بين صور بيروت القديمة والكولاج الرقمي، بنت الفنانة اللبنانية عدرا قنديل مشروع «Dear Nostalgia» الذي يعيد تشكيل الذاكرة والهوية. لكن هل يستطيع الفن استعادة الماضي من دون الوقوع في فخ تجميله؟
في إحدى الصور، تظهر بيروت كما نعرفها، لكنها ليست تماماً المدينة التي نعيش فيها. مبانٍ مألوفة تتجاور مع سماء خيالية، وصور قديمة تقتحمها ألوان معاصرة، ومشاهد تبدو مأخوذة من زمن مضى، قبل أن تكتشف أنها لم تحدث بهذه الطريقة أصلاً.
هذه المسافة بين الواقع والخيال هي المساحة التي تتحرك فيها الفنانة والمصممة اللبنانية عدرا قنديل، المعروفة فنياً باسم «Dear Nostalgia»، أي «عزيزتي النوستالجيا».
لا تقدّم قنديل صوراً تاريخية بالمعنى التوثيقي، ولا تحاول إعادة بناء بيروت كما كانت بدقة. بدلاً من ذلك، تعيد ترتيب شظايا الماضي لتصنع مشاهد تستحضر مدينة تسكن الذاكرة، حتى لدى أجيال لم تعرفها في تلك المرحلة.
ومن هنا يبدأ السؤال الأهم في تجربتها: كيف يمكن للإنسان أن يشتاق إلى زمن لم يعشه؟
من بيروت إلى برشلونة… ثم إلى عالم الكولاج
وُلدت عدرا قنديل ونشأت في بيروت، قبل أن تتابع دراستها في برشلونة، حيث درست الإعلان الإبداعي وبناء العلامات التجارية في معهد IED، ثم تخصّصت في مجالات الاتجاهات والابتكار في التصميم في مؤسسة Elisava.
لم تبدأ مسيرتها بعيداً عن عالم التصميم التجاري. فقد عملت في مجال الإدارة الفنية والإعلان، وهي تجربة مكّنتها من تطوير أدواتها في التكوين البصري، واستخدام الصورة والخطوط والألوان للتعبير عن فكرة محددة.
لكن هذه الأدوات نفسها وجدت طريقها إلى مشروع شخصي مختلف، أقل ارتباطاً بمتطلبات التسويق وأكثر انشغالاً بأسئلة المكان والهوية والذاكرة.
في مشروع «Dear Nostalgia»، تحوّلت الصورة من وسيلة لإيصال رسالة تجارية إلى مساحة مفتوحة للتأويل. وقد منحها الجمع بين التصوير الفوتوغرافي والكولاج والتصميم الرقمي إمكانية بناء عوالم لا تلتزم بقواعد الزمن أو الجغرافيا.
وتُظهر سيرتها المهنية مشاركات في معارض فنية داخل لبنان وخارجه، إلى جانب أعمال وتعاونات في مجالات التصميم مع جهات ثقافية ومؤسسات وعلامات تجارية دولية.
غير أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في عدد الجهات التي ارتبط اسمها بها، بقدر ما تكمن في طبيعة اللغة البصرية التي طوّرتها، وقدرتها على الانتقال بين الفن والتصميم من دون التعامل معهما باعتبارهما مجالين منفصلين تماماً.
بيروت التي سمعت عنها أكثر مما عاشتها
تحتل بيروت موقعاً مركزياً في أعمال قنديل، لكن علاقتها بالمدينة لا تقوم على التجربة الشخصية وحدها.
فهي تنتمي إلى جيل وُلد بعد القسم الأكبر من الحرب الأهلية اللبنانية، وتعرّف إلى مراحل سابقة من تاريخ بلاده عبر الصور والقصص العائلية والروايات المتناقلة بين الأجيال.

