لم يكن الأمر مجرد تغيّر عابر في مشهد النهر. ففي 29 تشرين الأول 2026، أصدرت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بياناً أعلنت فيه رصد تدهور ملحوظ في نوعية المياه في الحوض الأدنى من النهر، جنوب لبنان، بعدما تغيّر لونها إلى الأسود والأحمر في عدة مواقع، وصولاً إلى سد الزرارية التحويلي.
التغيّر، الذي قالت المصلحة إنها رصدته منذ 28 تشرين الأول، دفعها إلى أخذ عينات لإجراء فحوص مخبرية وتحديد طبيعة المواد الموجودة في المياه ومصادرها.
لكن البيان طرح احتمالين شديدَي الحساسية: ارتباط الظاهرة بالتفجيرات الإسرائيلية في المنطقة، أو وجود أعمال عبث أو تلويث متعمد.
ولم تؤكد المصلحة أياً من الاحتمالين باعتباره السبب النهائي.
وهنا يبدأ السؤال الاستقصائي: كيف يمكن لنهر يدخل في مشاريع الري وتأمين مياه الشرب أن يتعرض لتغير ظاهر في نوعية مياهه، بينما لا تزال الأسباب الدقيقة مجهولة؟ وما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لحماية المستخدمين قبل اكتمال التحقيق المخبري؟

من أين بدأت الظاهرة؟
وفق بيان المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، شمل تغيّر اللون عدة نقاط في الحوض الأدنى، وامتد حتى سد الزرارية التحويلي.
لكن البيان لم ينشر قائمة تفصيلية بمحطات الرصد التي ظهرت فيها الألوان غير الاعتيادية، أو قياسات التركيز والتدفق، أو صوراً مؤرخة لكل نقطة أخذت منها عينة.
وهذه التفاصيل ليست ثانوية.
فمعرفة موقع ظهور التغير للمرة الأولى، واتجاه امتداده، وتوقيت وصوله إلى نقاط أخرى، قد تساعد المختصين على تضييق نطاق البحث عن المصدر.
لكن لا يجوز تحديد مصدر محتمل للتلوث اعتماداً على اتجاه المياه وحده، من دون نتائج مخبرية وبيانات هيدرولوجية ومعلومات موثقة عن الأنشطة الواقعة قرب مجرى النهر.
وبناءً على ما نُشر حتى الآن، يمكن إثبات حدوث تغير ملحوظ في اللون، لكن لا يمكن تحديد النقطة التي بدأ منها أو المادة التي تسببت فيه.

لماذا لا يكفي لون المياه لمعرفة ما حدث؟
قد يشير تغيّر لون المياه إلى وجود رواسب أو مواد عضوية أو تغيرات كيميائية أو تصريف سوائل ذات خصائص مختلفة.
لكن اللون، مهما بدا مقلقاً، ليس اختباراً مخبرياً.
فالمياه التي تبدو داكنة قد تختلف جذرياً في تركيبها عن مياه أخرى تحمل اللون نفسه. وقد تنتج ألوان متشابهة عن أسباب مختلفة.
ولهذا لا يمكن الجزم بأن السواد ناجم عن وقود أو زيوت، أو أن اللون الأحمر ناجم عن دماء أو مواد كيميائية محددة، لمجرد مشاهدة الصور أو تسجيلات الفيديو.
يتطلب التحديد إجراء تحاليل للعينات المناسبة، ومقارنتها بعينات مرجعية وبيانات الرصد السابقة، مع توثيق ظروف أخذ العينات وحفظها.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين اكتشاف مادة في المياه وبين إثبات مصدرها، ثم بين إثبات المصدر وتحديد الجهة المسؤولة عنه.
فهي ثلاث مراحل مختلفة، لا يجوز القفز من إحداها إلى الأخرى.
هل يمكن أن تكون التفجيرات الإسرائيلية وراء التغير؟
هذا الاحتمال ورد صراحة في بيان المصلحة الوطنية لنهر الليطاني.
فالمصلحة أعلنت أنها تريد التحقق من مدى ارتباط تدهور المياه بالتفجيرات الإسرائيلية، ضمن الظروف الأمنية التي يشهدها الجنوب.
لكن مجرد إدراج هذا الاحتمال لا يجعله نتيجة مثبتة.
فالربط بين تفجير معيّن وتغير لاحق في مياه النهر يتطلب معطيات إضافية، منها موقع التفجير وتوقيته، وطبيعة المواد التي يحتمل وصولها إلى المجرى المائي، واتجاه انتقالها، ونتائج التحاليل التي يمكن مقارنتها بالظروف السابقة.
كذلك ينبغي فحص احتمالات أخرى، بينها تصريف مياه عادمة أو مخلفات صناعية أو تغيرات في الرواسب أو مصادر تلوث غير مرتبطة مباشرة بالأعمال العسكرية.
