بقلم: د. حسين غزالة
تصلنا الأخبار والإجابات بلا انقطاع، لكن امتلاك المعلومة لا يعني امتلاك معناها. كيف نحافظ على قدرتنا على الفهم في عالم يجعل الوصول إلى الإجابة أسهل من التفكير في السؤال؟
يمكن أن يبدأ صباحنا بخبر عن حرب، يليه شرح لأزمة اقتصادية، ثم نصيحة صحية، ومقطع عن الذكاء الاصطناعي، وتعليق على كتاب لم نقرأه. خلال دقائق، نعبر بلداناً وتخصصات وتجارب، ونخرج بإحساس أننا نعرف ما يجري.
لكن ماذا يبقى عندما نغلق الشاشة؟
هل نستطيع شرح ما قرأناه بكلماتنا؟ هل نعرف العلاقة بين الرقم وسببه، وبين الحدث وسياقه؟ وهل نملك ما يكفي من المعرفة كي نميّز بين تفسير مقنع وتفسير صحيح؟
العنوان هنا مبالغة مقصودة، وليس حكماً على جيل كامل. فلا نحن نعرف كل شيء، ولا نفتقر جميعاً إلى الفهم. لكنه يصف مفارقة تستحق النقاش: اتّساع قدرتنا على الوصول إلى المعلومات قد يترافق مع ثقة لا تعكس دائماً عمق معرفتنا بها.
المعلومة تصل… والمعنى يحتاج إلى عمل
أن نعرف أن الأسعار ارتفعت يختلف عن فهم أسباب ارتفاعها. وأن نحفظ تعريفاً للذكاء الاصطناعي يختلف عن قدرتنا على تفسير حدوده. ويمكن أن نتذكر نتيجة دراسة من دون أن نعرف كيف أُجريت، وعلى مَن، وما الذي تسمح باستنتاجه.
تمنحنا المعلومة نقطة انطلاق. أما الفهم فيحتاج إلى ربطها بغيرها، وفحص تفسيرها، واختبار قدرتها على الصمود أمام الأسئلة.
لنتخيّل شخصاً قرأ خبراً عن تراجع نسبة التضخم، فاستنتج أن الأسعار يجب أن تعود فوراً إلى مستواها السابق. لقد تذكّر الرقم، لكنه لم يميّز بين تباطؤ ارتفاع الأسعار وانخفاضها. تكمن الفجوة هنا في المفهوم الذي يمنح الرقم معناه.
وهذه الفجوة قد تختبئ خلف لغة واثقة. نستطيع ترديد المصطلح الصحيح واستخدامه في جملة سليمة، ثم نتعثر عندما يُطلب منا تقديم مثال عليه أو شرح العلاقة التي يصفها.
أين تنتهي معرفتنا وتبدأ معرفة الأداة؟
في بحث نُشر عام 2015 في دورية «علم النفس التجريبي: العام»، درس ماثيو فيشر ومارييل غودو وفرانك كيل العلاقة بين البحث على الإنترنت وتقدير الأفراد لمعرفتهم. وأظهرت تجاربهم أن البحث عن تفسيرات عبر الإنترنت يمكن أن يرفع تقييم المشاركين لمعرفتهم الذاتية، مع التباس بين إتاحة الوصول إلى المعلومات وفهمها الشخصي.
لا تعني النتيجة أن كل مستخدم للإنترنت يقع في هذا الالتباس، أو أن البحث الرقمي يضعف الفهم بالضرورة. لكنها تكشف احتمالاً مهماً: قد ننسب إلى أنفسنا معرفة استمددنا شعورنا بامتلاكها من سهولة استدعائها.
هناك فرق بين أن أقول: «أعرف كيف أجد تفسيراً»، وأن أقول: «أستطيع تفسيره». الأولى مهارة نافعة، والثانية قدرة تحتاج إلى اختبار مستقل.
نستخدم الكتب والمراجع والخبراء منذ زمن طويل، والمعرفة البشرية تقوم أصلاً على التعاون وتوزيع الاختصاص. لذلك، لا تكمن المشكلة في الاستعانة بمصدر خارجي، بل في فقدان الإحساس بالحدّ الفاصل بين ما نستطيع شرحه وما نحتاج إلى الرجوع إليه.
ذاكرة تعرف الطريق إلى المعلومة
تناول بحث آخر نشرته مجلة «ساينس» عام 2011، لبِتسي سبارو وجيني ليو ودانيال ويغنر، أثر توقّع الوصول المستقبلي إلى المعلومات في تذكّرها. وأشارت تجاربه إلى أن المشاركين، حين توقعوا إمكان الرجوع إلى المعلومات لاحقاً، تذكّروا محتواها بدرجة أقل، بينما تحسّن تذكّرهم لمكان الوصول إليها.
تتناول هذه النتيجة سلوك الذاكرة ضمن شروط تجريبية محددة، ولا تكفي للحكم بأن الإنترنت يجعل الناس أقل ذكاءً أو أن الأجيال السابقة كانت أعمق فهماً.
لكنها تطرح سؤالاً عملياً: ماذا يحدث عندما نعرف أين نجد كل شيء، ولا نحتفظ بما يكفي لربط الأشياء بعضها ببعض؟
قد يكون من المنطقي ألّا نحفظ كل تاريخ أو رقم. غير أن التفكير يحتاج إلى قدر من المعرفة المتاحة في الذهن؛ مفاهيم نميّز بها، وخلفيات نقارن على أساسها، وعلاقات تساعدنا على اكتشاف التناقض.
فمن الصعب تقييم معلومة جديدة إذا كنّا نفتقر إلى الأرضية التي نضعها عليها.
