المسمار منصة إعلامية عربية مستقلة، تقدّم صحافة استقصائية وتحليلية ومعرفية تبحث فيما وراء الخبر، وتتناول القضايا المجتمعية والثقافية والعلمية والفنية من خلال البحث، والتحليل، والتحقق، والسرد الصحافي المعمّق.
لم يعد غريبًا أن يدخل شاب إلى مكتبة، ويُخرج هاتفه، ويعرض على البائع صورة لرواية شاهدها قبل ساعات على «تيك توك».
لم يقرأ مراجعة نقدية عنها بالضرورة، وربما لا يعرف شيئًا عن مسيرة كاتبها. لكنه شاهد مقطعًا قصيرًا يتحدث عن شخصياتها، أو نهاية مؤثرة فيها، أو تجربة قارئ لم يتمالك دموعه أمام الكاميرا.
وهكذا انتقل الكتاب من رفوف المكتبات وصفحات الجرائد الثقافية إلى عالم مقاطع الفيديو السريعة.
هذه الظاهرة، المعروفة باسم «بوك توك» (BookTok)، ليست مجرد وسم يجمع محبّي القراءة، بل مجتمع رقمي بات يؤثر في اكتشاف الكتب والترويج لها، وفي قرارات الشراء لدى شريحة من الجمهور.
وفي العالم العربي، تزداد أهمية هذا التحول مع حضور الروايات الرائجة ومؤثري الكتب في معارض النشر الكبرى.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش لا يتعلق بقدرة التكنولوجيا على بيع المزيد من الكتب فحسب.
إنه يتعلق بالمعايير التي تجعل كتابًا يتصدر المشهد، بينما تبقى كتب أخرى خارج دائرة الاهتمام.
مكتبة كينوكونيا في الإمارات، تُظهر كتبًا يُروَّج لها عبر BookTok. المصدر: The National، 2022.
في معرض بيروت… الكتب تدخل لعبة الترند
خلال الدورة السابعة والستين من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، التي امتدت من 9 إلى 18 تشرين الأول 2026، برزت وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها إحدى أدوات الترويج للكتب والوصول إلى القرّاء.
وفي تقرير نشرته وكالة «شينخوا» في 18 تشرين الأول، تحدّث عدد من أصحاب المكتبات والناشرين عن التغييرات التي أحدثتها المنصات الرقمية في سوق الكتاب اللبناني.
وأورد علي متيرك، صاحب متجر «بوب أب بوكس» الإلكتروني، مثالًا لافتًا عن نفاد خمس نسخ من كتب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي بعدما نشر مقطعًا قصيرًا يعرضها.
وفي المقابل، أشارت رنيم وهبي، الشريكة في مكتبة «بوك كورنر»، إلى أن مجتمع «بوك توك» أصبح جزءًا من واقع التسويق الذي لا يستطيع قطاع النشر تجاهله.
أما القارئة بتول فرحات، فقد قدّمت وجهة نظر مختلفة، إذ عبّرت عن تفضيلها اكتشاف الكتب بنفسها، وانتقدت تكرار التوصيات التي تدفع الجمهور نحو العناوين نفسها.
هذه الشهادات تكشف وجهَي الظاهرة.
فالمقطع القصير قد يمنح كتابًا قديمًا فرصة للعودة إلى التداول، وقد يساعد كاتبًا مغمورًا في الوصول إلى جمهور جديد.
لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تركيز الاهتمام على عدد محدود من الأعمال، خصوصًا عندما يعيد عدد كبير من المؤثرين التوصية بالعناوين ذاتها.
وهنا يصبح السؤال: هل يتّسع عالم القراءة بفضل المنصات، أم تتشابه اختيارات القرّاء أكثر فأكثر؟
القاهرة… حين يصل الزبون بصورة الكتاب بدل اسمه
من افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، كانون الثاني 2026. المصدر: بوابة الأهرام.
في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، ظهرت التأثيرات نفسها بصورة أكثر وضوحًا في شهادات بعض الناشرين.
ففي تقرير نشرته صحيفة «الديار» المصرية في الرابع من شباط، تحدث شريف بكر، مدير دار العربي للنشر والتوزيع، عن دور مؤثري «تيك توك» في جذب الشباب إلى الكتب.
