في دمشق، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع جراح الحرب، حملت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى مقام السيدة زينب والجامع الأموي دلالات تتجاوز الطابع الرسمي. وبين التبرع بعشرة ملايين دولار للموقعين، والحديث عن عودة الزيارات الدينية، يبرز سؤال اجتماعي أعمق: هل تستطيع الأماكن التي ارتبطت بذاكرة الانقسام أن تتحول إلى مساحات لاستعادة الثقة والتواصل بين المجتمعات؟

دمشق… حين تحمل الأماكن ذاكرة الانقسام
ليست كل الزيارات الرسمية متشابهة، وليست جميع الأماكن التي يقصدها السياسيون محطات بروتوكولية عابرة. ففي مدينة مثل دمشق، تختزن المعالم الدينية قروناً من التاريخ، وتحمل في الوقت نفسه آثار التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية.
من هذه الزاوية، تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الأربعاء 28 تشرين الأول 2026، إلى الجامع الأموي ومقام السيدة زينب أهمية تتجاوز الحدث السياسي.
فقد زار الزيدي الموقعين برفقة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وأدى الصلاة في الجامع الأموي، واطلع على معالمه التاريخية، قبل أن يؤدي مراسم الزيارة والصلاة في مقام السيدة زينب.
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار من حسابه الشخصي، خُصصت بالتساوي بين الموقعين، بواقع خمسة ملايين دولار لكل منهما.
قد يبدو المشهد، في ظاهره، زيارة دينية لمسؤول حكومي. لكنه يطرح أسئلة أوسع تتعلق بعلاقة العراقيين والسوريين بمقدساتهم، ومستقبل السياحة الدينية، وحدود التعايش في مجتمع خرج من سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

مقام السيدة زينب… من الذاكرة الدينية إلى تعقيدات الحرب
يحمل مقام السيدة زينب، الواقع جنوب العاصمة السورية، مكانة خاصة لدى المسلمين الشيعة، ويرتبط في الموروث الديني بالسيدة زينب بنت الإمام علي وفاطمة الزهراء، وحفيدة النبي محمد.
وقد شكّل المقام، على مدى عقود، وجهة لزوار من العراق ولبنان وإيران وبلدان أخرى، الأمر الذي جعل المنطقة المحيطة به مركزاً للحركة الدينية والاقتصادية.
لم تكن أهمية المقام محصورة بالشعائر. فقد نشأت حول حركة الزوار مصالح معيشية واسعة، من الفنادق والمطاعم إلى الأسواق ووسائل النقل، وارتبطت مصادر دخل عائلات كثيرة باستمرار هذه الحركة.
لكن الحرب السورية غيّرت طبيعة المكان.
فمع تصاعد النزاع بعد عام 2011، أصبح محيط المقام أحد المواقع الحساسة أمنياً ومذهبياً، واستُخدمت حمايته في خطاب التعبئة لدى جماعات مسلحة شاركت في الصراع إلى جانب النظام السابق.
وهكذا، تداخلت الرمزية الدينية للمقام مع الحسابات السياسية والعسكرية، وتحولت منطقة كانت تستقبل الزوار إلى مساحة تأثرت بصورة مباشرة بتداعيات الحرب.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، دخلت المنطقة مرحلة جديدة، رافقتها أسئلة تتعلق بمستقبل الزيارات الدينية وضمان أمن الزائرين والسكان المحليين.
وفي هذا السياق، يمكن فهم زيارة الزيدي بوصفها خطوة ذات دلالة رمزية، لكنها لا تكفي وحدها لإزالة المخاوف المتراكمة أو معالجة آثار الانقسام.
فإعادة فتح طرق الزيارة وتنظيم حركة الوفود تحتاج إلى إجراءات مؤسساتية واضحة، تضمن حرية العبادة وتحمي المجتمع المحلي في الوقت نفسه.

الجامع الأموي… ذاكرة دمشق التي تتجاوز الانتماءات
في المقابل، يحتل الجامع الأموي مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي، بوصفه أحد أبرز المعالم الدينية والمعمارية في دمشق.
ويُعد الجامع جزءاً من المدينة القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويعكس تاريخاً طويلاً من التحولات الحضارية والدينية التي شهدتها العاصمة السورية.
ورغم مكانته البارزة في التاريخ الإسلامي السني، فإنه يضم أيضاً معالم ذات أهمية في تقاليد دينية أخرى، منها المقام المنسوب إلى النبي يحيى، المعروف في المسيحية باسم يوحنا المعمدان.