وهنا لا بد من التأكيد أن طرح البدائل لا ينفي احتمال الضرر الناجم عن الاعتداءات الإسرائيلية، لكنه يمنع تحويل فرضية قيد الفحص إلى استنتاج علمي أو اتهام محدد قبل اكتمال الأدلة.
وإذا أثبتت الفحوص لاحقاً وجود صلة بأعمال عسكرية، فسيكون توثيق مسار التلوث وحجمه وآثاره ضرورياً لأي مساءلة قانونية أو مطالبة بالتعويض.

مياه تتصل بالزراعة والشرب… ما حجم الخطر؟
تحذّر المصلحة الوطنية من أن مياه المنطقة المعنية تُستثمر في مشاريع الري وتأمين مياه الشرب، ما يجعل أي تلوث يمسها قضية تتجاوز المشهد البيئي.
لكن وجود مشروعات تستفيد من المياه لا يعني تلقائياً أن المياه غير المطابقة وصلت إلى المنازل أو استخدمت في ري محاصيل خلال أيام الحادثة.
فالإجابة تتوقف على مواقع السحب، وطرق المعالجة، ووضع شبكات التوزيع، وأي قرارات تشغيلية اتخذتها الجهات المختصة.
وهنا تظهر فجوة مهمة في المعلومات المنشورة.
فلم يتضمن البيان الأصلي تحديداً لمحطات أو شبكات مياه شرب ثبت تأثرها، كما لم يعلن نتائج فحوص تُظهر تجاوزاً لمعيار كيميائي أو جرثومي محدد.
ولا تتوافر، في الوثائق التي أمكن مراجعتها حتى 30 تشرين الأول، حصيلة منشورة تحدد ما إذا كانت هناك حاجة إلى وقف سحب المياه من نقاط معينة أو تقييد استعمالها.
ومع ذلك، فإن غياب نتيجة مخبرية معلنة لا يُعد دليلاً على سلامة المياه، كما لا يُعد إثباتاً لخطر صحي محدد.
لذلك، تصبح مسؤولية الجهات المعنية مضاعفة في نشر النتائج وإبلاغ المنتفعين بأي تدبير وقائي يستدعيه التقييم العلمي.
قبل يوم واحد… طلب لإعداد مواصفات وطنية للمياه
في 28 تشرين الأول 2026، أي قبل بيان تغيّر اللون بيوم واحد، نشرت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني خبراً عن طلبها العمل على إعداد مواصفات وطنية لنوعية المياه السطحية والمياه المستخدمة للري، بالتعاون مع مؤسسة المقاييس والمواصفات اللبنانية.
ولا يمكن الجزم بأن هذا الطلب جاء استجابةً للظاهرة التي رُصدت في الحوض الأدنى؛ فالبيان لا يثبت وجود علاقة سببية أو إدارية مباشرة بين الحدثين.
لكن تزامنهما يسلط الضوء على سؤال تنظيمي مهم.
فحماية المياه تحتاج إلى معايير قابلة للقياس ومعلنة للعموم، تحدد الحدود المقبولة للملوثات بحسب نوع الاستخدام، سواء للشرب بعد المعالجة أو للري أو لحماية الأنظمة البيئية.
كما تحتاج إلى آليات واضحة تحدد من يراقب، ومن ينشر البيانات، ومن يصدر التعليمات عند تجاوز الحدود المعتمدة.
فالتحليل المخبري لا يؤدي دوره كاملاً إذا بقيت نتائجه محصورة في المراسلات الإدارية ولم تتحول إلى معلومات مفهومة وإجراءات قابلة للتنفيذ.
مشكلة أوسع من لون النهر
ليست حادثة تشرين الأول القضية البيئية الوحيدة التي وثقتها المصلحة الوطنية خلال الشهر نفسه.
ففي 22 تشرين الأول، أعلنت المصلحة رصد مكب عشوائي للردميات والنفايات على العقار رقم 2115 في منطقة العباسية العقارية، بمحاذاة قناة ري القاسمية – رأس العين.
ووفق بيانات الكشف والتكييل التي نشرتها، بلغت مساحة الردميات نحو 3,150 متراً مربعاً، منها 660 متراً مربعاً داخل حرم قناة الري.
كما تحدثت عن إحراق بعض المخلفات، وعن مخاطر على تشغيل القناة وصيانتها ونوعية مياه الري والتربة والهواء.
وأشارت إلى أنها وجهت تنبيهات للبلدية، فيما أفاد رئيس البلدية، بحسب رواية المصلحة، بأن البلدية غير معنية بهذه الردميات.
هذا الملف مختلف من حيث الموقع وطبيعة الوقائع عن حادثة تغير لون مياه الحوض الأدنى.
ولا توجد أدلة منشورة تسمح بربط المكب مباشرة باللون الأسود والأحمر الذي ظهر لاحقاً في النهر.