وأشار إلى أن بعض الزوار كانوا يصلون إلى الأجنحة حاملين لقطات شاشة لكتب تحدث عنها مؤثرون، ويطلبون شراءها مباشرة.
أما عبد الرحمن نصر، مشرف مبيعات دار عصير الكتب، فقد قدّر في التقرير نفسه أن نحو 70% من مبيعات الدار خلال المعرض ارتبطت بتفضيلات المؤثرين، استنادًا إلى أحاديث فريق المبيعات مع المشترين.
هذه النسبة تمثل تقديرًا خاصًا من مسؤول في إحدى دور النشر، ولا يمكن اعتبارها إحصاءً يشمل جميع الناشرين أو القرّاء المصريين.
لكنها تعكس حجم التأثير الذي بات بعض العاملين في الصناعة ينسبونه إلى المحتوى الرقمي.
فالتوصية التي كانت تنتقل قديمًا بين الأصدقاء، أو عبر مقالة نقدية في صحيفة، تستطيع اليوم الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال وقت قصير.
والناشر الذي كان يعتمد بصورة أساسية على واجهات المكتبات والإعلانات التقليدية وحفلات التوقيع، أصبح يجد نفسه أمام قوة ترويجية جديدة.
قوة لا تصنعها المؤسسات الثقافية بالضرورة، بل يصنعها جمهور المنصات.
هل أصبح المؤثر أقوى من الناقد الأدبي؟
صانعة محتوى تعرض رواية أمام كاميرا الهاتف داخل مكتبة. المصدر: BR24 الألمانية.
لفترة طويلة، اضطلع النقاد والملاحق الثقافية والجوائز الأدبية بدور مهم في تعريف القراء بالإصدارات الجديدة.
وكانت المراجعة النقدية، في أفضل صورها، تقارب العمل من حيث اللغة والبناء والشخصيات والأفكار والسياق الأدبي.
أما «بوك توك» فيعمل غالبًا بطريقة مختلفة.
قد يكون الفيديو مراجعة جادة، وقد يكون انطباعًا شخصيًا، أو توصية سريعة، أو استعراضًا لكتب اشتراها صاحب الحساب.
ولا تكمن المشكلة في التعبير الشخصي عن تجربة القراءة؛ فالقراءة بطبيعتها تجربة فردية أيضًا.
لكنّ تقييم العمل الأدبي يحتاج إلى التمييز بين الإعجاب الشخصي والجودة الفنية، وبين الرواج التجاري والقيمة الثقافية.
فالرواية التي تجعل أحد القراء يبكي ليست بالضرورة رواية محكمة البناء، مثلما أن العمل الذي لا يصل إلى قوائم الأكثر مبيعًا ليس بالضرورة أقل قيمة.
والخطر المحتمل لا يتمثل في ظهور مؤثرين يناقشون الكتب، بل في تحوّل الانتشار الرقمي إلى معيار شبه وحيد للحكم على نجاحها.
وهذا يطرح سؤالًا آخر: إذا أصبح عدد المشاهدات عنصرًا أساسيًا في تسويق الأدب، فهل سيبدأ بعض الناشرين باختيار الأعمال التي تصلح للانتشار السريع، على حساب الأعمال الأكثر تعقيدًا وتجريبًا؟
لا تتوافر أدلة شاملة تثبت أن ذلك أصبح قاعدة في سوق النشر العربي، لكنه احتمال يستحق الفحص في ضوء شهادات الناشرين وتحولات التسويق.
العالم يبيع ملايين الكتب عبر «بوك توك»
ليست هذه الظاهرة محصورة بالمنطقة العربية.
ففي آذار 2026، أعلنت منصة «تيك توك»، استنادًا إلى تحليل لبيانات المبيعات أجرته جهتا NielsenIQ BookData وMedia Control، أن أكثر من 50 مليون نسخة من الكتب التي روّج لها مجتمع «بوك توك» بيعت في الأسواق الأوروبية خلال عام 2025، بإيرادات بلغت نحو 800 مليون يورو في أسواق رئيسية.
وفي 8 تشرين الأول 2026، كشفت المنصة عن أول تصنيف أوروبي سنوي للكتب الأكثر مبيعًا المرتبطة بمجتمع «بوك توك»، وتصدرته رواية «Fourth Wing» للكاتبة الأميركية ريبيكا ياروس.
