من تحذير محمد شقير إلى هجرة المصانع وتآكل الأجور… هل يدخل لبنان مرحلة يفقد فيها المواطنيين قدرتهم على العمل والعيش معاً؟
لم يعد السؤال في لبنان محصوراً بقدرة الاقتصاد على التعافي، بل بات يتصل بقدرة المجتمع نفسه على تحمّل أزمة إضافية. فبعد سنوات من الانهيار المالي وتراجع القدرة الشرائية واضطراب الخدمات العامة، يعود الحديث عن انهيار اقتصادي جديد، هذه المرة وسط تحذيرات من أن المؤسسات التي واصلت العمل رغم الأزمات المتلاحقة قد لا تتمكن من الصمود طويلاً.
في الثامن من تشرين الأول 2026، أطلق رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير تحذيراً وصفه بـ«الإنذار الأخير» قبل انهيار كبير للاقتصاد، خلال ظهوره في برنامج «صار الوقت» عبر قناة MTV. وأشار إلى تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل، مؤكداً أن فاتورة المازوت ارتفعت بنسبة 100 في المئة، ومحذراً من تداعيات الأزمة على المؤسسات والعمال والدولة.
لكن ما وراء هذا التحذير يتجاوز الحسابات المالية للمؤسسات وأرقام الخسائر. فكل شركة تغلق أبوابها قد تعني عائلة تفقد مصدر دخلها، وكل مصنع ينقل نشاطه إلى الخارج قد يعني فرص عمل لا تعود، وكل ارتفاع في كلفة الإنتاج قد يصل في نهاية المطاف إلى المواطن الذي بات يوازن يومياً بين احتياجات لا يستطيع الاستغناء عن أي منها.
هنا تبرز المسألة الأكثر خطورة: ماذا يحدث لمجتمع يعيش أصلاً تحت وطأة أزمة طويلة، عندما تبدأ المؤسسات التي تؤمّن له العمل والدخل بالتراجع هي الأخرى؟
اقتصاد لم يتعافَ من أزمته الأولى
لفهم خطورة التحذيرات الجديدة، لا بد من العودة إلى طبيعة الأزمة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019.
فالأزمة اللبنانية لم تكن مجرد تراجع اقتصادي تقليدي يمكن تجاوزه مع تحسن النشاط التجاري. لقد شملت انهياراً في النظام المصرفي، وفقداناً واسعاً لقيمة العملة الوطنية، وتآكلاً في المدخرات، وتراجعاً في الخدمات العامة، واضطراباً في العلاقة بين المواطنين والمؤسسات المالية.
وفي ظل غياب معالجة شاملة لهذه الاختلالات، اضطر اللبنانيون إلى تطوير وسائل فردية للتكيّف. اعتمدت أسر على التحويلات من الخارج، وانتقلت مؤسسات إلى التعامل النقدي، وتوسّعت أعمال مستقلة وغير منتظمة، فيما أعادت عائلات ترتيب أولويات إنفاقها بما يتناسب مع دخولها المتراجعة.
غير أن القدرة على التكيّف لا تعني التعافي.
فالاقتصاد الذي يستمر بفضل تحويلات المغتربين والمبادرات الفردية لا يصبح بالضرورة اقتصاداً مستقراً، خصوصاً عندما تبقى قطاعات الإنتاج والخدمات عرضة لارتفاع التكاليف والاضطرابات الأمنية وتقلّبات السوق.
وهذا ما يجعل التحذير الحالي مختلفاً في دلالاته الاجتماعية. فالمجتمع الذي استهلك جزءاً كبيراً من مدخراته ووسائل حمايته خلال السنوات الماضية قد يجد نفسه أمام صدمة جديدة، لكن بموارد أقل وقدرة أضعف على مواجهتها.
من فاتورة المازوت إلى رغيف الخبز
من أبرز النقاط التي أثارها شقير ارتفاع فاتورة المازوت بنسبة 100 في المئة، وفق تقديره، إلى جانب حديثه عن أعباء إضافية تكبّدها القطاع الخاص بسبب فروقات أسعار المحروقات منذ بداية الحرب الأخيرة.
