تُظهر تقديرات منظمة الصحة العالمية أن نحو 1.3 مليون شخص بين 30 و79 عاماً في لبنان يعيشون مع ارتفاع ضغط الدم، لكن المرض مضبوط لدى 30% منهم فقط. وفي وقت تحذّر فيه المنظمة من أن الأمراض غير المعدية مسؤولة عن نحو ثلثي الوفيات في إقليم شرق المتوسط، تبرز مشكلة أقل ظهوراً من الأزمات الصحية الطارئة: مرض صامت يمكن اكتشافه وعلاجه، لكنه يواصل تعريض مئات آلاف الأشخاص للمضاعفات.
قد يعيش الإنسان سنوات وهو يعاني ارتفاع ضغط الدم من دون أن يعرف.
لا ألم واضحاً، ولا أعراضاً ثابتة، ولا إشارة يومية تخبره بأن الأوعية الدموية تتعرض لضغط مستمر.
ثم قد تظهر المشكلة فجأة على شكل جلطة دماغية أو أزمة قلبية أو مضاعفات كلوية.
لهذا يوصف ارتفاع ضغط الدم غالباً بأنه مرض صامت.
لكن ما يجعل القضية خطيرة في لبنان ليس طبيعة المرض وحدها، بل حجم الفجوة بين عدد المصابين وعدد الأشخاص الذين يتمكنون من ضبط ضغطهم.
فبحسب الملف الوطني الذي نشرته منظمة الصحة العالمية ضمن تقريرها العالمي عن ارتفاع ضغط الدم لعام 2025، تشير تقديرات عام 2024 إلى أن نحو 1.3 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً في لبنان يعيشون مع المرض.
ومن بينهم، لا يملك نحو 901 ألف شخص ضغط دم مضبوطاً وفق المعيار المستخدم في التقرير.
وفي 14 تشرين الأول 2026، حذّرت المنظمة مجدداً خلال اجتماع إقليمي في القاهرة من أن الأمراض غير المعدية باتت مسؤولة عن نحو ثلثي الوفيات في إقليم شرق المتوسط، وأن قرابة نصف المصابين بارتفاع ضغط الدم في الإقليم لا يعرفون أنهم مصابون.
لكن الرقم الأكثر لفتاً للانتباه في الحالة اللبنانية يتعلق بما يحدث بعد التشخيص أيضاً.
فحتى عندما يعرف المريض أنه مصاب ويبدأ العلاج، لا يعني ذلك بالضرورة أن ضغطه أصبح تحت السيطرة.
ماذا تقول الأرقام اللبنانية؟
يشير ملف منظمة الصحة العالمية إلى أن انتشار ارتفاع ضغط الدم بين اللبنانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً بلغ نحو 38% وفق تقديرات 2024.
وتبلغ النسبة المقدّرة لدى الرجال 43%، مقابل 33% لدى النساء.
أما عند النظر إلى سلسلة التشخيص والعلاج وضبط الضغط، فتظهر الصورة التالية:
-
نحو 58% من المصابين يعرفون بتشخيصهم.
-
نحو 52% يتلقون العلاج.
-
نحو 30% فقط لديهم ضغط دم مضبوط وفق تعريف التقرير.
هذه النسب ليست من إجمالي سكان لبنان، بل من فئة المصابين بارتفاع ضغط الدم الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً.
كما أنها تقديرات إحصائية منشورة دولياً، وليست حصيلة فحص مباشر لجميع المواطنين خلال عام واحد.
وبحسب الأعداد التي عرضتها المنظمة، فإن نحو 741 ألف مصاب يعرفون بتشخيصهم، ونحو 663 ألفاً يتلقون علاجاً، فيما يبلغ عدد من لديهم ضغط مضبوط نحو 386 ألفاً.
وبذلك يبقى نحو 901 ألف شخص خارج فئة الضغط المضبوط.
وهذا الرقم لا يعني أن جميع هؤلاء محرومون من العلاج.
فمن بينهم أشخاص لم يُشخّصوا بعد، وآخرون شُخّصوا ولم يبدأوا العلاج، وآخرون يتناولون أدوية لكن ضغطهم ما زال أعلى من المستوى المستهدف.
وهذا التمييز مهم لفهم نوع التدخلات المطلوبة.