هذه الأرقام تتعلق بالأسواق الأوروبية، ولا يجوز إسقاطها على العالم العربي، الذي لا تتوافر له في المصادر المذكورة بيانات مبيعات مماثلة وشاملة.
ومع ذلك، فهي تكشف أن تأثير المنصات على صناعة النشر لم يعد مجرد انطباع لدى بعض أصحاب المكتبات.
لقد أصبح ظاهرة تجارية تدفع شركات التكنولوجيا والناشرين إلى تطوير وسائل خاصة لقياس أثرها واستثماره.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الأدب والتسويق.
فإذا استطاع مجتمع رقمي أن يحرك مبيعات بهذا الحجم، يصبح من الطبيعي أن تسعى دور النشر إلى فهمه والاستفادة منه.
لكن ما يخدم مبيعات كتاب بعينه لا يضمن بالضرورة تنوّع المشهد الأدبي أو جودة الأعمال المنشورة.
الروايات الإنكليزية والمانغا… ماذا يحدث للكتاب العربي؟
في تغطية نشرتها صحيفة «الأخبار» اللبنانية في 17 تشرين الأول 2026، برز حضور الكتب الإنكليزية والروايات الرائجة والفانتازيا والمانغا في معرض بيروت، إلى جانب دور منصات «تيك توك» و«إنستغرام» في تشكيل تفضيلات بعض القراء الشباب.
وهنا تظهر قضية ثقافية تتجاوز المبيعات.
فالمشكلة ليست في أن يقرأ الشاب العربي باللغة الإنكليزية أو الفرنسية. فالاطلاع على الأدب العالمي يوسّع التجربة الثقافية، ويمنح القارئ فرصة اكتشاف عوالم وأساليب مختلفة.
لكن إذا كانت شهرة الأعمال الأجنبية على المنصات العالمية تساعدها على الوصول إلى القارئ العربي، فهل يحصل الكاتب العربي على فرص مشابهة للترويج والانتشار؟
وهل تستطيع دور النشر العربية دعم مؤلفيها بالوسائل الرقمية نفسها، أم أنها تعتمد أكثر فأكثر على شراء حقوق الكتب التي حققت نجاحًا مسبقًا خارج المنطقة؟
السؤال لا يتعلق بالدعوة إلى تقليل قراءة الأدب العالمي، بل بكيفية بناء سوق تتيح للأعمال العربية المنافسة من دون أن تفقد هويتها أو تنوّعها.
وتزداد أهميته مع تحديات الترجمة والتوزيع والتسويق التي تواجهها الكتب العربية في الأسواق الدولية.
من يربح من الكتاب الرائج؟
حين ينتشر مقطع عن رواية، قد يستفيد أكثر من طرف.
يحصل المؤثر على مشاهدات وتفاعل وربما فرص إعلانية، ويستفيد الناشر من زيادة الطلب، وقد يحقق الكاتب انتشارًا ومبيعات إضافية.
أما القارئ فيكتشف عملًا ربما لم يكن ليصادفه لولا ذلك المقطع.
هذه دورة اقتصادية ليست سلبية بطبيعتها.
لكنها تحتاج إلى شفافية عندما يتحوّل المحتوى الذي يبدو توصية شخصية إلى إعلان مدفوع أو تعاون تجاري.
فمن حق الجمهور معرفة ما إذا كان المؤثر قد اختار الكتاب بحرية، أو تلقى مقابلًا ماديًا للترويج له.
كما أن وصول رواية إلى جمهور واسع لا يمنح الجهات الأخرى حق نسخها وبيعها بصورة غير مرخصة.
وفي معرض القاهرة، أثار ناشرون مسألة انتشار الكتب المقلدة التي تُباع بأسعار أقل من الطبعات الأصلية، فيما رصدت تغطيات معرض بيروت بدورها مخاوف من انتشار نسخ مقرصنة.
فالرواج قد يساعد على بيع المزيد من النسخ الأصلية، لكنه لا يحل وحده مشكلة ارتفاع أسعار الكتب أو ضعف حماية حقوق المؤلفين والناشرين.
