مياه تكفي لثلاثة أيام، طعام لأسبوع، أدوية أساسية، أجهزة راديو تعمل بالبطاريات، ونقود ورقية للاستخدام حين تتوقف أنظمة الدفع الإلكتروني.
هذه ليست قائمة مستلزمات لرحلة تخييم، بل جزء من الإرشادات الرسمية التي تنشرها حكومات أوروبية لمواطنيها استعداداً لأزمات قد تعطل الحياة اليومية.
في 22 تشرين الأول 2026، أعلنت بريطانيا حملة وطنية جديدة للاستعداد للطوارئ. وقبلها، أطلق الاتحاد الأوروبي استراتيجية تشمل مخاطر النزاعات العسكرية والهجمات الإلكترونية والتخريب، فيما وزعت السويد والنرويج كتيبات إرشادية على الأسر، وحدّثت ألمانيا دليلها للحماية المدنية ليتناول الحرب ضمن سيناريوهات الأزمات.
وتزامن انتشار هذه المعلومات مع عناوين إعلامية تتحدث عن 17 دولة تطلب من سكانها تخزين الغذاء والماء، ما أثار تساؤلات عن احتمال اقتراب مواجهة عسكرية واسعة.
لكن مراجعة الوثائق الأصلية تكشف صورة أكثر تعقيداً.
فالحكومات لم تتخذ قراراً موحداً في تشرين الأول 2026، ولم تعلن وجود موعد لحرب عالمية. إلا أن إدراج الحرب صراحة في بعض خطط الاستعداد المدني ليس تفصيلاً يمكن تجاهله.
فهل تستعد الدول لخطر عسكري متصاعد، أم أن اعتماد المجتمعات الحديثة على الكهرباء والإنترنت وشبكات الإمداد جعلها أكثر عرضة للانهيار عند وقوع أي أزمة كبرى؟
بريطانيا… لماذا أطلقت الحكومة حملة جديدة الآن؟
في 22 تشرين الأول 2026، أعلنت الحكومة البريطانية إطلاق المرحلة الأولى من حملة «Be Ready»، وهي برنامج توعية يمتد ثلاث سنوات ويهدف إلى مساعدة الأسر على الاستعداد لتعطل الخدمات الأساسية.
وتشمل السيناريوهات الواردة في البيان الحكومي انقطاع الكهرباء والمياه والهواتف والإنترنت، ولا سيما بسبب الظروف الجوية القاسية وغيرها من حالات الطوارئ.
وتدعو الحملة إلى الاحتفاظ بمستلزمات أساسية تكفي لنحو ثلاثة أيام، مع بناء المخزون تدريجياً بدلاً من شراء كميات كبيرة بصورة مفاجئة.
لكن التدقيق في الإعلان يكشف حقيقة مهمة: بريطانيا لم تبدأ سياسة الاستعداد المنزلي في تشرين الأول 2026.
فقد نشرت الحكومة إرشادات مماثلة منذ أيار 2024، بينما تمثل الحملة الجديدة توسيعاً للجهود السابقة.
والأهم أن البيان البريطاني لا يعلن وجود تهديد عسكري وشيك أو معلومات استخبارية عن هجوم محدد.
ومع ذلك، فإن اختيار الحكومة تخصيص حملة تستمر ثلاث سنوات لهذا الموضوع يوضح أنها تتعامل مع جاهزية السكان بوصفها سياسة عامة طويلة الأمد، وليست مجرد رد فعل على حادثة مؤقتة.
وهنا يبدأ السؤال الأوسع: لماذا تتجه الحكومات إلى تحميل الأسر جزءاً من مسؤولية مواجهة اضطرابات الخدمات التي كانت تُعد، تقليدياً، مسؤولية المؤسسات العامة؟
الاتحاد الأوروبي… الحرب تدخل حسابات الاستعداد المدني
في 26 آذار 2025، كشفت المفوضية الأوروبية عن استراتيجية «اتحاد الاستعداد»، متضمنة ثلاثين إجراء لتعزيز قدرة دول الاتحاد على مواجهة الأزمات.
وتدعو الخطة إلى تطوير إرشادات تساعد السكان على الاعتماد على أنفسهم لمدة لا تقل عن 72 ساعة.
لكن هذه التوصية لا تنفصل عن تصور أمني واسع.
فالاستراتيجية الأوروبية تتناول التوترات الجيوسياسية والنزاعات، والهجمات الإلكترونية، والتلاعب بالمعلومات، والكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية.
كما تشمل وضع ترتيبات تعاون بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وتعزيز أمن المنشآت الحيوية، وإعداد تقييم شامل للتهديدات والمخاطر.
وهذه نقطة محورية في فهم ما يحدث.