في تصريحات نشرتها صحيفة «ذا ناشيونال» عام 2020، تحدثت قنديل عن تأثرها بحكايات والديها وأجدادها عن بيروت، وعن الحنين إلى مرحلة لم تشهدها بنفسها.
هنا يتجاوز الحنين مجرد التعلق بذكريات شخصية. إنه شعور موروث، يُبنى من روايات الآخرين ويكتسب مع الوقت مكانة في خيال من لم يكونوا حاضرين.
تستعيد الفنانة صور الشوارع والمباني والسيارات القديمة، وتضعها داخل تراكيب جديدة. وقد يظهر القمر فوق مبنى تاريخي، أو تتداخل عناصر من عقود مختلفة في مشهد واحد، بحيث يصبح الزمن جزءاً من التكوين الفني لا إطاراً ثابتاً له.
هذا الاستخدام للماضي لا يعني أن الصورة الناتجة تقدّم حقيقة تاريخية. على العكس، فإن قوتها التعبيرية تنبع من قدرتها على إظهار الفارق بين ما حدث فعلاً، وما نتخيله حين نحاول استعادة ما فقدناه.
كيف تُصنع ذاكرة بصرية جديدة؟
تعتمد قنديل على جمع مواد بصرية من مصادر متعددة، بينها الصور القديمة والمجلات والصحف والمطبوعات والأرشيفات الرقمية، قبل إعادة تركيبها باستخدام تقنيات تقليدية ورقمية.

وفي مقابلة مع «CNN بالعربية» نُشرت في الثاني من تموز 2026، شرحت أن عملية العمل تبدأ أحياناً من صورة، وأحياناً من شعور أو حدث، وأن تجاور عناصر لا تنتمي إلى السياق نفسه يمكن أن ينتج معنى جديداً.
هذه الطريقة تُعرف بالكولاج، لكنها في تجربتها لا تقتصر على قص الصور ولصقها. فاختيار العناصر وتغيير أحجامها ومواقعها وإضافة النصوص والألوان يحوّل المواد الأصلية إلى عمل مستقل.
في أحد أعمالها المرتبطة ببرج المرّ في بيروت، أعادت قنديل تخيّل المبنى ضمن مشهد يتجاوز واقعه العمراني. ووفق مقابلة نشرتها مجلة «الرواية» عام 2021، ارتبط العمل بتخيّل مدينة يمكن أن تعيش احتمالات مختلفة، بينها حضور قطار يعبر بيروت.

تكمن دلالة هذا المثال في الانتقال من تصوير ما هو موجود إلى تخيّل ما كان يمكن أن يوجد.
فالبرج، المعروف بحضوره الثقيل في المشهد العمراني لبيروت، يصبح داخل العمل نقطة انطلاق لسؤال عن المسارات التي لم تسلكها المدينة، لا مجرد موضوع لصورة جميلة.
هل يجمّل الحنين الماضي؟
رغم الجاذبية البصرية لهذا النوع من الأعمال، تطرح تجربة قنديل سؤالاً نقدياً لا يمكن تجاهله: أي ماضٍ نختار أن نتذكره؟

عندما تُستعاد بيروت عبر صور المقاهي والشوارع والسيارات القديمة والواجهات المعمارية، قد تتكوّن لدى المشاهد صورة مثالية عن مرحلة تاريخية أكثر تعقيداً مما توحي به تلك اللقطات.
فالصور المنتقاة لا تستطيع وحدها تمثيل تجربة مجتمع كامل، كما أن الجمال العمراني والحياة الثقافية لا يقدّمان وصفاً شاملاً للأوضاع الاجتماعية والسياسية في أي حقبة.
وهنا يظهر الفارق الضروري بين الأرشيف التاريخي والعمل الفني.
الأرشيف يُستخدم لدراسة وقائع الماضي ضمن سياقها ومصادرها، بينما يسمح الفن بإعادة ترتيب العناصر وتغيير العلاقات بينها لإنتاج دلالات جديدة.
وقنديل نفسها لا تدّعي أنها تعيد تصوير الماضي كما كان. ففي مقابلة مع منصة «خمسة» بتاريخ 9 حزيران 2026، أوضحت أنها لم تكن مهتمة بتقديم الماضي بصورته الدقيقة، بل بوضع عناصر من أزمنة مختلفة في حوار مع الحاضر.
بهذا المعنى، لا يصح التعامل مع أعمالها باعتبارها وثائق عن بيروت القديمة، حتى عندما تحتوي على صور أرشيفية حقيقية.
ويمكن قراءتها بصورة أدق بوصفها محاولات للتعبير عن العلاقة العاطفية بالمكان، وعن الصورة التي يبنيها الناس لمدينتهم في الذاكرة.
لكن هذا لا يلغي السؤال النقدي: هل يساعد الحنين على فهم المدينة، أم قد يجعل صورتها المتخيلة أكثر حضوراً من تاريخها الفعلي؟
ليس لهذا السؤال جواب واحد، وهو لا ينتقص من قيمة التجربة. بل يضعها في إطار أوسع من النقاش حول العلاقة بين الفن والتاريخ والذاكرة الجماعية.
من الصورة الشخصية إلى الهوية البصرية للسينما العربية
لم يبقَ مشروع قنديل محصوراً في أعمال تستحضر بيروت وحدها.
ففي حزيران 2026، صممت الهوية البصرية للنسخة الخامسة من «أسبوع السينما العربية»، الذي نظمته «سينما عقيل» في دبي بين 5 و11 حزيران.