هل نقرأ الكتاب… أم نشتري الشعور بأننا نقرأ؟
مع انتشار مقاطع «جولات الكتب»، التي يستعرض فيها المستخدمون مشترياتهم الجديدة، أصبح اقتناء الكتب نفسه جزءًا من المحتوى الرقمي.
قد يشاهد المتابع عشرات العناوين خلال دقائق، ويحفظ بعضها في قائمة مشترياته، ثم ينتظر فرصة شراء المجموعة التي رآها.
لكن اقتناء الكتب ليس مرادفًا لقراءتها.
والفرق كبير بين نجاح حملة تسويق في بيع ألف نسخة من رواية، وبين قدرة هذه الرواية على ترك أثر ثقافي طويل المدى.
لا توجد مشكلة في أن يبدأ الشغف بالقراءة من مقطع فيديو، أو أن يختار الشاب كتابه الأول لأنه أعجبه غلافه أو سمع عنه من مؤثر.
بل يمكن لهذه البدايات البسيطة أن تتحول إلى علاقة عميقة مع الأدب.
لكنّ الخطر يكمن في تحوّل القراءة إلى سباق استهلاكي، يصبح فيه عدد الكتب المعروضة أمام الكاميرا أهم من الأفكار التي تحملها صفحاتها.
فالقارئ الحقيقي لا يُقاس بعدد الروايات التي اشتراها، بل بما يكتسبه من تجربة قراءتها، وبقدرته على تطوير ذائقته واختياراته الخاصة.
لسنا أمام موت النقد… بل أمام معركة على الانتباه
ليس من الإنصاف التعامل مع «بوك توك» بوصفه خطرًا مطلقًا على الأدب.
فقد ساعدت هذه المجتمعات الرقمية في إعادة تقديم القراءة باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا ممتعًا، وأتاحت لأشخاص غير متخصصين مشاركة تجاربهم والتواصل حول الكتب.
كما أن النقد الأدبي التقليدي لم يكن يومًا خاليًا من علاقات النفوذ والمصالح أو محدودية الوصول إلى الجمهور.
لكن التغيير الذي نشهده اليوم يفرض تحديًا حقيقيًا على النقاد والناشرين والمؤسسات الثقافية.
فإذا كانت المنصات قادرة على جذب الشباب إلى نقاشات أدبية، فلماذا لا تستفيد المؤسسات الثقافية من الأدوات نفسها لتقديم مراجعات أكثر عمقًا، والتعريف بالأعمال الجديدة والمهمشة، وتشجيع الحوار حول الأدب؟
ولماذا ينبغي أن يبقى الاختيار محصورًا بين مقطع سطحي سريع ومقال نقدي قد لا يصل إلى جمهوره؟
يمكن للتكنولوجيا أن تكون مساحة للمعرفة، لا مجرد واجهة للبيع، إذا أُحسن استخدامها.
مَن يملك ذائقتنا الأدبية؟
تكشف معارض الكتب العربية في عام 2026 عن صناعة تمرّ بتحول واضح.
فالكتاب الورقي لم يختفِ، والشباب لم يهجروا القراءة بالضرورة، لكن الطرق التي يكتشفون بها الكتب تغيّرت.
وقد أصبح المؤثر الرقمي واحدًا من الأطراف التي تساهم في توجيه الاهتمام، إلى جانب الناشر والمكتبة والناقد والصديق والجائزة الأدبية.
التحدي ليس في استعادة زمن كانت فيه الصحيفة وحدها تقرر ما يستحق القراءة، بل في حماية حرية القارئ وقدرته على الاختيار وسط تدفق هائل من التوصيات والمحتوى الترويجي.
فالأدب يحتاج إلى جمهور، لكنه يحتاج أيضًا إلى تنوّع ومساحة للاختلاف، وإلى أعمال لا تنسجم دائمًا مع إيقاع المنصات السريع.
ليس مخيفًا أن يقودنا «تيك توك» إلى كتاب جديد؛ المخيف أن نصل إلى مرحلة لا نعرف فيها كيف نختار كتابًا من دونه.
فالكتاب الذي يصبح ترندًا قد يبيع آلاف النسخ، لكن الأدب الذي يستحق البقاء لا تُحدّد قيمته خوارزمية.