لم تعد بداية الحياة المهنية بالنسبة إلى بعض الشباب اللبنانيين تعني الادخار لشراء منزل أو التخطيط للزواج أو تحقيق الاستقلال المادي. فالراتب الأول، الذي يُفترض أن يكون بداية مشروع شخصي، قد يتحول إلى مصدر لتسديد فواتير المنزل أو شراء الأدوية أو دعم والدين تراجعت قدرتهما على تأمين احتياجاتهما.
في مجتمع اعتاد أن تؤدي العائلة دور شبكة الأمان الأولى، تبدّلت الأدوار تحت وطأة الأزمات المتلاحقة. وأصبح الابن الذي كان ينتظر المساعدة من أهله مطالباً أحياناً بمساعدتهم، فيما تجد أسر كثيرة نفسها أمام واقع لم تكن قد خططت له: شباب في بداية حياتهم يتحملون مسؤوليات مالية متعددة، وآباء وأمهات فقدوا جزءاً من استقلالهم الاقتصادي.
ولا تقتصر القضية على التحويلات المالية أو المشاركة في نفقات المنزل. إنها تمسّ العلاقة بين الأجيال، ومعنى الاستقلال، والشعور بالواجب، والقرارات الشخصية التي قد تُؤجّل سنوات بسبب احتياجات الأسرة.

عندما يصبح الابن سنداً اقتصادياً للعائلة
في تقرير نشرته صحيفة «لوريان توداي» في 30 تشرين الأول 2026، تناولت الصحافية ستيفاني بشارة ظاهرة تحمّل شباب لبنانيين أعباء إعالة والديهم، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتعثر وصول مودعين إلى مدخراتهم المصرفية.
وتُظهر الحالات التي تناولها التقرير كيف قد يجد أشخاص في العشرينيات من أعمارهم أنفسهم أمام مسؤوليات تتجاوز حاجاتهم الشخصية. فبدلاً من تخصيص الدخل للادخار أو الاستثمار أو تأسيس منزل، يتجه جزء منه إلى دعم الأسرة، سواء كان الأبناء يعملون داخل لبنان أو خارجه.
هذه الظاهرة ليست جديدة بالكامل. فالعائلات اللبنانية عرفت تاريخياً أشكالاً متعددة من التضامن المالي بين أفرادها، كما شكّلت تحويلات المغتربين مصدراً مهماً لدعم أسرهم.
لكن ما تغيّر هو السياق الاقتصادي الذي تُمارَس فيه هذه المساعدة.
فالدعم الذي كان يُقدَّم في بعض الحالات باعتباره مساندة إضافية، قد يصبح اليوم شرطاً لتغطية نفقات أساسية، كالغذاء والسكن والرعاية الصحية.
وهنا يتحول التضامن من خيار قائم على القدرة والرغبة إلى مسؤولية يصعب على بعض الأبناء الانسحاب منها، حتى عندما يكون دخلهم محدوداً.
أزمة المصارف… عندما يفقد الأهل أمانهم المالي

منذ الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، واجه كثير من اللبنانيين قيوداً على الوصول إلى ودائعهم المصرفية، وخسائر كبيرة في قيمة الأموال المتاحة لهم.
وقد أثرت الأزمة بصورة خاصة في الأشخاص الذين اعتمدوا على مدخراتهم لتأمين التقاعد أو تغطية النفقات الصحية والمعيشية بعد انتهاء سنوات العمل.
فالادخار الذي كان يُفترض أن يمنح صاحبه قدراً من الأمان في سنوات الشيخوخة لم يعد يؤدي الوظيفة نفسها لدى العديد من الأسر.
وترافقت هذه الأزمة مع تدهور القدرة الشرائية للرواتب والمعاشات المقوّمة بالليرة اللبنانية، في مقابل ارتفاع أسعار سلع وخدمات أساسية.
من هنا، لم يعد الاعتماد على الأبناء مرتبطاً بالضرورة بغياب التخطيط المالي لدى الوالدين.