فالاتحاد الأوروبي لا يقول إن حرباً ستبدأ خلال ثلاثة أيام، بل يسعى إلى جعل المجتمع قادراً على الاستمرار خلال الساعات الأولى من اضطراب كبير، مهما كان سببه.
لكن إدراج النزاعات والتعاون المدني العسكري ضمن خطة الاستعداد يكشف أن احتمالات الحرب لم تعد محصورة في حسابات الجيوش.
لقد دخلت أيضاً إلى التخطيط لاستمرار المياه والكهرباء والاتصالات والغذاء والخدمات الصحية.
وبذلك، يصبح المواطن جزءاً من منظومة الصمود الوطني، لا مجرد شخص ينتظر وصول المساعدة عند وقوع الخطر.
السويد… عندما تقول الدولة صراحة: استعدوا لاحتمال الحرب
إذا كانت الرسالة البريطانية تركز على الطوارئ اليومية، فإن السويد تستخدم لغة أكثر مباشرة.
ففي عام 2024، وزعت السلطات السويدية نسخة محدثة من كتيب يحمل عنوان «إذا جاءت الأزمة أو الحرب».
وتشرح الوثيقة كيفية الاستعداد لانقطاع المياه والكهرباء والاتصالات، والحصول على المعلومات عند وقوع أزمة، والتصرف في ظروف قد تشمل نزاعاً مسلحاً.
وتشجع الأسر على امتلاك القدرة على تدبير احتياجاتها الأساسية لمدة أسبوع.
هذه الإرشادات تكتسب دلالتها في سياق الحرب الروسية المستمرة ضد أوكرانيا والتغيرات التي شهدتها البيئة الأمنية الأوروبية.
فالسويد انضمت إلى حلف شمال الأطلسي في آذار 2024، وأصبح تعزيز الدفاع المدني جزءاً بارزاً من سياساتها الأمنية.
لكن كتيبها لا يتضمن إعلاناً عن هجوم وشيك.
بل يعرض سيناريوهات محتملة ويوضح كيف يمكن للأفراد والمؤسسات التعامل معها.
والفرق هنا مهم: الدولة تعترف بأن الحرب أحد الأخطار التي ينبغي الاستعداد لها، لكنها لا تزعم امتلاك معلومات مؤكدة عن موعد وقوعها.
ألمانيا… لماذا تخطط لعشرة أيام؟
تنصح الهيئة الاتحادية الألمانية للحماية المدنية والمساعدة في الكوارث الأسر، قدر الإمكان، بالاحتفاظ باحتياجات أساسية تكفي لعشرة أيام.
وتعتبر الهيئة أن الاستعداد لثلاثة أيام يمثل بداية مفيدة لمن لا يستطيع توفير مخزون أكبر.
وفي تحديث دليلها خلال عام 2025، أدرجت موضوعات تتصل بأماكن الاحتماء، والمعلومات المضللة، وتعطل الطاقة، والتهديدات المرتبطة بالحرب.
لكن الهيئة الألمانية تقدم تفسيراً مباشراً لإدراج الحرب في الدليل.
ففي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، تلقت أسئلة متزايدة من المواطنين حول كيفية التصرف إذا توسعت المخاطر العسكرية أو تعطلت الخدمات.
وهذا يعني أن تحديث التعليمات تأثر بتغير البيئة الأمنية واهتمام السكان، وليس بالضرورة بمعلومات سرية عن موعد مواجهة جديدة.
كما أن التوصيات الألمانية غير إلزامية، وتراعي الاختلاف في القدرة المادية واحتياجات الأسر ومساحات التخزين.
ومع ذلك، فإن الانتقال من التفكير في الطوارئ الطبيعية إلى إدراج الحرب والتخريب والهجمات الإلكترونية يكشف أن مؤسسات الحماية المدنية الأوروبية تستعد لمجموعة أوسع من التهديدات.
النرويج… أسبوع من دون خدمات أساسية
في النرويج، انطلقت حملة للاستعداد الذاتي عام 2018، وكانت التوصية الأساسية حينها الاحتفاظ باحتياجات تكفي ثلاثة أيام.
لكن في أيار 2024، رُفعت المدة الموصى بها إلى أسبوع كامل.
وتوضح مديرية الحماية المدنية النرويجية أن الأسر ينبغي أن تكون مستعدة، قدر الإمكان، لتدبير شؤونها حتى في حال توقف الكهرباء والمياه والصرف الصحي والإنترنت وشبكات الهاتف وأنظمة الدفع.
وتشمل السيناريوهات المحتملة الطقس القاسي والأوبئة والحوادث والتخريب، وفي أسوأ الحالات الأعمال الحربية.