لماذا لا يعرف كثيرون أنهم مصابون؟
لا يسبب ارتفاع ضغط الدم أعراضاً واضحة لدى معظم المصابين.
وقد يظن الشخص أنه بصحة جيدة لأنه لا يشعر بدوار أو صداع أو ألم.
لكن غياب الأعراض لا يعني أن ضغطه طبيعي.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الطريقة الموثوقة لمعرفة ضغط الدم هي قياسه.
ويُعبَّر عن القراءة عادةً برقمين: الرقم الأول يمثل الضغط أثناء انقباض القلب، والثاني يمثل الضغط أثناء ارتخائه.
وتستخدم منظمة الصحة العالمية في تعريف ارتفاع الضغط قراءة تبلغ 140/90 ملم زئبق أو أكثر عند التقييم وفق معاييرها.
لكن تشخيص الحالة المستمرة لا ينبغي أن يستند عادةً إلى قراءة واحدة معزولة.
فقد يتأثر القياس بالتوتر، أو طريقة الجلوس، أو حجم كُفّة الجهاز، أو الحركة والكلام خلال القياس.
ولهذا يحتاج التقييم إلى قراءات صحيحة ومتكررة، وقد يستخدم الطبيب القياس المنزلي أو المراقبة المتنقلة على مدى اليوم.
كما أن العتبات العلاجية والأهداف قد تختلف بحسب خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى ووجود السكري أو أمراض أخرى.
المشكلة لا تنتهي عند بدء العلاج
قد يبدو أن معرفة المريض بتشخيصه وحصوله على دواء كافيان لحل المشكلة.
لكن الواقع الطبي مختلف.
فبعض المرضى يحتاجون إلى أكثر من دواء، وقد يتطلب الوصول إلى مستوى الضغط المستهدف تعديل الجرعات أو تقييم الأسباب والعوامل المرافقة.
وقد يؤدي عدم الانتظام في تناول العلاج إلى استمرار ارتفاع الضغط.
كما يمكن أن يؤثر ضعف الوصول إلى الأدوية والمتابعة والفحوص في استمرارية الرعاية.
لكن لا يمكن تحديد مساهمة كل سبب من هذه الأسباب في الحالة اللبنانية اعتماداً على التقرير الإحصائي وحده.
فالمؤشر الذي يقول إن نحو 70% من المصابين ليس لديهم ضغط مضبوط لا يحدد تلقائياً لماذا حدث ذلك لكل مريض.
ولهذا تحتاج معالجة المشكلة إلى بيانات إضافية عن انتظام العلاج، وتكلفة الأدوية، ومواعيد المتابعة، والتثقيف الصحي، والعوائق التي يواجهها المرضى.
لماذا يمثل لبنان حالة مقلقة؟
يقارن تقرير المنظمة انتشار ارتفاع ضغط الدم في لبنان، البالغ نحو 38% بين الأشخاص بعمر 30–79 عاماً، بمتوسط عالمي يناهز 34% وفق المنهجية المستخدمة في الملف.
لكن المشكلة الأبرز ليست ارتفاع معدل الانتشار وحده.
فالضغط غير المضبوط يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومضاعفات الكلى والدماغ.
وفي الملف اللبناني، تشير تقديرات وفيات عام 2021 إلى أن ارتفاع الضغط الانقباضي ارتبط بنسبة كبيرة من الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.
لكن هذه أرقام نمذجة لعبء المرض، وليست إثباتاً أن ارتفاع الضغط كان السبب الوحيد لكل وفاة.
كما أن الفترة الزمنية مختلفة: تقديرات انتشار المرض تعود إلى 2024، في حين تستند مؤشرات الوفيات المعروضة إلى 2021.
ولا يجوز دمج الرقمين وكأنهما حصيلة قياس واحد خلال العام نفسه.
ورغم هذه الحدود، فإن المؤشرات ترسم صورة واضحة عن مرض واسع الانتشار، وفي الوقت نفسه قابل للكشف والمتابعة والعلاج.
الطعام اليومي جزء من المشكلة
لا ترتبط مخاطر ضغط الدم بالأدوية فقط.
فالنظام الغذائي والنشاط البدني والوزن والتدخين وعوامل أخرى تؤثر في احتمالات ارتفاعه وفي القدرة على ضبطه.
ويظهر ملف لبنان الصادر عن منظمة الصحة العالمية أن متوسط استهلاك الملح بلغ نحو 6 غرامات يومياً للفرد البالغ، بحسب تقديرات تعود إلى 2021.
