لم يكن الزجل اللبناني مجرّد شعر يُلقى في المناسبات، ولا مجموعة من القوافي المغنّاة على إيقاع الدفّ. كان مسرحًا شعبيًا مفتوحًا، يلتقي فيه الشعراء والجمهور، وتُختبر فيه سرعة البديهة والموهبة وقوة التعبير.
كان الشاعر يقف أمام منافسه، يلقي بيتًا، فيأتيه الجواب ببيت أشدّ وقعًا. وبين التحدّي والردّ، تتعالى أصوات الجمهور وتشتعل الحماسة.
وفي زمن لم تكن فيه وسائل الترفيه متوافرة كما هي اليوم، احتلّت المباريات الزجلية مكانة بارزة في الحياة الثقافية اللبنانية.
ومن أبرز محطات تلك المرحلة مباراة المشرف عام 1970، ومباراة القلعة في بيت مري عام 1971، ثم حفلات المدينة الرياضية عام 1972، وهي أحداث وثّقتها مجلة الجيش اللبناني ضمن تاريخ الجوقات الزجلية.
كانت تلك الحفلات دليلًا على أن الشعر الشعبي استطاع أن يستقطب جمهورًا واسعًا، وأن يحوّل الكلمة المرتجلة إلى فن جماهيري قادر على منافسة أشكال ترفيه أخرى.

زغلول الدامور… صوتٌ صنع تاريخ المنبر
يُعدّ زغلول الدامور، واسمه الحقيقي جوزيف الهاشم (1925–2018)، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الزجل اللبناني الحديث.
لم يكن حضوره قائمًا على قوة الصوت وحدها، بل على قدرته على الارتجال وصياغة المعاني والمشاركة في المواجهات الشعرية التي منحت هذا الفن طابعه المسرحي.
أسّس جوقته عام 1944، ومرّ في صفوفها عدد كبير من الشعراء الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز نجوم الزجل.
وتميّز زغلول الدامور بأسلوب يميل إلى الحكمة والاعتدال في مواجهة الأساليب الأكثر اندفاعًا وتحدّيًا لدى بعض زملائه.
ولم يقتصر نشاطه على المنبر، بل ساهم في نقل الزجل إلى الإذاعة والتلفزيون، وأصدر مع زين شعيب المجلة الزجلية «المسرح» عام 1958، في تجربة تؤكد أن الزجل كان يمتلك أيضًا مساحة خاصة في الصحافة الثقافية.
وفي مسيرته الطويلة، حمل قصائده إلى اللبنانيين داخل الوطن وخارجه، وشارك في تكوين ذاكرة فنية ظلّت مرتبطة بصوته حتى بعد رحيله.
زين شعيب… «أبو علي» الذي جعل التحدّي فنًا
إذا كان زغلول الدامور أحد رموز الاعتدال والحكمة على المنبر، فإن الشاعر زين شعيب (1924–2005)، المعروف بلقب «أبو علي»، مثّل وجهًا آخر من وجوه الزجل اللبناني.
برز في شعره التحدّي والمشاكسة والارتجال السريع، مع قدرة على ابتكار الصور والتعابير المستمدة من البيئة الشعبية.
وينتمي زين شعيب إلى البيئة الثقافية لجبل عامل في جنوب لبنان، وقد ارتبط اسمه بتاريخ الزجل في النبطية وغيرها من المناطق اللبنانية.
تذكر سيرته المنشورة في مجلة الجيش أنه بدأ مسيرته متحدّيًا الشاعر علي الحاج خلال إحدى الحفلات في مدينة النبطية، قبل أن يصبح رفيقًا لعدد من كبار الشعراء وشريكًا لزغلول الدامور في جوقته.
كان التنافس بين الشعراء في تلك المرحلة جزءًا من جاذبية الزجل. فالجمهور لم يكن يأتي لسماع قصائد محفوظة فحسب، بل ليشهد كيف يولد الجواب الشعري في اللحظة نفسها.