ولا تمثّل الطاقة في لبنان بنداً ثانوياً ضمن التكاليف التشغيلية، بل تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم الأنشطة الاقتصادية.
فالمصنع يحتاج إلى الكهرباء لتشغيل آلاته، والمتجر يحتاج إلى الطاقة للتبريد والإنارة، والمخبز يعتمد على الوقود في الإنتاج والتوزيع، فيما ترتبط كلفة النقل بحركة السلع والعمال بين المناطق.
وعندما ترتفع كلفة الطاقة، تواجه المؤسسات خيارات محدودة: تحمّل الخسائر، أو رفع الأسعار، أو تخفيض الإنتاج، أو تقليص العمالة، أو التوقف عن العمل.
وفي جميع هذه الحالات، لا يبقى الأثر داخل المؤسسة.
فرفع الأسعار يضغط على المستهلك، وتقليص الإنتاج يضعف النشاط الاقتصادي، وخفض العمالة يهدد دخل الأسر، بينما يؤدي الإغلاق إلى فقدان الوظائف وانكماش الأسواق المحلية.
هكذا تتحول زيادة كلفة التشغيل إلى مشكلة اجتماعية تتجاوز أصحاب الشركات.
والأكثر تعقيداً أن رفع الأسعار لا يضمن تعويض الخسائر. فعندما تتراجع القدرة الشرائية، يصبح المستهلك أقل استعداداً للإنفاق، ما يضع المؤسسات أمام معادلة صعبة: تكاليف ترتفع، وطلب لا يستطيع مواكبتها.
إنها حلقة انكماش يمكن أن تتغذى على نفسها، حيث يؤدي ضعف الاستهلاك إلى تراجع المبيعات، ثم إلى انخفاض الدخل وفرص العمل، وصولاً إلى مزيد من التراجع في الاستهلاك.
العامل اللبناني في مواجهة الخطر الأكبر
قد يبدو الحديث عن حماية القطاع الخاص شأناً يخص أصحاب المؤسسات ورؤوس الأموال، لكنه في الواقع يرتبط مباشرة بمصير مئات آلاف العاملين وأسرهم.
فالعامل الذي يعتمد على راتبه الشهري لا يملك بالضرورة القدرة على مواجهة فقدان وظيفته، خصوصاً في اقتصاد يعاني أصلاً من محدودية فرص العمل وضعف شبكات الحماية الاجتماعية.
وفي حال تزايد إغلاق المؤسسات أو تقليص أعمالها، قد يجد الموظفون أنفسهم أمام ثلاثة احتمالات صعبة: خسارة الوظيفة، أو قبول أجور أقل، أو الانتقال إلى أعمال غير مستقرة تفتقر إلى الضمانات.
ولا يقتصر الضرر على انخفاض الدخل.
ففقدان الوظيفة قد ينعكس على قدرة الأسرة على دفع الإيجار، وتسديد الأقساط المدرسية، وتأمين العلاج، وتغطية نفقات النقل والغذاء. وقد يضطر أحد أفرادها إلى ترك التعليم أو تأجيل الرعاية الصحية أو البحث عن عمل إضافي لسد العجز.
ومع استمرار الضغوط، يصبح العمل نفسه أقل قدرة على توفير حياة مستقرة.
فوجود وظيفة لا يعني بالضرورة الخروج من دائرة الفقر إذا كان الراتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وهنا تظهر إحدى المفارقات المؤلمة في الواقع اللبناني: يمكن أن يكون الإنسان عاملاً ومنتجاً، ومع ذلك عاجزاً عن تأمين مستوى معيشي لائق لأسرته.
الأجور والضمان الاجتماعي: من يتحمّل كلفة الأزمة؟
أثار شقير أيضاً مسألة الأجور ومستحقات الضمان الاجتماعي، إذ ربط البحث في رفع الحد الأدنى للأجور بمعالجة ملف تقسيط المستحقات المتعلقة بنهاية الخدمة، مع تأكيد استعداد القطاع الخاص لدفع بدل النقل.