وهو أعلى من التوصية العامة للمنظمة التي تدعو إلى استهلاك أقل من 5 غرامات من الملح يومياً لدى البالغين.
لكن المشكلة لا تقتصر على إضافة الملح إلى الطعام أثناء الأكل.
فقد يأتي جزء من الصوديوم من الأطعمة المصنّعة والمخبوزات وبعض المنتجات الجاهزة.
ولا يستطيع المستهلك دائماً معرفة الكمية بسهولة، خصوصاً إذا لم تكن المعلومات الغذائية واضحة.
ولذلك فإن خفض استهلاك الملح ليس مجرد مسؤولية فردية، بل قد يتطلب سياسات تتعلق بالمواصفات الغذائية والتوعية والإفصاح عن المكونات.
ماذا عن السياسات الوطنية؟
يتضمن ملف منظمة الصحة العالمية لعام 2025 مؤشرات عن الاستجابة الوطنية في لبنان.
وتشير بيانات ذلك التقييم إلى وجود إرشادات لإدارة ارتفاع ضغط الدم، وإلى توافر بعض أنظمة الرصد والمعلومات المرتبطة بالأمراض القلبية الوعائية.
لكن الملف لا يسجل وجود سياسة تشغيلية وطنية لخفض استهلاك الملح، أو هدف وطني محدد لهذا الاستهلاك، ضمن الفترة التي تناولها التقييم.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن أي جهة لبنانية لم تنفذ نشاطاً للتوعية أو تقليل الملح.
لكنه يطرح سؤالاً عن وجود برنامج وطني واضح، قابل للقياس والمتابعة، يربط الوقاية الغذائية بخفض عبء ارتفاع ضغط الدم.
كما أن المؤشرات الدولية قد تتأخر عن التغيرات اللاحقة في السياسات.
لذلك ينبغي تحديث هذه المعلومات مع الجهات الرسمية قبل استخدامها للحكم على الوضع التنظيمي الحالي بصورة قاطعة.
مرض صامت… في منطقة تعاني أصلاً أزمات صحية
لا تقتصر المشكلة على لبنان.
ففي اجتماع اللجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط في 14 تشرين الأول 2026، حذّر المدير العام للمنظمة من أن الأمراض غير المعدية تتسبب بأكثر من 2.8 مليون وفاة سنوياً في الإقليم.
ويشمل هذا الرقم أمراضاً متعددة، بينها أمراض القلب والسكري والسرطان والأمراض التنفسية المزمنة.
ولا يعني أن 2.8 مليون شخص يموتون بسبب ارتفاع ضغط الدم وحده.
كما أشار إلى أن قرابة نصف المصابين بارتفاع الضغط في الإقليم لا يعرفون بحالتهم.
ويواجه الإقليم تحديات إضافية تتعلق بالنزاعات والنزوح والضغط على تمويل الخدمات الصحية واستمرارية توفير الأدوية.
وقد يؤدي انقطاع خدمات الرعاية أو صعوبة الوصول إليها إلى إضعاف متابعة الأمراض المزمنة.
وفي هذه الظروف، تصبح المحافظة على خدمات قياس ضغط الدم وتوفير العلاج الأساسي جزءاً من حماية النظام الصحي، لا خدمة يمكن تأجيلها باستمرار.
لماذا قد تكون الرعاية الأولية أهم من الأجهزة المتقدمة؟
قد تتحول الأخبار الطبية الكبرى إلى سباق حول أكثر الأجهزة تطوراً وأحدث العلاجات.
لكن ارتفاع ضغط الدم يقدم درساً مختلفاً.
فالكثير من خطوات الكشف عنه ومتابعته لا تتطلب تكنولوجيا خارقة.
بل تتطلب أجهزة قياس موثوقة، وعاملين صحيين مدرّبين، ومواعيد متابعة منتظمة، وأدوية أساسية متاحة بصورة مستمرة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية في تقريرها العالمي لعام 2025 أن تحسين الكشف والعلاج وضبط الضغط داخل الرعاية الصحية الأولية يمكن أن يخفف عبئاً صحياً كبيراً.
كما تشدد على أهمية الأدوية المضمونة الجودة والأجهزة المعتمدة لتوفير قياسات دقيقة.