لكن لماذا اختارت النرويج أسبوعاً؟
تقول المديرية إن تعطل البنية التحتية الحيوية لأكثر من أسبوع ليس أمراً شائعاً، وإن هذه المدة تمنح الأسر والسلطات فرصة لتنظيم الاستجابة إذا استمرت الأزمة مدة أطول.
وتوضح أيضاً أن خدمات الطوارئ ستعطي الأولوية للأشخاص الأكثر احتياجاً للمساعدة.
وهذا اعتراف عملي بأن الدولة، حتى مع امتلاكها مؤسسات قوية، قد لا تتمكن من تلبية احتياجات جميع السكان فوراً خلال أزمة واسعة.
17 دولة تستعد… أم أخبار قديمة جُمعت في عنوان جديد؟
انتشرت خلال تشرين الأول 2026 تقارير تتحدث عن 17 دولة على الأقل تشجع مواطنيها على تخزين الغذاء والمياه والأدوية.
لكن عند مقارنة الوثائق الحكومية، يتضح أن هذه المبادرات صدرت في فترات متباعدة.
فالحملة البريطانية الجديدة تعود إلى تشرين الأول 2026، والاستراتيجية الأوروبية إلى آذار 2025، والكتيب السويدي وتعديل التوصيات النرويجية إلى عام 2024، بينما تعود بعض برامج الاستعداد إلى سنوات أقدم.
ولم يظهر إعلان دولي موحد يثبت أن 17 حكومة اتخذت قراراً متزامناً بتخزين المؤن بسبب إنذار عسكري مشترك.
وهذا لا يعني أن الإرشادات المتداولة مختلقة.
بل يعني أن رواية «17 دولة تتحرك دفعة واحدة» تخلط بين سياسات وطنية متشابهة لكنها مختلفة في توقيتها ومبرراتها.
ما يمكن إثباته هو توسع الاهتمام بالاستعداد المدني، وليس وجود قرار جماعي معلن بسبب حرب محددة.
هل تعرف الحكومات شيئاً لا تقوله؟
هذا السؤال هو الأكثر إثارة في القضية، لكنه أيضاً الأكثر حاجة إلى الدقة.
فالحكومات تمتلك بالفعل أجهزة استخبارات ومؤسسات دفاع ومراكز لتقييم المخاطر لا تتوافر لدى المواطنين العاديين.
وقد تعتمد بعض قراراتها على معلومات غير منشورة لأسباب أمنية.
لكن وجود هذه القدرات لا يسمح بالاستنتاج أن كل حملة للاستعداد المنزلي تستند إلى تحذير استخباري سري.
فالوثائق التي راجعتها «المسمار» تكشف أسباباً معلنة ومتعددة، أبرزها:
-
الحرب الروسية الأوكرانية وتغير البيئة الأمنية الأوروبية.
-
احتمال الهجمات الإلكترونية والتخريب الذي قد يعطل البنية التحتية.
-
الكوارث الطبيعية والطقس القاسي.
-
هشاشة سلاسل الإمداد واعتماد الخدمات الأساسية بعضها على بعض.
-
الحاجة إلى تقليل الضغط على مؤسسات الطوارئ خلال الأيام الأولى من الأزمات.
ولا توجد في الوثائق المتاحة أدلة تثبت أن الحكومات المذكورة تلقت معلومات مشتركة عن حرب عالمية وشيكة، أو أن تعليماتها تمثل استجابة لتهديد سري واحد.
لكن غياب هذا الدليل لا يلغي حقيقة أخرى: الدول باتت تضع سيناريوهات كان يُنظر إليها سابقاً على أنها استثنائية ضمن التخطيط الاعتيادي للأمن المدني.
الخطر الآخر… هجوم لا يحتاج إلى جيوش على الحدود
من أبرز ما تكشفه الوثائق الأوروبية أن تعطل الحياة اليومية لا يتطلب بالضرورة دخول قوات عسكرية إلى أراضي دولة.
فالهجمات الإلكترونية أو عمليات التخريب قد تستهدف أنظمة الكهرباء والمياه والاتصالات أو تعطل خدمات رقمية تعتمد عليها مؤسسات عامة وخاصة.
وفي المجتمعات الحديثة، قد يؤدي تعطل نظام واحد إلى سلسلة اضطرابات مترابطة.
فانقطاع الكهرباء قد يؤثر في ضخ المياه، وتوقف الاتصالات قد يعطل المدفوعات، واضطراب النقل قد ينعكس على توفر المواد الأساسية.
ولا تعني هذه السيناريوهات أن انهياراً شاملاً أصبح مرجحاً في تاريخ معين.
لكنها توضح لماذا توسع الحكومات خططها من حماية المواقع العسكرية إلى تعزيز قدرة المجتمع على التعامل مع انقطاع الخدمات.