وتكشف هذه المواقف عن إحدى أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية حساسية في لبنان: كيفية توزيع أعباء الأزمة بين أصحاب العمل والعمال والدولة.
فمن جهة، تواجه المؤسسات ارتفاعاً في تكاليف التشغيل وضعفاً في النشاط الاقتصادي، وتطالب بإجراءات تمنحها سيولة وقدرة أكبر على الاستمرار.
ومن جهة أخرى، يواجه العمال تراجعاً في القوة الشرائية وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، ويحتاجون إلى أجور وتعويضات تحمي الحد الأدنى من استقرارهم.
لكن معالجة أحد الطرفين على حساب الآخر لا تقدم حلاً مستداماً.
فتجميد الأجور لفترات طويلة قد يؤدي إلى إضعاف الاستهلاك وزيادة هشاشة الأسر، بينما فرض أعباء مالية لا تستطيع المؤسسات تحمّلها قد يدفع بعضها إلى تقليص الوظائف أو الإغلاق.
أما الضمان الاجتماعي، فلا يمكن التعامل مع مستحقاته باعتبارها مجرد التزامات محاسبية، لأنها ترتبط بحقوق العاملين وأمنهم الاجتماعي، ولا سيما عند انتهاء الخدمة أو التقاعد.
ولذلك، فإن أي تسوية مالية تحتاج إلى ضمانات واضحة تحفظ حقوق العمال، وتمنع تحميلهم نتائج التعثر، وتحدد التزامات المؤسسات وآليات السداد والرقابة.
المشكلة لا تكمن فقط في حجم الأموال المستحقة، بل في غياب نظام اقتصادي واجتماعي قادر على تحقيق التوازن بين استمرارية المؤسسات وحماية العاملين.
هجرة المصانع إلى سوريا: خسارة تتجاوز رأس المال
ربما كان أكثر ما يستدعي التوقف في تصريحات شقير حديثه عن بدء انتقال مصانع من لبنان إلى سوريا.
فإذا ثبت اتساع هذه الظاهرة، فإن تداعياتها لن تقتصر على انتقال استثمارات من بلد إلى آخر، بل قد تطال بنية الاقتصاد اللبناني وقدرته المستقبلية على الإنتاج.
المصنع ليس مجرد مبنى وآلات ورأس مال. إنه شبكة من العمال والمورّدين وشركات النقل ومقدمي الخدمات والمهارات والخبرات التي تتراكم على مدى سنوات.
وعندما يغادر المصنع، قد تتأثر هذه الشبكة بأكملها.
فالعمال يفقدون فرصاً وظيفية، والمورّدون يخسرون زبائنهم، والأسواق المحلية تتراجع حركتها، فيما يفقد الاقتصاد جزءاً من قدرته على إنتاج السلع وتصديرها.
والأخطر أن استعادة النشاط الصناعي بعد انتقاله ليست مسألة تلقائية. فالمؤسسات التي تستثمر في مواقع جديدة وتعيد تنظيم عملياتها وسلاسل التوريد قد لا تجد حافزاً سريعاً للعودة، حتى لو تحسنت الظروف في بلدها الأصلي.
مع ذلك، من الضروري التمييز بين التحذير والواقع المثبت بالأرقام.
فحديث شقير عن انتقال مصانع إلى سوريا يحتاج إلى بيانات توضح عدد المؤسسات المعنية، والقطاعات التي تعمل فيها، وحجم الاستثمارات المنقولة، وعدد الوظائف المتأثرة، وما إذا كان الانتقال كلياً أم جزئياً.
كما أن المقارنة بين بيئتي الإنتاج اللبنانية والسورية تتطلب دراسة تكاليف الكهرباء والوقود والعمالة والنقل والضرائب، إلى جانب المخاطر التنظيمية والمالية في البلدين.