وتكمن خصوصية الجامع في أن قيمته لا تنحصر في وظيفة العبادة، بل تشمل موقعه في ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية.
ومن هنا، فإن الجمع بين زيارته وزيارة مقام السيدة زينب يتيح قراءة اجتماعية تتصل بالتنوع الديني والمذهبي في سوريا.
فالجامع والمقام يحملان تاريخين مختلفين، لكنهما يشكلان جزءاً من التراث الديني السوري، الذي يفترض أن تبقى حمايته مسؤولية عامة.
ولا يعني هذا أن الزيارة تمثل مصالحة مذهبية مكتملة، أو أن الخلافات التاريخية يمكن تجاوزها بمشهد رسمي واحد. لكنها تعيد إلى الواجهة أهمية الاعتراف بالتعدد الديني بوصفه مكوناً من مكونات المجتمع، لا مدخلاً جديداً للصراع.
عشرة ملايين دولار… ما الذي يمكن أن يتغير؟
أحد أكثر جوانب الزيارة لفتاً للانتباه كان إعلان الزيدي تخصيص خمسة ملايين دولار لمقام السيدة زينب، ومبلغ مماثل للجامع الأموي.
ويحمل توزيع المبلغ بالتساوي دلالة رمزية يمكن قراءتها في سياق الحرص على شمول الموقعين بالدعم، من دون أن يعني ذلك وجود تصريح رسمي يربط القرار برسالة مذهبية محددة.
لكن الأهمية الفعلية للتبرع تتوقف على كيفية إنفاقه.
فحتى تاريخ نشر هذه المقالة، لم تُعلن تفاصيل كافية عن المشاريع التي ستموّلها المبالغ، أو آليات التنفيذ والإشراف، أو المواعيد المتوقعة لإنجاز الأعمال.
وتبرز هنا أسئلة تتعلق بالأولويات: هل ستُستخدم الأموال لترميم أجزاء من المباني التاريخية؟ أم لتحسين الخدمات والمرافق المخصصة للزوار؟ وهل ستكون هناك آليات معلنة لمراقبة الإنفاق وضمان حماية القيمة الأثرية للموقعين؟
إن الحفاظ على المعالم الدينية لا يرتبط بإنفاق الأموال وحده، بل بوجود خطط واضحة تراعي خصوصيتها التاريخية واحتياجات المجتمعات المحيطة بها.
ومن المهم أيضاً التمييز بين إعلان التبرع وتحويل الأموال أو تنفيذ المشاريع فعلياً، وهي خطوات لم تتوافر بشأنها معلومات تفصيلية مؤكدة عند إعداد هذه المادة.
السياحة الدينية… مورد اقتصادي يحتاج إلى الاستقرار
تظهر أهمية زيارة الزيدي بصورة أوضح عند النظر إلى واقع المنطقة المحيطة بمقام السيدة زينب.
ففي تقرير ميداني نشرته الجزيرة الإنجليزية في تموز 2026، تحدّث سكان وتجار عن تراجع حركة الزوار وانعكاس ذلك على نشاط الفنادق والمتاجر والمطاعم.
وتكشف هذه الشهادات أن استمرار الزيارة الدينية ليس مجرد مسألة شعائرية، بل قضية اقتصادية واجتماعية تمس حياة عائلات تعتمد في دخلها على حركة الوافدين.
ولهذا قد تشكل عودة الزوار العراقيين، إذا توافرت الظروف الأمنية والتنظيمية المناسبة، فرصة لتنشيط قطاعات محلية تضررت خلال السنوات الماضية.
لكن إعادة الحركة الاقتصادية لا ينبغي أن تأتي بمعزل عن احتياجات السكان أو عن التوازن الاجتماعي في المناطق المستقبِلة.
فالنجاح لا يُقاس فقط بعدد الحافلات أو إشغال الفنادق، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على توفير خدمات آمنة ومنظمة، وحماية الحقوق المتساوية للزائرين والمقيمين.
من الوعود إلى الضمانات
خلال زيارته، تحدث الزيدي عن عودة الزيارات إلى مقام السيدة زينب خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى مناقشة هذا الملف مع الرئيس السوري أحمد الشرع.
كما تناولت المحادثات السورية العراقية، وفق ما نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية، تسهيل زيارة العراقيين إلى المقام، ودراسة الإجراءات الأمنية والتنظيمية المرتبطة بها.
وهذا التطور يحمل أهمية لآلاف العراقيين الذين ترتبط رحلاتهم إلى سوريا بمناسبات دينية واجتماعية.
