في لبنان، لم يعد السؤال المتعلق بالصفقات العامة يقتصر على هوية الشركة التي تفوز بالمناقصة. فمع دخول قانون الشراء العام حيز التنفيذ وبدء نشر المعلومات عبر المنصة الإلكترونية المركزية، أصبح ممكناً الاطلاع على عدد كبير من إعلانات الشراء ونتائج التلزيم.
لكن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن جميع الأموال العامة تُنفق بكفاءة، أو أن المنافسة أصبحت متكافئة، أو أن العقود نُفذت بالشروط المتفق عليها.
ففي 21 تشرين الأول 2026، أظهرت إحصاءات نقلتها وسائل إعلام عن هيئة الشراء العام تسجيل 7,723 عملية شراء منشورة، بينها 5,261 مناقصة محالة، بقيمة تراكمية تقارب 3.57 مليارات دولار.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تكشف حجم النشاط المنشور أكثر مما تكشف وحدها عن سلامة الإنفاق.
وهنا تبدأ المسألة التي تستحق التدقيق: ماذا نعرف فعلياً عن المنافسة والتنفيذ وراء آلاف الصفقات التي تظهر على المنصة؟
قانون وُضع لتغيير طريقة إنفاق المال العام
في 19 تموز 2021، صدر القانون رقم 244 لتنظيم الشراء العام في لبنان، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 تموز من العام نفسه.
ودخل القانون حيز التنفيذ في تموز 2022، قبل أن تطرأ عليه تعديلات لاحقة.
جاء القانون لإعادة تنظيم الإجراءات التي تستخدمها الجهات العامة عند شراء السلع والخدمات وتنفيذ الأشغال، ضمن قواعد تهدف إلى تعزيز المنافسة والشفافية والمساواة بين العارضين.
ومن أبرز التحولات إنشاء هيئة الشراء العام وإقرار منصة إلكترونية مركزية لنشر المعلومات المتعلقة بالمناقصات.
لكن القانون لا يقتصر على الإعلان عن الصفقات.
فهو يتناول إعداد ملفات الشراء، وشروط المشاركة، وتقييم العروض، واختيار الملتزمين، ونشر النتائج، وآليات الاعتراض والرقابة.
وهذا يعني أن إتاحة إعلان المناقصة للعموم هي بداية سلسلة من الضمانات، وليست الدليل النهائي على نزاهة العملية.
ماذا تقول الأرقام الجديدة؟
بحسب إحصاءات هيئة الشراء العام التي نقلها تقرير نشر في 23 تشرين الأول 2026، بلغ عدد عمليات الشراء المسجلة على المنصة 7,723 عملية.
ومن بينها 5,261 مناقصة أحيلت، أي نحو 68.12% من مجموع العمليات المنشورة.
كما بلغت نسبة الجهات الشارية المسجلة التي نشرت إعلاناتها على المنصة نحو 78.93%.
أما القيمة التراكمية للصفقات المحالة فقد قاربت 3.57 مليارات دولار.
هذه الأرقام تشير إلى وجود نشاط واسع على المنصة وتحسن في إتاحة معلومات لم تكن بالضرورة متوافرة للعموم بصورة مركزية في السابق.
لكن قراءة الأرقام تحتاج إلى حذر.
فالصفقة المحالة ليست بالضرورة صفقة نُفذت بالكامل.
وقيمة العقود المحالة لا تعادل حكماً المبالغ المدفوعة فعلياً من الخزينة أو الجهات العامة.
كما أن نسبة الجهات التي نشرت إعلاناتها لا تعني بالضرورة أن جميع ملفاتها التزمت بكل الأحكام القانونية.
والأهم أن ارتفاع عدد المناقصات المنشورة لا يكشف وحده عن عدد العارضين المتنافسين، أو مدى استقلالية لجان التقييم، أو جودة السلع والخدمات التي تسلمتها الإدارات.
المنافسة: السؤال الذي لا تجيب عنه الأرقام الإجمالية
قد تُنشر مناقصة بصورة قانونية، ثم يتقدم إليها عارض واحد.
وقد تتقدم شركات متعددة، لكن شروط المشاركة قد تجعل المنافسة الفعلية محدودة.
كما يمكن أن تفوز شركة بعرض منخفض، ثم ترتفع الكلفة لاحقاً نتيجة تعديلات تعاقدية أو أعمال إضافية، ضمن الحدود التي يتيحها القانون.