وقد شكّل زين شعيب، بأسلوبه وشخصيته المنبرية، أحد أبرز رموز هذه المدرسة.

موسى زغيب وخليل روكز وطليع حمدان… أسماء صنعت العصر الذهبي
لم يُبنَ مجد الزجل على صوت واحد.
فالشاعر موسى زغيب، المولود في حراجل عام 1939، أسهم في تطوير الأداء الزجلي من خلال حضوره المنبري واهتمامه بالموسيقى والكورال، وارتبط اسمه بجوقة القلعة وبمباريات شعرية شكّلت محطات في تاريخ هذا الفن.
أما خليل روكز، فكان من الأسماء التي تركت أثرًا كبيرًا رغم رحيله المبكر عام 1962، وقد حملت إحدى الجوقات اسمه تخليدًا لإرثه.
وبرز إلى جانبهما أنيس الفغالي، وإدوار حرب، وجريس البستاني، وأسعد سعيد، وجان رعد، وغيرهم ممن منحوا الزجل تنوّعًا في الأساليب والأصوات.
ولا يمكن الحديث عن هذه الحقبة من دون التوقف عند طليع حمدان (1944–2025)، الذي عُرف بقوة صوته وحضوره، وبالغزل والرثاء والقصائد الوطنية.
انضمّ في بداياته إلى جوقة زغلول الدامور وزين شعيب، ثم أسّس جوقة الربيع، وبقي اسمه حاضرًا في الحياة الزجلية حتى رحيله في 25 تشرين الأول 2025.
وقد شكّل غياب حمدان خسارة جديدة لجيلٍ جعل من الزجل فنًا قائمًا بذاته، لا مجرد فقرة تُضاف إلى برنامج احتفالي.
وقبل هؤلاء جميعًا، كان رشيد نخلة وأسعد الخوري الفغالي، المعروف بشحرور الوادي، من أبرز الأسماء التي مهّدت لنهوض الزجل المنبري المنظّم. ويعود تأسيس جوقة شحرور الوادي إلى عام 1928، في محطة أساسية من تاريخ الجوقات اللبنانية.

من المنابر المكتظة إلى الحضور المحدود
ما الذي تبدّل؟
في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، كان الزجل حاضرًا على شاشات التلفزيون وفي الإذاعة، وكانت المباريات الشعرية أحداثًا اجتماعية وثقافية تستقطب جمهورًا واسعًا.
لكنّ الحروب المتعاقبة وتحوّلات المجتمع ووسائل الإعلام وأنماط الترفيه أثّرت في البيئة التي ازدهر فيها هذا الفن.
لم تعد الحفلات الزجلية تحظى بالحضور المنتظم نفسه في البرامج التلفزيونية الكبرى، فيما تراجعت المساحات الإعلامية المخصصة للشعر الشعبي أمام أنماط فنية وترفيهية جديدة.
وفي تقرير نشره موقع «رصيف22» عام 2017، تحدّث العاملون في هذا المجال عن أثر تراجع التغطية التلفزيونية في جمهور الزجل، وعن الصعوبات التي جعلت الاعتماد على الحفلات مصدرًا للرزق أكثر تعقيدًا.
لكن تحميل الأجيال الشابة وحدها مسؤولية التراجع سيكون تبسيطًا للمشكلة.
فكيف يمكن لجيل جديد أن يكتشف هذا الفن ويتعلّق به إذا كانت فرص مشاهدته والتعرّف إلى روّاده محدودة؟
وكيف يمكن للشاعر الشاب أن يصنع مكانته من دون مسارح ومساحات إعلامية وفرص مستمرة للتدرّب والمشاركة؟
إن تراجع الحضور العام للزجل لا يعني بالضرورة غياب المواهب، بل يطرح سؤالًا عن المؤسسات والمنابر التي تساعد تلك المواهب على الوصول إلى الجمهور.