فقد يكون الأب أو الأم قد عملا طوال عقود، وادّخرا ما اعتقدا أنه كافٍ لتأمين المستقبل، قبل أن تؤدي التحولات النقدية والمصرفية إلى تقويض هذا الأمان.
وتكتسب هذه النقطة أهمية اجتماعية لأنها تُغيّر طريقة النظر إلى العلاقة بين الأجيال.
فالأهل الذين كانوا يقدّمون الدعم لأبنائهم قد يحتاجون إليه اليوم، لا بسبب اختيار شخصي، بل نتيجة ظروف اقتصادية ومؤسساتية تجاوزت سيطرتهم.
ماذا يخسر الشباب عندما يصبحون مسؤولين عن الجميع؟
قد لا يبدو إرسال مبلغ شهري إلى الوالدين أمراً استثنائياً في مجتمع يمنح التضامن العائلي قيمة كبيرة.
لكن أثر هذا الالتزام يختلف باختلاف حجم الدخل والاحتياجات والمسؤوليات الأخرى.
فالشاب الذي يتقاضى راتباً مرتفعاً نسبياً قد يستطيع المساهمة في نفقات أهله من دون أن تتأثر حياته بصورة جوهرية. أما من يتقاضى دخلاً محدوداً، فقد يجد نفسه مضطراً إلى المفاضلة بين احتياجات أسرته وخططه الشخصية.
وقد تظهر هذه المفاضلة في تأجيل الانتقال إلى منزل مستقل، أو تقليص الادخار، أو اختيار وظيفة أعلى دخلاً على حساب التخصص أو الاستقرار، أو تأخير الزواج والإنجاب.
ولا تعني هذه الخيارات أن جميع الشباب اللبنانيين يواجهون التجربة نفسها، ولا أن مساعدة الوالدين تؤدي دائماً إلى نتائج سلبية.
فقد تكون المساهمة العائلية مصدر اعتزاز وتماسك وشعور متبادل بالمسؤولية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح التضحية المستمرة شرطاً غير معلن للحفاظ على استقرار الأسرة، في غياب موارد أخرى تسمح بتوزيع العبء.
عندها قد يشعر الفرد بأنه مطالب ببناء مستقبلين في الوقت نفسه: مستقبل والديه الذي أصبح مهدداً، ومستقبله الشخصي الذي لم يبدأ بعد.
الأدوار المقلوبة… هل تحوّل الأبناء إلى آباء؟
يستخدم بعض الباحثين في علم النفس الأسري مفهوم «قلب الأدوار» أو «تولّي الأبناء أدواراً والدية» لوصف الحالات التي يتحمل فيها الأبناء مسؤوليات تفوق المرحلة العمرية أو الموقع المفترض لهم داخل الأسرة.
لكن من الضروري التمييز بين المساعدة العائلية الطبيعية وبين الأعباء التي قد تؤثر سلباً في استقلال الفرد وصحته النفسية.
فمساهمة شاب بالغ في إعالة والديه لا تُعدّ بحد ذاتها اضطراباً أو مشكلة نفسية.
إنما تصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما يشعر بأنه المسؤول الوحيد عن سلامة الأسرة المالية، أو عندما يعجز عن التعبير عن احتياجاته خشية أن يُفهم ذلك على أنه تقصير أو نكران للجميل.
وقد يترافق هذا الوضع مع توتر مستمر بشأن المستقبل، وصعوبة اتخاذ قرارات شخصية، والشعور بالذنب عند الإنفاق على الذات.
ومع ذلك، لا يجوز افتراض هذه المشاعر لدى جميع من يساعدون أسرهم. فالتجربة تختلف تبعاً للعلاقة بين أفراد العائلة، ووضوح التوقعات، ومدى وجود أشخاص آخرين يشاركون المسؤولية.
والأهم أن الظاهرة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها خللاً في العلاقات العائلية وحدها، بل ضمن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت بعض الأسر إلى الاعتماد المتزايد على أبنائها.
