباء.
وتوقعت الوكالة، في سيناريوها الأساسي، أن يرتفع هذا الاستهلاك إلى نحو 945 تيراواط/ساعة عام 2030.
هذه توقعات عالمية، وليست أرقاماً خاصة بدول الخليج، كما أنها تعتمد على افتراضات بشأن نمو الصناعة وتطور كفاءة الأجهزة.
ولا تقيس هذه الأرقام استهلاك مشروع الإمارات المعلن تحديداً.
لكنها توضح حجم الاعتماد المتزايد على البنية الكهربائية.
فإلى جانب الطاقة اللازمة لتشغيل المعالجات، تحتاج المنشآت إلى أنظمة تبريد تمنع ارتفاع درجات حرارة المعدات، وأنظمة احتياطية لضمان استمرار العمل عند انقطاع التغذية الأساسية.
ومع تزايد الكثافة الحاسوبية، تصبح كفاءة هذه الأنظمة وموثوقيتها جزءاً أساسياً من تصميم مركز البيانات.
وفي أوقات النزاع، قد تتحول هذه المتطلبات إلى مصادر إضافية للمخاطر التشغيلية.
فقد تتعطل خدمة من دون أن تتعرض خوادمها لضربة مباشرة، إذا فقدت التغذية الكهربائية أو التبريد أو الاتصال بالشبكات الخارجية.
هل يصبح توزيع مراكز البيانات الحل؟
أحد الخيارات التي برزت في تقرير رويترز يتمثل في الانتقال من الاعتماد على موقع ضخم واحد إلى توزيع المنشآت على مواقع مختلفة.
ومن حيث المبدأ، يستطيع هذا التصميم تقليل أثر حادث يصيب موقعاً واحداً.
فإذا تعطلت إحدى المنشآت، قد تستمر خدمات أخرى في العمل عبر مواقع بديلة، شرط أن تكون الأنظمة مصممة لذلك وأن تتوافر السعة المطلوبة.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة.
فقد تكون مراكز البيانات متباعدة جغرافياً، لكنها تعتمد على مزود الطاقة نفسه أو المسارات الدولية نفسها للاتصالات.
كما أن تشغيل خدمات موزعة يحتاج إلى تنسيق هندسي دقيق، وتكرار بعض البيانات والأنظمة، واختبارات مستمرة لخطط التعافي.
ولهذا لا يمكن اعتبار توزيع المنشآت ضماناً مطلقاً للأمان.
الهدف الأكثر واقعية هو تقليل احتمالات التعطل الشامل، وتحسين قدرة الخدمات على الاستمرار أو العودة بسرعة.
وهذه مسألة تتعلق بالتصميم والحوكمة والتشغيل بقدر تعلقها بالموقع الجغرافي.
هل بيانات المؤسسات والمستخدمين في خطر؟
عندما تتوقف خدمة سحابية، لا يعني ذلك بالضرورة أن بيانات المستخدمين قد سُرقت أو فُقدت.
فهناك فرق بين فقدان القدرة على الوصول إلى البيانات، وفقدان البيانات نفسها، وتعرضها للاختراق.
لكن التوقف الطويل قد يخلق مشكلات حقيقية للشركات والمؤسسات التي تعتمد على تلك الخدمات في أعمالها اليومية.
فقد تتعطل تطبيقات أو عمليات معالجة أو قواعد بيانات، حتى عندما تكون المعلومات محفوظة بصورة آمنة.
ولهذا تستخدم المؤسسات أنظمة نسخ احتياطي وخططاً لاستمرارية الأعمال، وقد توزع خدماتها على أكثر من موقع.
غير أن وجود خطة على الورق لا يعني بالضرورة نجاحها عند التطبيق.
فالاختبار الحقيقي هو قدرة المؤسسة على استعادة الخدمة خلال مدة مقبولة، مع الحد من فقدان المعلومات أو تعطل العمليات الأساسية.
وتصبح هذه المسائل أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمصارف أو المؤسسات الصحية أو الخدمات العامة.
فانقطاع خدمة رقمية قد يمتد أثره إلى أشخاص لا يعرفون أصلاً أين تُخزّن بياناتهم أو من يدير البنية التحتية التي يستخدمونها.
السيادة الرقمية… هل يكفي بناء مركز البيانات داخل الدولة؟
تسعى دول الخليج إلى تطوير قدرات حوسبة محلية وتقليل الاعتماد على بنية تقنية بعيدة.
لكن مفهوم السيادة الرقمية أوسع من امتلاك مبنى أو استضافة البيانات داخل الحدود الوطنية.
فقد تكون منشأة البيانات موجودة في دولة عربية، بينما تعتمد في تشغيلها على معالجات مستوردة، وبرمجيات أجنبية، ومنصات حوسبة تديرها شركات دولية.
كما قد تحتاج إلى خدمات صيانة وتحديث وتراخيص لا تمتلك الدولة السيطرة الكاملة عليها.
وتُظهر شراكة ستارغيت الإمارات هذا التشابك؛ إذ تقود شركة إماراتية جانباً أساسياً من التطوير المحلي، فيما يشارك شركاء عالميون في توفير التقنيات والأنظمة والخدمات المتقدمة.
ولا يعني هذا الاعتماد المتبادل بالضرورة غياب السيادة، لكنه يفرض تعريفاً أكثر دقة لها.
فامتلاك البنية التحتية يختلف عن امتلاك التكنولوجيا المستخدمة داخلها، كما أن استضافة البيانات محلياً لا تعني بالضرورة التحكم بجميع البرامج والتجهيزات وسلاسل الإمداد.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتأثر حركة التكنولوجيا العالمية بالنزاعات والقيود التجارية والسياسية.