فالاستعداد هنا لا يواجه عدواً عسكرياً واحداً بالضرورة، بل احتمال فقدان وظائف أساسية يعتمد عليها السكان كل يوم.
من يحمي الأسر التي لا تملك ثمن الاستعداد؟
تطرح هذه السياسات إشكالية اجتماعية لا تقل أهمية عن جانبها الأمني.
فالدعوة إلى تخزين الغذاء والمياه والأدوية تفترض أن الأسرة تمتلك الموارد والمساحة اللازمة لذلك.
لكن ماذا عن الأسر ذات الدخل المحدود، وكبار السن، والمرضى الذين يحتاجون إلى أجهزة كهربائية، والأشخاص الذين يعتمدون على خدمات الرعاية اليومية؟
تقر بعض الحكومات بهذه الفجوة.
فالحملة البريطانية تشجع على خطوات مجانية أو منخفضة الكلفة، وعلى بناء المخزون تدريجياً.
أما النرويج فتؤكد أهمية التعاون بين الجيران والأقارب ومساعدة الأشخاص الذين لا يستطيعون الاستعداد بمفردهم.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي: إذا تحول الاستعداد إلى مسؤولية فردية فقط، فقد تصبح الحماية خلال الأزمات مرتبطة بالقدرة الشرائية.
لذلك لا يكفي أن تطلب الدولة من المواطنين تجهيز حقائب الطوارئ، بل عليها أيضاً وضع خطط تضمن استمرار الخدمات ومساعدة من لا يستطيعون حماية أنفسهم.
ماذا عن لبنان؟
في لبنان، تبدو فكرة العيش أياماً من دون كهرباء أو مياه مألوفة أكثر مما هي عليه في دول أوروبية كثيرة.
لكن هذه الخبرة القسرية لا تعني أن المجتمع جاهز بالضرورة لمواجهة أزمة جديدة واسعة.
فالتأقلم مع الانقطاع اليومي يختلف عن وجود خطة وطنية منظمة لضمان استمرارية المستشفيات والاتصالات والمياه والنقل والإمدادات الغذائية في ظروف استثنائية.
كذلك لا تستطيع جميع الأسر اللبنانية شراء مخزون إضافي من الغذاء والأدوية أو تأمين مصادر طاقة بديلة.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه التجارب الأوروبية على لبنان ليس فقط ماذا يجب أن يخزن المواطن في منزله، بل ماذا ينبغي أن تفعل المؤسسات لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر؟
فالاستعداد الوطني الحقيقي يقاس بوجود خطط واضحة، ومسؤوليات محددة، وأنظمة إنذار، وآليات مساعدة يمكن تشغيلها عند الحاجة.
ولا يوجد في الإرشادات الأوروبية التي فحصناها ما يثبت وجود تهديد جديد ومحدد للبنان.
هل تقترب الحرب أم تتغير قواعد الأمن؟
تكشف مراجعة الوثائق البريطانية والأوروبية والألمانية والسويدية والنرويجية تحولاً واضحاً في مفهوم الاستعداد المدني.
فالحكومات باتت تتعامل مع تعطل الكهرباء والمياه والاتصالات وسلاسل الإمداد باعتباره احتمالاً يستحق التخطيط المسبق، سواء نجم عن حرب أو هجوم إلكتروني أو كارثة طبيعية.
كما أن الحرب لم تعد احتمالاً مسكوتاً عنه في بعض الوثائق الرسمية، بل أصبحت تُذكر بصورة مباشرة ضمن السيناريوهات التي تتدرب المجتمعات على مواجهتها.
لكن هذه الحقيقة لا تثبت أن حرباً عالمية أصبحت وشيكة، ولا أن 17 دولة تلقت إنذاراً سرياً موحداً.
فبين الاستعداد للخطر ومعرفة موعد وقوعه مسافة كبيرة لا يجوز تجاوزها من دون أدلة.
المفارقة أن الحكومات التي تملك أقوى أنظمة الدفاع والاتصالات والبنية التحتية باتت تطلب من مواطنيها الاستعداد لأيام قد لا يستطيعون خلالها الاعتماد على هذه الأنظمة.
وهذا وحده يكشف أن معنى الأمن تغيّر.
فلم يعد السؤال مقتصراً على قدرة الدولة على منع الحرب، بل أصبح يتعلق بقدرة المجتمع على الاستمرار إذا تعطلت الخدمات التي يقوم عليها.
ويبقى السؤال الذي تطرحه «المسمار»:
هل تخشى الحكومات حرباً مقبلة، أم أنها أدركت أن انهيار الخدمات الأساسية قد يبدأ قبل سقوط أول قذيفة؟