فلا يكفي القول إن وجهة استثمارية أصبحت أكثر جاذبية، من دون تحديد المعايير التي تستند إليها هذه المقارنة.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح مسألة هجرة المصانع على هذا المستوى يسلط الضوء على مشكلة أعمق: ضعف قدرة لبنان على توفير بيئة مستقرة للصناعة والاستثمار المنتج.
الطبقة الوسطى: التراجع الذي لا يظهر في الأرقام وحدها
من بين الفئات الأكثر عرضة لتداعيات أي انكماش اقتصادي جديد، تبرز الطبقة الوسطى التي تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط متراكمة.
فالعائلات التي كانت تعتمد على راتب ثابت أو مشروع صغير لتأمين التعليم والسكن والرعاية الصحية باتت تواجه تكاليف يصعب التنبؤ بها.
وقد لا يظهر تراجع المستوى المعيشي دائماً في صورة فقر شديد أو انعدام كامل للدخل.
أحياناً يظهر في قرار نقل الأطفال من مدرسة إلى أخرى، أو الاستغناء عن التأمين الصحي، أو تأجيل علاج الأسنان، أو تقليل الزيارات العائلية، أو التخلي عن أنشطة كانت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
إنه تراجع تدريجي في نوعية الحياة.
ومع كل أزمة إضافية، تضيق الخيارات المتاحة أمام الأسرة، ويصبح التخطيط للمستقبل أكثر صعوبة.
فالأسرة التي لا تستطيع الادخار تفقد قدرتها على مواجهة الطوارئ، والتي تنفق معظم دخلها على الأساسيات تصبح أكثر هشاشة أمام أي ارتفاع مفاجئ في الأسعار أو انقطاع في مصدر الرزق.
ولا تنحصر النتائج في الاقتصاد المنزلي، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والقدرة على الاستقلال المادي وتكوين الأسر والاستثمار في تعليم الأبناء.
وهكذا، يمكن للأزمة الاقتصادية أن تتحول تدريجياً إلى أزمة في الاستقرار الاجتماعي نفسه.
عندما تصبح الهجرة خياراً اقتصادياً لا طموحاً شخصياً
يرتبط تراجع فرص العمل والإنتاج في لبنان بسؤال آخر لا يقل أهمية: هل يستطيع الشباب بناء مستقبلهم داخل البلاد؟
فالهجرة ليست ظاهرة جديدة في المجتمع اللبناني، لكنها تكتسب دلالات مختلفة عندما تصبح مرتبطة بضعف الأجور وغياب الاستقرار وتقلّص فرص التطور المهني.
والخطر لا يقتصر على مغادرة الأفراد، بل يشمل خسارة الخبرات والمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد لإعادة بناء نفسه.
فخروج المهندسين والفنيين والمبرمجين والأطباء وأصحاب الكفاءات قد يضعف قدرة المؤسسات على التوسع والابتكار، فيما تصبح إعادة استقطاب هذه الخبرات أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج تمثل مورداً مهماً للعديد من الأسر، وتساعد على دعم الاستهلاك المحلي.
لكن الاعتماد المتزايد على الدخل القادم من الخارج يطرح سؤالاً بنيوياً: هل يستطيع اقتصاد أن يستعيد عافيته إذا أصبح تصدير اليد العاملة أحد أبرز مصادر تمويل معيشة سكانه؟
فالتحويلات يمكن أن تخفف الأعباء الاجتماعية، لكنها لا تعوّض وحدها غياب الاستثمارات الإنتاجية وفرص العمل المستدامة.
هل إنقاذ المؤسسات يعني إنقاذ الاقتصاد؟
في تصريحاته، دعا شقير إلى إجراءات ضريبية ومالية تساعد القطاع الخاص على الاستمرار، مؤكداً أن المطلوب ليس بالضرورة تقديم مساعدات مباشرة، بل توفير ظروف تخفف الأعباء عن المؤسسات.