الحرب تكشف هشاشة البنية التحتية الخليجية
في تحقيق نشرته رويترز في 15 تشرين الأول 2026، أحصت الوكالة ما لا يقل عن 135 ضربة بطائرات مسيّرة وصواريخ طالت 84 موقعاً من مواقع البنية التحتية الحيوية في الخليج، منذ بداية الحرب في أواخر شباط.
وشملت المواقع منشآت للطاقة والنقل ومرافق اقتصادية مهمة.
لكن هذه الأرقام لا تخص مراكز البيانات وحدها، ولا يجوز تقديمها على أنها حصيلة لهجمات استهدفت منشآت الذكاء الاصطناعي.
ما تكشفه هو اتساع نطاق المخاطر التي تواجهها البنى التحتية في المنطقة.
فحتى المنشآت التي لم تُستهدف بصورة مباشرة قد تتأثر بتعطل شبكات الكهرباء أو النقل أو الاتصالات التي تعتمد عليها.
وفي اقتصاد يتجه نحو الخدمات الرقمية والحوسبة المتقدمة، تصبح القدرة على استمرار هذه الأنظمة خلال الأزمات جزءاً من مقومات الاستقرار الاقتصادي.
من يدفع كلفة الحماية؟
من النتائج المحتملة لإعادة تقييم مخاطر مراكز البيانات ارتفاع متطلبات الاستثمار في الحماية والمرونة التشغيلية.
فبناء منشآت موزعة، وتوفير طاقة احتياطية، واختبار أنظمة التعافي، وإقامة تجهيزات أكثر قدرة على تحمل الاضطرابات، كلها إجراءات قد تزيد تكاليف الإنشاء أو التشغيل.
لكن لا تتوافر حتى الآن أرقام منشورة تتيح احتساب الزيادة التي قد تطرأ على كلفة مشروع ستارغيت الإمارات نتيجة التعديلات التي تحدثت عنها رويترز.
ولا توجد أدلة كافية للجزم بأن المشروع سيتأخر مدة محددة بسبب تلك المراجعات.
لذلك يبقى الحديث عن خسائر أو زيادات مالية محددة في هذا السياق مجرد تقدير، ما لم تدعمه بيانات من الجهات المعنية.
مع ذلك، فإن التحول في طريقة التفكير واضح.
فلم يعد تقييم مشروع الذكاء الاصطناعي الضخم يتعلق فقط بالعائد المتوقع من الحوسبة والخدمات الرقمية، بل أصبح يشمل سؤالاً آخر: كم تكلف حماية هذا الاستثمار، وما مستوى المخاطر التي يستطيع تحملها؟
أسئلة لم تُحسم بعد
رغم حجم الاستثمارات المعلنة، لا تزال هناك معلومات أساسية تحتاج إلى مزيد من الإفصاح.
فما حجم القدرة التشغيلية التي دخلت الخدمة فعلياً من المشاريع المعلنة؟ وكيف تُختبر خطط استمرارية الأعمال؟ وما المدة اللازمة لاستعادة الخدمات الحيوية عند وقوع عطل واسع؟
كذلك، من يتحمل المسؤولية التعاقدية تجاه العملاء عند تعطل الخدمات؟ وكيف تُضمن إمكانية استرجاع البيانات من مواقع بديلة؟ وما المعايير التي تُستخدم لتقييم جاهزية البنية التحتية أمام الأزمات؟
لا تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة نشر المواقع الحساسة للمنشآت أو تفاصيل حمايتها الأمنية.
بل يمكن للجهات المشغّلة تقديم مؤشرات عامة عن الجاهزية، واستمرارية الأعمال، وآليات المساءلة، مع الحفاظ على سرية المعلومات التي قد تعرّض المواقع أو العاملين للخطر.
وفي الوقت الراهن، لا تسمح البيانات العامة المتاحة بإصدار حكم شامل بشأن قدرة جميع مراكز البيانات الخليجية على الاستمرار خلال حرب واسعة.
هل يبقى الخليج مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي؟
لا تعني الأحداث الأخيرة أن مشاريع الذكاء الاصطناعي الخليجية فشلت، أو أن المنطقة فقدت قدرتها على استقطاب الاستثمارات.
فالدول المعنية ما زالت تمتلك موارد مالية وبشرية وشراكات تقنية تدعم خططها في هذا القطاع.
لكن ما تغيّر هو طبيعة الأسئلة التي تواجه هذه المشاريع.
فبعدما كان النقاش يدور حول عدد الرقائق وحجم الاستثمارات والقدرة الحاسوبية، أصبحت استمرارية التشغيل والحماية المادية وتوزيع المخاطر جزءاً أساسياً من تقييم مستقبل الصناعة.
لقد كشفت الحرب أن امتلاك تقنيات متقدمة لا يجعل البنية التي تشغّلها محصّنة من الاضطرابات التي تصيب أي منشأة مادية.
وأن إنشاء مركز بيانات عملاق يختلف عن ضمان قدرته على تقديم خدمات موثوقة في جميع الظروف.
وربما يكون هذا أهم درس تقدمه أحداث 2026 لصناعة الذكاء الاصطناعي في الخليج والعالم.
فالقوة الرقمية لا تُقاس فقط بعدد المعالجات التي تمتلكها دولة، بل بقدرتها على إبقاء أنظمتها تعمل عندما تتعطل الظروف المحيطة بها.
وفي النهاية، يظل السؤال الأكثر أهمية معلقاً فوق مشاريع المستقبل:
ما قيمة بناء أحد أكبر مراكز الذكاء الاصطناعي في العالم، إذا لم تكن هناك خطة واضحة لاستمرار عمله عندما تصبح البنية التحتية نفسها في دائرة الخطر؟