لكن الحديث عن استئناف الزيارات لا يعني أن جميع الترتيبات أصبحت نافذة.
فحرية الانتقال وممارسة الشعائر تحتاج إلى إجراءات واضحة، وتنسيق بين الجهات المختصة، وضمانات أمنية تراعي حساسية المرحلة.
كما أن حماية الأماكن الدينية يجب ألا تتحول إلى ذريعة لإعادة إنتاج مظاهر الانقسام أو عسكرة المحيط المدني.
فالهدف الاجتماعي من عودة الزوار لا يكتمل إلا عندما يشعر السكان المحليون بأن الاستقرار يشملهم أيضاً.
هل يمكن للأماكن الدينية أن تعيد بناء الثقة؟
قد تكون القيمة الأعمق للزيارة مرتبطة بالسؤال عن إمكان تحويل التراث الديني إلى مساحة للتواصل بين المجتمعات.
لقد أظهرت سنوات الحرب السورية كيف يمكن توظيف الهويات المذهبية في التعبئة السياسية والعسكرية، وكيف تتحول الأماكن ذات الرمزية الدينية إلى عناصر في خطاب الاستقطاب.
لكن هذه الأماكن نفسها يمكن أن تؤدي دوراً اجتماعياً مختلفاً، إذا جرى التعامل معها باعتبارها جزءاً من التراث المشترك الذي يتطلب الحماية والاحترام.
وهذا لا يعني إلغاء الاختلافات الدينية أو تجاهل الذاكرة المؤلمة للحرب، بل الاعتراف بأن التعايش لا يشترط تطابق المعتقدات.
فالمجتمع المتعدد يحتاج إلى قواعد تضمن حرية العبادة، والمساواة أمام القانون، وحماية المواقع الدينية لجميع الجماعات، مع رفض الاعتداءات والتحريض أياً كان مصدرهما.
وتصبح الزيارات الرسمية ذات معنى اجتماعي مستدام عندما تُترجم إلى سياسات وممارسات تحترم هذه المبادئ.
أما الاكتفاء بالرمزية، مهما كانت مؤثرة، فلا يعالج وحده انعدام الثقة الذي خلفته سنوات النزاع.
بين بغداد ودمشق… روابط أقدم من السياسة
تجمع العراق وسوريا علاقات اجتماعية وتاريخية تتجاوز طبيعة الحكومات والتحالفات السياسية.
فالتجارة، والتنقل، والتعليم، والزيارات الدينية، والهجرة، كلها عوامل أسهمت في بناء روابط بين العائلات والمجتمعات في البلدين.
ومن هذه الزاوية، فإن استعادة الحركة بين بغداد ودمشق يمكن أن تفتح مجالات جديدة للتواصل الشعبي، لا سيما إذا رافقتها ترتيبات تضمن أمن المسافرين وحقوقهم.
لكن العلاقات الاجتماعية لا تُقاس بالمصافحات الرسمية وحدها.
فالثقة تتشكل من التجارب اليومية: من قدرة الفرد على عبور الحدود بأمان، وزيارة الأماكن الدينية بحرية، والتعامل مع الآخرين من دون خوف أو تمييز.
وهذه الجوانب هي الاختبار الفعلي لأي تقارب سياسي يريد أن يترك أثراً إيجابياً في حياة الناس.
ترميم الحجر أسهل من ترميم الثقة
قد تُسهم الأموال المخصصة لمقام السيدة زينب والجامع الأموي في تحسين مرافقهما وحماية معالمهما، إذا أُنفقت وفق خطط واضحة وشفافة.
وقد تساعد عودة الزيارات الدينية في إنعاش قطاعات اقتصادية تضررت بفعل الحرب وانقطاع حركة الزوار.
لكن المسألة الأعمق تتعلق بمستقبل العلاقة بين الدين والمجتمع في سوريا، وبمدى القدرة على حماية التنوع الديني من التوظيف السياسي والمذهبي.
لقد حملت زيارة الزيدي إلى الموقعين رمزية واضحة، لكنها لا تمثل في ذاتها دليلاً على تحقق المصالحة أو زوال المخاوف.
فالمباني يمكن ترميمها بالأموال، أما الثقة بين المجتمعات فتحتاج إلى أمن وعدالة وحقوق متساوية وممارسات يومية تحترم الاختلاف.
وبين مقام السيدة زينب والجامع الأموي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون هذه الزيارة خطوة في مسار يعيد وصل ما فرّقته الحرب، أم تبقى صورة أخرى في سجل الزيارات الرسمية؟