الاغتراب… فرصة للخلاص أم التزام مالي لا ينتهي؟
لطالما شكّلت الهجرة جزءاً من الحياة اللبنانية، وأدت التحويلات المالية دوراً مهماً في دعم الأسر داخل البلاد.
لكن العلاقة بين السفر والاستقلال الاقتصادي أصبحت أكثر تعقيداً بعد الأزمة.
فالشاب الذي يغادر لبنان بحثاً عن دخل أفضل قد يجد نفسه مطالباً بتغطية نفقاته في بلد الإقامة، وإرسال مبالغ منتظمة إلى عائلته في الوقت نفسه.
وهذا يعني أن تحسن الدخل لا يتحول بالضرورة إلى تحسن مماثل في القدرة على الادخار.
فالإيجار والتأمين الصحي والضرائب وتكاليف النقل في بلد الاغتراب قد تستحوذ على جزء كبير من الدخل، فيما تذهب مبالغ أخرى إلى تغطية احتياجات الأهل في لبنان.
وفي بعض الحالات، قد يتحول قرار الهجرة نفسه من مشروع مهني شخصي إلى وسيلة لتأمين احتياجات الأسرة.
لكن أثر هذا التحول ليس واحداً لدى الجميع.
فقد تتيح الهجرة لبعض الأشخاص تحسين وضعهم ووضع أسرهم معاً، بينما يواجه آخرون صعوبة في التوفيق بين التزاماتهم في الخارج ومسؤولياتهم في الداخل.
ومن دون بيانات وطنية تفصيلية عن حجم التحويلات المخصصة لإعالة الوالدين تحديداً، يصعب قياس اتساع هذه الظاهرة إحصائياً. إلا أن حضورها في التجارب الفردية والتغطيات الاجتماعية يبرر دراستها بصورة أعمق.
العائلة شبكة أمان… ولكن إلى متى؟
أعاد تقرير صادر عن منظمة «ميرسي كور» في 19 تشرين الأول 2026 تسليط الضوء على دور شبكات الدعم غير الرسمية في لبنان، بما فيها الأسرة والأصدقاء والجيران والمغتربون.
ويشير التقرير إلى أن هذه الشبكات تؤدي دوراً أساسياً في مساعدة الأسر على مواجهة الأزمات، خصوصاً عندما تكون برامج الحماية الاجتماعية الرسمية محدودة أو غير كافية.

وقد يشمل الدعم تقديم الأموال، أو الغذاء، أو المساعدة في الحصول على الخدمات، أو الرعاية المعنوية والعملية.
لكن التقرير يحذّر أيضاً من محدودية قدرة الشبكات العائلية والاجتماعية على تحمل الصدمات المتكررة، خصوصاً عندما تتأثر الجماعة نفسها بالأزمة.
وهذه الخلاصة تكشف جوهر المشكلة اللبنانية.
فالأسرة قد تساعد أحد أفرادها عندما يتعرض لأزمة مفاجئة. لكن ماذا يحدث عندما يحتاج معظم أفراد الأسرة إلى المساعدة في الوقت نفسه؟
وماذا يحدث عندما يصبح الشخص الذي يقدم الدعم معرضاً بدوره لخسارة العمل أو ارتفاع تكاليف المعيشة أو النزوح؟
هنا تظهر حدود التضامن العائلي، مهما كان قوياً.
فالمحبة والعلاقات الاجتماعية تستطيع تخفيف أثر الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض نظام تقاعد فعال أو تغطية صحية شاملة أو حماية كافية للدخل.
المجتمع بين قيمتين: الوفاء للأهل والحق في الاستقلال
تحظى رعاية الوالدين بمكانة أخلاقية واجتماعية مهمة في لبنان، كما في مجتمعات عربية كثيرة.
ولا تتعارض هذه القيمة بالضرورة مع استقلال الأبناء وبناء حياتهم الخاصة.
لكن التوتر يظهر عندما تصبح المساعدة المالية معياراً وحيداً لقياس الوفاء العائلي، أو عندما يُتوقع من الابن أو الابنة التضحية بخططهما الشخصية بصورة مستمرة.