حين تبدو الإجابة مكتملة
مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح ممكناً الحصول على شرح مرتب خلال لحظات: مقدمة، أسباب، أمثلة، وخلاصة. وقد يكون ذلك مدخلاً مفيداً للتعلّم، خصوصاً عندما نستخدمه لتوضيح مفهوم أو صياغة سؤال أدق.
لكن اكتمال شكل الإجابة لا يضمن اكتمال فهم القارئ لها.
قد نقرأ تفسيراً ونجد جمله واضحة، ثم نكتشف أننا لا نستطيع إعادة بنائه من دون النظر إليه. وقد نقبل ترابطه اللغوي قبل أن نفحص أدلته أو نلاحظ ما أغفله من احتمالات.
هذه ملاحظة تحليلية عن طريقة الاستخدام، وليست نتيجة مباشرة للدراسات السابقة التي تناولت البحث على الإنترنت والذاكرة. فالأداة يمكن أن تساعدنا على التفكير عندما نناقشها ونراجع مصادرها، ويمكن أن تتحول إلى طريق لتجاوز الجهد حين نكتفي باستلام جوابها.
والاختبار بسيط: بعد قراءة الإجابة، هل أصبحنا أقدر على طرح سؤال جديد، أم اكتفينا بالشعور أن الموضوع انتهى؟
المعرفة حين تصبح أداءً اجتماعياً
في النقاشات العامة، قد يبدو الاعتراف بعدم المعرفة مكلفاً. يُطلب من الفرد أن يملك موقفاً سريعاً، وأن يفسّر حدثاً فور وقوعه، وأن يختصر خلافاً معقداً في عبارة قابلة للمشاركة.
في هذا المناخ، يمكن أن تتحول المعرفة إلى طريقة للظهور: امتلاك المصطلحات، وتذكّر أسماء الباحثين، والقدرة على استحضار جملة حاسمة.
هذه الأدوات لا تدل وحدها على فهم زائف، لكنها لا تكفي لإثبات الفهم أيضاً. فقد يعرف الشخص اسم النظرية من دون حدودها، أو يستشهد بدراسة من دون قراءة ما اختبرته فعلياً.
يتضح الفرق عندما يبدأ السؤال الثاني: كيف وصل الباحث إلى النتيجة؟ هل تنطبق على الحالة التي نناقشها؟ وما الدليل الذي قد يدفعنا إلى تعديل رأينا؟
الفهم يسمح بالتردد والمراجعة. أما الأداء الواثق فيحتاج أحياناً إلى إخفاء المناطق التي لا نعرفها.
التعليم أمام امتحان مختلف
إذا أصبحت الإجابات الجاهزة متاحة بهذه السهولة، فإن تقييم التعلّم يحتاج إلى الاهتمام بالطريق الذي يسلكه الطالب، إلى جانب النتيجة التي يقدّمها.
يمكن للطالب أن ينقل تعريفاً دقيقاً، لكن هل يستطيع تطبيقه على حالة جديدة؟ ويمكنه إعداد نص متماسك بمساعدة أداة، لكن هل يقدر على مناقشة حججه، وتحديد مصدر معلوماته، وشرح اختياراته؟
في دراسة نشرها جيفري كاربيكي وجانيل بلنت في «ساينس» عام 2011، حقّقت ممارسة استرجاع المعرفة وإعادة بنائها مكاسب تعلّم أكبر من الدراسة باستخدام الخرائط المفاهيمية في ظروف التجارب المعروضة. وشملت الأفضلية أسئلة تقيس الفهم وتتطلب الاستنتاج.
لا تجعل هذه النتيجة طريقة واحدة مناسبة لكل درس، لكنها تدعم قيمة أن يحاول المتعلّم إنتاج المعنى بنفسه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة مشاهدة المادة.
يمكن أن يبدأ ذلك بسؤال صغير: أغلق المصدر، ثم اشرح الفكرة. أين تعثّرت؟ ما العلاقة التي لم تستطع توضيحها؟ وأيّ جزء كنت تعرف عبارته من دون أن تفهمه؟
أن نمنح السؤال وقتاً
لا يتطلب الخروج من هذه الفجوة مقاطعة التكنولوجيا أو العودة إلى ماضٍ نفترض أنه كان أفضل. فقد فتحت الأدوات الرقمية أبواباً واسعة للتعلّم، وأتاحت مصادر لم تكن متاحة لكثيرين.
المطلوب أن نحسّن علاقتنا بما تمنحه لنا.
يمكن أن نقرأ مادة كاملة عن قضية واحدة، ثم نقارنها بمصدر آخر. وأن نحاول تلخيص الفكرة بكلماتنا، ونبحث عمّا يخالف تفسيرنا الأول. وأن نميّز في النقاش بين معلومة نعرف مصدرها، واستنتاج نرجّحه، وسؤال لم نجد جوابه بعد.
وللإعلام دور هنا أيضاً. فالعنوان الذي يقدّم رقماً يحتاج إلى شرح ما يقيسه. والخبر الذي ينقل نتيجة دراسة يحتاج إلى بيان حدودها. والتغطية التي تجمع الوقائع ينبغي أن تساعد القارئ على فهم العلاقات بينها، مع توضيح ما بقي مجهولاً.
المعرفة لا تُقاس بعدد الموضوعات التي مرّت أمامنا، ولا بسرعة الإجابة عن كل سؤال. يظهر جانب مهم منها في قدرتنا على الشرح والمقارنة، وفي معرفتنا متى نحتاج إلى التحقّق، ومتى ينبغي أن نتوقف عن الجزم.
قد ننسى رقماً ونعود للبحث عنه، وهذا أمر عادي. لكن أن نثق بحكم لا نستطيع تفسيره، فهنا تبدأ المشكلة.
وحين نغلق الشاشة، يبقى السؤال: ماذا أصبحنا نفهم، لا ماذا استطعنا أن نجد؟