العالم اعترف بالزجل… فماذا فعلنا نحن؟
في عام 2014، أدرجت منظمة اليونسكو الزجل اللبناني على قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
وجاء الاعتراف تأكيدًا لقيمته بوصفه فنًا شعبيًا يقوم على الشعر المحكي والغناء والارتجال والمبارزات الشعرية، ويسهم في التواصل الاجتماعي والحوار بين المجموعات المختلفة.
لكن هذا الإدراج، على أهميته، لا يعني أن مستقبل الفن أصبح مضمونًا.
فالتراث غير المادي لا يحيا بمجرد تسجيل اسمه في قائمة دولية، بل يحتاج إلى أجيال تتعلّمه وتمارسه، وجمهور يتفاعل معه، ومؤسسات تدعم استمراره.
وهنا تكمن المفارقة: نحتفي عالميًا بفن قدّم للبنان أسماء كبيرة، بينما يبقى حضوره المعاصر أقل بكثير من حضوره التاريخي في المشهد الجماهيري والإعلامي.
الزجل لم يمت… لكنه يحتاج إلى من يعيد إليه المنبر
رغم التراجع، لا تزال هناك مبادرات تسعى إلى الحفاظ على الزجل اللبناني.
ففي أيار 2024، استضاف مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية أمسية لشعراء جوقة المسرح، ضمّت أنطوان سعادة ومنذر خيرالله وغسان بوعماد.
وفي تموز من العام نفسه، استضافت المكتبة الوطنية في بعقلين ندوة حول الزجل في المؤسسات التربوية، تناولت إمكان تعزيز حضوره في المدارس والجامعات.
أما في الاغتراب، فلا تزال لهذا الفن امتداداته.
ففي مقابلة نشرتها صحيفة «صدى الوطن» في تموز 2026، تحدّث الشاعر عماد زين شعيب، نجل الراحل زين شعيب، عن استمراره في إحياء الأمسيات الزجلية في ولاية ميشيغن الأميركية.
وتكشف تجربته أن إرث هذا الفن لم ينقطع برحيل الكبار، بل لا يزال ينتقل إلى أجيال جديدة، وإن في ظروف مختلفة عن الماضي.
وهذا يعني أن التحدّي لا يكمن في إنقاذ فن اختفى، بل في إعادة بناء العلاقة بينه وبين المجتمع.
هل نترك الزجل يتحوّل إلى مجرد ذكرى؟
لا يكفي أن نستعيد أسماء زغلول الدامور وزين شعيب وموسى زغيب وخليل روكز وطليع حمدان كلما أردنا الحديث عن الزمن الجميل.
فهؤلاء لم يصنعوا تاريخ الزجل اللبناني ليبقى محصورًا في التسجيلات القديمة والصور الأرشيفية.
لقد أسهموا في بناء فنّ جمع الموسيقى بالشعر، والموهبة بالثقافة الشعبية، والمنافسة بالحوار.
والحفاظ على هذا الإرث يحتاج إلى أكثر من حفلات التكريم. يحتاج إلى توثيق التسجيلات القديمة وحمايتها، وتعريف الطلاب إلى فنون الزجل، وإفساح المجال أمام المواهب الجديدة، وتقديم هذا التراث عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية بلغة تحترم أصالته ولا تعزله عن الحاضر.
فالزجل ليس مجرد حنين إلى لبنان الأمس. إنه جزء من اللغة التي عبّر بها اللبنانيون عن الحب والفخر والوجع والخلاف والأمل.
لقد رحل كثير من عمالقة الزجل، لكن السؤال الذي يبقى أمامنا اليوم ليس مَن سيحلّ مكان زغلول الدامور أو زين شعيب، بل ما إذا كنّا مستعدين لأن نمنح الأجيال المقبلة فرصة سماع صوت جديد يستحق أن يقف على المنبر.
فحين يصمت الزجل، لا تخسر البلاد حفلة شعرية فحسب، بل تخسر جزءًا من صوتها وذاكرتها.