فالعلاقة الصحية بين الأجيال لا ينبغي أن تقوم على تحويل أحد الأطراف إلى مصدر تمويل دائم للطرف الآخر، من دون نقاش واضح حول الإمكانات والاحتياجات.
وقد يكون من الضروري داخل الأسر التمييز بين النفقات الأساسية التي تتطلب تضامناً عاجلاً، والالتزامات التي يمكن توزيعها أو إعادة تنظيمها.
كما أن وجود أكثر من شخص قادر على المساهمة قد يخفف الضغط عن فرد واحد، خصوصاً عندما تكون المسؤولية المالية مصحوبة بمسؤوليات رعاية صحية أو منزلية.
لكن حتى أفضل الترتيبات العائلية تبقى محدودة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية العامة.
ولذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تبدأ بمطالبة الشباب بتقديم المزيد من المال، ولا بمطالبة الأهل بالاكتفاء الذاتي في ظروف قد تجعل ذلك مستحيلاً.
بل تبدأ بالاعتراف بأن العلاقة بين الأجيال تأثرت بأزمة اقتصادية عميقة تحتاج إلى حلول مؤسساتية.
أين الدولة من حماية الأجيال؟
تسلط هذه التحولات الضوء على أهمية الحماية الاجتماعية في بلد يواجه سكانه صعوبات معيشية متراكمة.
فغياب التغطية الكافية للشيخوخة، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وضعف القدرة الشرائية، كلها عوامل قد تدفع الأسر إلى الاعتماد على موارد أبنائها.

ومن هنا، لا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها قضية عائلية خاصة فقط.
إنها ترتبط بسياسات الأجور والتقاعد والصحة والحماية الاجتماعية، وبقدرة المؤسسات على تخفيف المخاطر التي تواجه الأفراد في مختلف مراحل حياتهم.
كما أن توفير فرص عمل مستقرة للشباب لا يخدم مستقبلهم الشخصي وحده، بل يعزز قدرة الأسر على مواجهة الأزمات من دون نقل العبء كاملاً من جيل إلى آخر.
والتحدي ليس إلغاء التضامن العائلي، بل منع تحوله إلى البديل الوحيد عن الحقوق والخدمات الأساسية.
فالمجتمع الذي يعتمد في بقائه على تضحية مستمرة من شبابه قد يتمكن من تجاوز أزمات قصيرة، لكنه يواجه صعوبة في بناء استقرار طويل الأمد.
من يسند الجيل الذي يسند أهله؟
في لبنان، لم تعد بعض قصص الشباب تُكتب وفق التسلسل الذي عرفته أجيال سابقة: دراسة، ثم عمل، ثم استقلال، ثم تأسيس عائلة.
فالأزمة الاقتصادية غيّرت ترتيب الأولويات، ودفعت بعض الأبناء إلى تحمّل مسؤوليات مالية وعائلية في مرحلة مبكرة من حياتهم المهنية.
وقد يكون هذا التضامن تعبيراً عن علاقة عميقة بين أفراد الأسرة، لكنه يحمل أيضاً كلفة اجتماعية عندما يصبح إلزامياً ومستداماً، ولا ترافقه حماية اقتصادية مناسبة.
فالأهل الذين يحتاجون إلى المساعدة يستحقون الأمان بعد سنوات من العمل، والأبناء الذين يقدمونها يستحقون بدورهم فرصة لبناء حياتهم من دون شعور دائم بأن مستقبل الأسرة كله يتوقف عليهم.
المشكلة ليست أن الأبناء يساعدون آباءهم، بل أن الظروف جعلت بعض العائلات عاجزة عن الاستمرار من دون أن يؤجّل جيل كامل جزءاً من أحلامه.
وفي بلد اعتاد أن يجد في العائلة ملاذه الأخير، يبقى السؤال الذي يتجاوز حدود المنازل إلى مسؤولية المؤسسات والمجتمع:
من يحمي مستقبل الشباب الذين أصبحوا مسؤولين عن حماية مستقبل أهلهم؟