وقد تكون هذه الإجراءات ضرورية لبعض الشركات التي تواجه ضغوطاً مؤقتة في السيولة أو ارتفاعاً استثنائياً في التكاليف.
لكن السؤال الأساسي يتعلق بطبيعة المؤسسات التي ستستفيد من أي تسهيلات، والشروط التي سترافقها.
فهل ستشمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد عليها أعداد كبيرة من الأسر؟ وهل سترتبط بالحفاظ على الوظائف؟ وهل ستتضمن آليات تمنع إساءة استخدامها أو تحويلها إلى إعفاءات غير عادلة؟
إن دعم القطاع الخاص لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة منفصلة عن حماية العاملين والمستهلكين.
كما أن أي تسوية ضريبية تحتاج إلى مراعاة العدالة بين المؤسسات الملتزمة بتسديد مستحقاتها وتلك المتعثرة، والتمييز بين التعثر الناتج عن ظروف استثنائية وبين التهرب المتعمد من الالتزامات.
فالمطلوب ليس إعفاء الاقتصاد من مسؤولياته الاجتماعية، بل تمكينه من الوفاء بها.
ومن هنا، تصبح حماية المؤسسات المنتجة جزءاً من سياسة اقتصادية أشمل، تتضمن إصلاح قطاع الكهرباء، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتطوير الإدارة العامة، وتعزيز الرقابة، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي.
أما الاكتفاء بتسهيلات قصيرة الأجل من دون معالجة أسباب ارتفاع التكاليف وضعف الاستثمار، فقد يؤجل بعض المشكلات من دون أن يحلها.
الدولة أمام اختبار يتجاوز إدارة الأزمة
يضع التحذير الاقتصادي الجديد الدولة اللبنانية أمام مسؤوليات لا يمكن اختزالها في إصدار بيانات أو عقد اجتماعات طارئة.
فالمؤسسات تحتاج إلى بيئة عمل مستقرة، والعمال يحتاجون إلى ضمانات اجتماعية، والمواطنون يحتاجون إلى خدمات عامة تخفف الأعباء التي يتحملونها بصورة فردية.
وعندما تضعف هذه العناصر مجتمعة، تصبح قدرة المجتمع على الصمود مرتبطة بإمكانات كل أسرة، لا بفاعلية المؤسسات العامة.
وهذا يوسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية.
فمن يمتلك مدخرات أو دخلاً من الخارج يستطيع غالباً مواجهة الأزمات لفترة أطول، بينما يواجه أصحاب الدخل المحدود والعاملون بأجور غير منتظمة مخاطر أكبر.
ولذلك، فإن أي خطة لمواجهة الانكماش تحتاج إلى الجمع بين دعم الإنتاج والحماية الاجتماعية، لا التعامل معهما باعتبارهما هدفين متعارضين.
ويشمل ذلك حماية استمرارية العمل، وتوسيع برامج الدعم الموجه إلى الأسر الأكثر هشاشة، وضمان وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية، ووضع سياسات أكثر وضوحاً للأجور والتعويضات.
كما يتطلب الأمر نشر بيانات اقتصادية دورية وموثوقة تسمح بتقييم حجم الأزمة، بدلاً من ترك النقاش العام رهينة التصريحات والتحذيرات المتفرقة.
فالسياسات الفعالة تبدأ بتشخيص دقيق للمشكلة، وليس بالاكتفاء بوصف خطورتها.
هل أصبح الانهيار حتمياً؟
على الرغم من حدة تصريحات شقير، لا يمكن اعتبار الانهيار الاقتصادي الشامل نتيجة حتمية أو واقعة مثبتة لمجرد صدور تحذير من ممثلي القطاع الخاص.
فالاقتصادات قد تمر بمراحل انكماش حادة من دون أن تصل بالضرورة إلى توقف شامل للنشاط، كما أن قدرة القطاعات المختلفة على الصمود تتفاوت بحسب طبيعة أعمالها ومصادر تمويلها وأسواقها.