وهنا يظهر السؤال المتعلق بلبنان: هل يستطيع النظام الصحي ضمان متابعة طويلة الأمد لمئات آلاف المصابين؟
لا يكفي تنظيم حملات قياس عابرة إذا لم يتمكن الشخص الذي تظهر لديه قراءة مرتفعة من الحصول على تقييم وعلاج ومتابعة لاحقة.
فالكشف المبكر يصبح أكثر فائدة عندما تتبعه رعاية مستمرة.
ما الذي يستطيع الفرد فعله؟
تشير التوصيات الطبية إلى أهمية قياس ضغط الدم دورياً، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر.
ويُفضّل استخدام جهاز قياس موثوق بكُفّة مناسبة للذراع، مع اتباع تعليمات القياس وتسجيل النتائج لمناقشتها مع الطبيب.
أما الوقاية والعلاج فيشملان، بحسب الحالة، الحد من الملح، وزيادة النشاط البدني، وتحسين النظام الغذائي، والإقلاع عن التدخين، والمحافظة على وزن مناسب، والالتزام بالأدوية الموصوفة.
ولا ينبغي التوقف عن دواء الضغط أو تعديل الجرعات لمجرد تحسن القراءة من دون مراجعة الطبيب.
كذلك لا ينبغي تجاهل قراءات شديدة الارتفاع، خصوصاً إذا ترافقت مع ألم في الصدر أو ضيق في التنفس أو ضعف مفاجئ أو تغيرات في الرؤية أو الكلام؛ فهذه الحالات قد تستدعي تقييماً إسعافياً عاجلاً.
لكن الإجراءات الفردية لا تعفي المؤسسات الصحية والجهات التنظيمية من مسؤولياتها.
فالتثقيف وحده لا يكفي عندما تكون الأدوية أو خدمات المتابعة غير متاحة أو باهظة على بعض المرضى.
كيف يمكن قياس التقدم الحقيقي؟
إذا أراد لبنان تقليل عبء ارتفاع ضغط الدم، فإن رفع عدد الأشخاص الذين يعرفون بتشخيصهم يمثل خطوة مهمة.
لكنه ليس المؤشر الوحيد.
فالنجاح يحتاج أيضاً إلى ارتفاع نسبة من يتلقون علاجاً فعالاً، وزيادة نسبة من يحققون ضغطاً مضبوطاً بصورة مستمرة.
وتتطلب مراقبة هذه المؤشرات بيانات دورية ومقارنتها بمرور الوقت.
كما يجب التمييز بين التقديرات الوطنية المبنية على النماذج وبين نتائج الفحوص المباشرة لدى مجموعات محددة من المرضى.
فلا يمكن اعتبار انخفاض أو ارتفاع رقم منشور دليلاً قاطعاً على نجاح سياسة معينة ما لم تؤخذ اختلافات القياس والسكان والظروف الصحية في الاعتبار.
لكن وجود مؤشرات واضحة يسمح للمواطنين والباحثين بمساءلة السياسات الصحية بطريقة أدق.
901 ألف شخص… الرقم الذي ينبغي ألا يمر بصمت
تتلقى الأمراض المفاجئة والعمليات الطبية النادرة اهتماماً إعلامياً واسعاً.
لكن الأمراض المزمنة قد تواصل إحداث أضرار كبيرة بعيداً عن العناوين الرئيسية.
وفي لبنان، تكشف تقديرات منظمة الصحة العالمية أن مشكلة ارتفاع ضغط الدم لا تتعلق بعدد المصابين فقط.
بل بالفجوة الكبيرة بين التشخيص والعلاج والسيطرة الفعلية على المرض.
ولا تعني هذه الفجوة أن جميع المرضى يواجهون المصير نفسه، أو أن المضاعفات حتمية.
لكنها تشير إلى فرص كبيرة يمكن أن توفرها الوقاية والمتابعة والعلاج المستمر.
فالضغط المرتفع قد لا يوجع اليوم، لكنه يستطيع إلحاق أضرار جدية بالقلب والدماغ والكلى على المدى الطويل.
ولهذا فإن السؤال الصحي الأهم ليس كم شخصاً قاس ضغطه مرة واحدة.
بل:
كم شخصاً اكتُشف مرضه مبكراً، وحصل على العلاج، واستطاع الحفاظ على ضغطه تحت السيطرة؟