لكن وجود ملفين موثقين في الشهر نفسه يكشف اتساع تحديات حماية الموارد المائية، بين الرقابة على حرم منشآت الري والاستجابة لتغيرات نوعية مياه النهر.
من يتحمل مسؤولية الحماية؟
تتوزع مسؤوليات حماية المياه بين أكثر من جهة.
فالمصلحة الوطنية لنهر الليطاني تراقب الموارد الواقعة ضمن نطاق عملها وتدير منشآت ومشاريع مرتبطة بها، بينما تدخل وزارات ومؤسسات أخرى في تنظيم مياه الشرب والري والبيئة والصناعة والصحة العامة.
وهذا التداخل لا يثبت وجود تقصير من جهة معينة في الحادثة الأخيرة.
لكنه يطرح سؤالاً عملياً: إذا أثبتت الفحوص وجود تلوث يفرض إجراءً فورياً، فمن يصدر القرار؟ ومن يبلغ المزارعين؟ ومن يتولى حماية مصادر مياه الشرب؟ ومتى تُنشر النتائج؟
تحتاج الاستجابة إلى سلسلة واضحة من المسؤوليات، تبدأ بأخذ العينات وتنتهي بالتأكد من معالجة السبب، لا بمجرد توثيق تغير اللون.
كما ينبغي توفير معلومات دورية عن الوضع المائي، حتى لا تصبح صحة الناس وزراعتهم رهينة الشائعات المتداولة على مواقع التواصل.
ما الذي نحتاج إلى معرفته من نتائج الفحوص؟
يمكن تحديد أولويات التدقيق المقبلة في سبعة أسئلة أساسية:
أولاً: في أي مواقع بالضبط أخذت العينات، وما تاريخ وساعة أخذ كل عينة؟
ثانياً: ما الفحوص الكيميائية والفيزيائية والجرثومية التي أُجريت، وما نتائجها مقارنة بالقيم المرجعية؟
ثالثاً: هل ظهرت المواد نفسها في جميع نقاط الرصد، أم اختلفت طبيعتها وتركيزاتها بين المواقع؟
رابعاً: هل جرى أخذ عينات مرجعية من مواقع لم يظهر فيها تغير اللون، للمقارنة العلمية؟
خامساً: هل تتوافر بيانات موثقة تربط النتائج بموقع تفجير أو تصريف أو نشاط بشري محدد؟
سادساً: هل تأثرت أي منشأة لسحب المياه أو الري أو الشرب، وهل صدرت تعليمات تشغيلية احترازية؟
سابعاً: هل ستُنشر نتائج المختبر كاملة، بما فيها طرق التحليل وحدود الكشف وتفسير المخاطر على المستخدمين؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية منفصلة عن اهتمام السكان.
فمن دون إجاباتها، يصعب معرفة ما إذا كانت الحادثة تغيراً مؤقتاً في المظهر، أو تلوثاً ذا آثار بيئية وصحية، أو مؤشراً على مشكلة تحتاج إلى معالجة طويلة الأمد.
الجنوب لا يحتاج إلى صور مقلقة فقط… بل إلى نتائج
عندما يتغير لون مياه نهر إلى الأسود أو الأحمر، تنتشر الصور أسرع من الفحوص المخبرية.
وقد تنشأ روايات متضاربة: بعضها ينسب التغير مباشرة إلى القصف، وبعضها يتحدث عن مواد سامة أو تصريف متعمد، فيما لا يقدم أي منها بالضرورة أدلة علمية كافية.
لكن مهمة المؤسسات العامة لا تتوقف عند التحذير، ومهمة الصحافة لا تقتصر على إعادة نشر المشهد.
فالتحقيق الجدي يبدأ من السؤال: ماذا أظهرت العينات، وأين يقع المصدر، ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت مخالفة أو ضرر؟
حتى 30 تشرين الأول 2026، الثابت هو أن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني رصدت تغيراً ملحوظاً في لون المياه، وأخذت عينات لتحديد الأسباب، وحذرت من التداعيات المحتملة على المياه والزراعة والصحة.
أما طبيعة الملوثات، ومصدرها، ودرجة الخطورة، والأثر الفعلي على المستخدمين، فلم تُحسم في المعلومات المنشورة التي راجعناها.
وهنا تكمن القضية: ليس المطلوب فقط أن نعرف لماذا تغيّر لون الليطاني، بل أن نعرف كيف ستُحمى المياه التي يعتمد عليها الناس، ومَن سيحاسَب إذا أثبتت الأدلة حصول تلوث ناجم عن فعل أو مخالفة.
ويبقى سؤال «المسمار»:
حين يتحول لون النهر إلى إنذار علني، فهل تتحول نتائج الفحوص إلى إجراءات تحمي الناس، أم تبقى الحقيقة معلّقة بين الاحتمالات؟