لكن التقليل من أهمية التحذيرات لا يبدو مبرراً أيضاً.
فاستمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الطلب، واضطراب البيئة الأمنية، وضعف الخدمات العامة، كلها عوامل يمكن أن تؤدي إلى تدهور إضافي إذا لم تُعالج.
والتحدي الحقيقي يكمن في معرفة حجم هذا التدهور، ومدى انتشاره بين القطاعات، وتأثيره الفعلي على العمال والأسر.
وهنا تبرز الحاجة إلى أرقام مستقلة ومحدثة حول إغلاق المؤسسات، والتوظيف، والأجور الحقيقية، والإنتاج الصناعي، والاستثمار، والهجرة الاقتصادية.
ومن دون هذه البيانات، يبقى الحديث عن اقتراب الانهيار تقديراً يستوجب التحقق، لا حكماً نهائياً على مستقبل البلاد.
ما الذي يبقى للمواطن عندما يتراجع كل شيء؟
خلف النقاشات المتعلقة بالضرائب والضمان والمحروقات والاستثمار، هناك واقع يومي لا يمكن فصله عن أي تحليل اقتصادي.
موظف يحسب كلفة وصوله إلى عمله قبل أن يحسب ما سيتبقى من راتبه.
أب يراجع الأقساط المدرسية بحثاً عن دفعة يستطيع تأجيلها.
صاحب متجر يراقب تراجع المبيعات، ويحاول الاختيار بين الاستمرار بخسارة محدودة أو إغلاق مشروع أمضى سنوات في بنائه.
وشاب يحمل شهادة جامعية، لكنه لا يجد فرصة تتناسب مع تعليمه وطموحاته.
هذه المشاهد لا تحتاج بالضرورة إلى انهيار جديد كي تصبح مألوفة. لكنها قد تتسع إذا فقد الاقتصاد مزيداً من قدرته على توفير العمل والدخل والاستقرار.
فالأزمة الاجتماعية لا تبدأ دائماً عندما تختفي السلع من الأسواق أو تتوقف المؤسسات العامة عن العمل. قد تبدأ عندما تصبح الحياة الطبيعية نفسها عبئاً يفوق قدرة الأفراد.
وعندما يتحول التعليم والعلاج والسكن والنقل إلى مصادر قلق دائم، يصبح التراجع الاقتصادي مسألة تتعلق بكرامة الإنسان وفرصه ومستقبل أبنائه، لا بمجرد مؤشرات مالية.
الخطر ليس في انهيار الاقتصاد وحده… بل في خسارة القدرة على النهوض
يحمل تحذير محمد شقير رسالة واضحة بشأن الضغوط التي يواجهها القطاع الخاص اللبناني. لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشاً أكبر حول النموذج الاقتصادي الذي يستطيع لبنان الاعتماد عليه في السنوات المقبلة.
فحماية المؤسسات ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تترافق مع حماية العمال وإعادة بناء الخدمات العامة وتحسين شروط الإنتاج.
كما أن رفع الأجور لا يمكن أن يحقق الاستقرار المطلوب إذا استمر ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجعت فرص العمل.
ولا يمكن التعويل على تحويلات المغتربين أو قدرة اللبنانيين على التكيّف باعتبارهما بديلين دائمين عن اقتصاد منتج ومؤسسات عامة فاعلة.
إن الخطر الأكثر عمقاً لا يتمثل فقط في خسارة مالية إضافية أو إغلاق مجموعة من المؤسسات، بل في تآكل المقومات التي تسمح لأي مجتمع بإعادة بناء اقتصاده: العمل، والتعليم، والمهارات، والاستثمار، والثقة بالمستقبل.
وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل اللبنانيين اليوم أبعد من معرفة ما إذا كان الانهيار الكبير سيقع قريباً.
فالسؤال الأكثر إلحاحاً هو: كم يستطيع المجتمع اللبناني أن يخسر بعد، قبل أن تصبح استعادة حياته الطبيعية أصعب من مجرد إنقاذ اقتصاده؟