اعتمد التصميم على مفهوم الذاكرة بوصفها حركة مستمرة، من خلال مشهد يُرى عبر الزجاج الأمامي لسيارة، وتتداخل فيه عناصر من المشهد اللبناني مع إشارات إلى تاريخ السينما.
وفي قلب التكوين حضرت سينما ريفولي البيروتية، باعتبارها عنصراً بصرياً يربط الذاكرة السينمائية بالمكان.
وقد شرحت قنديل في حديثها إلى «خمسة» أن اختيار مشهد السيارة المتحركة جاء من رغبتها في جعل المشاهد يمر عبر طبقات الذاكرة بدلاً من الوقوف أمامها.
تكشف هذه التجربة تطوراً مهماً في استخدام أدواتها؛ إذ تنتقل اللغة البصرية التي ارتبطت بمشروع شخصي إلى تصميم هوية لحدث ثقافي يضم تجارب سينمائية عربية مختلفة.
فالسينما، مثل الكولاج، تعيد بناء الزمن عبر الصور. وبين اللقطات المتتابعة والمشاهد المركّبة، يصبح الماضي مادة قابلة لإعادة القراءة، لا مجرد زمن انتهى.
ما الذي تقوله أعمالها عن الفن اللبناني؟
تتحرك تجربة عدرا قنديل ضمن فضاء فني لبناني وعربي يستخدم الوسائط الرقمية للتعبير عن أسئلة الهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية.
وهي تجربة لا تنفصل تماماً عن عالم الإعلان والتصميم، لكنها لا تختزل نفسها فيه أيضاً.
فالصورة قد تكون غلافاً لمطبوعة، أو عملاً فنياً مستقلاً، أو جزءاً من هوية بصرية لحدث ثقافي. وما يجمع هذه الاستخدامات هو حضور أسلوب يعتمد على المزج بين الأرشيف والخيال والطباعة الفنية والألوان.
مع ذلك، لا تكفي المشاركات الدولية أو التعاونات التجارية وحدها للحكم على الأثر الثقافي لأي فنان. فتقييم هذا الأثر يحتاج أيضاً إلى النظر في طبيعة الأعمال، وكيفية تطورها، ومدى قدرتها على طرح أسئلة تتجاوز الجاذبية البصرية.
وفي حالة قنديل، يشكّل الحنين نقطة الانطلاق، لكنه يفتح الباب أمام موضوعات أوسع: كيف نتذكر الأماكن؟ ومن يصنع صورتها في مخيلتنا؟ وما الذي يبقى من المكان بعد أن يتغير؟
هذه الأسئلة لا تقدم أعمالها إجابات نهائية عنها، لكنها تمنح المشاهد فرصة للتفكير فيها.
ذاكرة لم تكتمل بعد
ليس ضرورياً أن تكون بيروت التي تظهر في أعمال عدرا قنديل قد وُجدت يوماً بتفاصيلها كلها.
فبعض المباني حقيقي، وبعض المشاهد مستمد من صور قديمة، لكن العلاقات التي تجمعها تنتمي إلى عالم تصنعه الفنانة، بين ما تعرفه عن المدينة وما تتخيله لها.
وهنا ربما تكمن الفكرة الأكثر إثارة للاهتمام في مشروعها: أن الحنين لا يتجه دائماً إلى ماضٍ نريد استعادته، بل يمكن أن يكشف أيضاً عن حاضر لم نتصالح معه، ومستقبل ما زلنا نحاول تخيّله.
عدرا قنديل لا ترسم بيروت كما كانت، ولا كما هي اليوم بالضرورة. إنها تقترح صورة ثالثة، تقع بين الذاكرة والاحتمال.
ويبقى السؤال الذي تتركه هذه الأعمال مفتوحاً: عندما نشتاق إلى مدينة لم نعشها، هل نبحث عن ماضيها، أم عن مستقبل تمنّينا أن يكون لنا فيها؟