هذه احتمالات معروفة في أنظمة الشراء العام، وليست إثباتاً لوقوعها في صفقات لبنانية محددة.
لكنها تفسر لماذا لا يكفي احتساب عدد المناقصات وحده للحكم على نزاهة السوق.
فالتقييم الحقيقي يحتاج إلى بيانات أخرى: عدد العارضين في كل مناقصة، والفارق بين الأسعار المقدمة، وأسباب استبعاد العروض، ونسبة العقود التي جرى تعديلها بعد التلزيم.
كذلك ينبغي معرفة ما إذا كانت بعض الشركات تفوز بصورة متكررة ضمن قطاع معين، وما إذا كان تكرار الفوز يعكس خبرة مشروعة أم غياب منافسة فعالة.
ولا يمكن إطلاق استنتاج بشأن أي شركة من مجرد تكرار فوزها، من دون مقارنة شروط المناقصات وطبيعة السوق والعروض الأخرى.
صندوق النقد: القانون تقدم… لكن التطبيق غير متكافئ
في تقرير تشخيص الحوكمة والفساد في لبنان المنشور عام 2026، تناول صندوق النقد الدولي نقاط الضعف في إدارة المال العام والرقابة والمؤسسات.
واعتبر أن اعتماد قانون الشراء العام خطوة إصلاحية مهمة، لكنه أشار إلى أن تنفيذه لم يكن متساوياً بين مختلف المكونات.
كما تناول تأخر استكمال البنية المؤسسية للهيئات المعنية بالشراء والاعتراضات.
وفي التقرير الفني التفصيلي، عرض الصندوق مشكلات في تطبيق القانون خلال السنوات الأولى، بينها محدودية الموارد البشرية والتأخر في بناء المؤسسات والأدوات الإلكترونية.
وهنا يجب الانتباه إلى التسلسل الزمني.
فبعض المؤشرات التي استخدمها التقرير التفصيلي تعود إلى عام 2022، ولا يجوز تقديمها بوصفها وصفاً دقيقاً للوضع في تشرين الأول 2026.
لكن الملاحظات المؤسسية تظل مهمة لفهم لماذا لا يكفي إصدار قانون أو إطلاق منصة لإنهاء المخاطر المرتبطة بالإنفاق العام.
ففاعلية النظام تعتمد على قدرة الهيئات المختصة على التدقيق، وحسم الاعتراضات، وتطبيق العقوبات، ومراقبة الالتزام بالقانون.
هيئة الاعتراضات… حق قانوني يحتاج إلى مؤسسة فعالة
يتضمن قانون الشراء العام أحكاماً لإنشاء هيئة مستقلة تتولى النظر في الاعتراضات على إجراءات وقرارات الشراء قبل توقيع العقود.
ويمنح القانون أصحاب المصلحة حق الاعتراض ضمن شروط ومهل محددة.
والهدف من هذه الآلية تمكين الجهات المتضررة من الطعن في الإجراءات قبل أن تتحول إلى التزامات تعاقدية يصعب تعديلها.
لكن فعالية هذا الحق تتوقف على وجود آلية عملية قادرة على استقبال الملفات والبت فيها وفق الأصول.
وقد أشار صندوق النقد إلى تأخر تفعيل الهيئات المختصة خلال مرحلة التنفيذ الأولى للقانون.
ولم تتوافر في الوثائق التي أمكن مراجعتها لهذا التحقيق حصيلة محدثة ومكتملة، حتى تشرين الأول 2026، لعدد الاعتراضات المقدمة والقرارات الصادرة بشأنها ومراحل تنفيذها.
لذلك لا يصح الجزم بأن الهيئة لا تعمل حالياً، ولا اعتبار وجود نص قانوني لإنشائها دليلاً كافياً على اكتمال جميع متطلبات عملها.
والمطلوب نشر بيانات واضحة عن وضعها المؤسسي وقراراتها وآثار تلك القرارات على المناقصات.
من يراقب العقد بعد فوز الشركة؟
تبدأ مرحلة مختلفة من الرقابة بعد إحالة الصفقة.
فالعقد قد يتعلق ببناء طريق أو تجهيز مستشفى أو شراء معدات أو تقديم خدمات صيانة.
وفي هذه المرحلة، لا يكفي أن تكون إجراءات اختيار الشركة سليمة.
بل ينبغي التحقق من أن الأعمال نُفذت فعلياً، وأن المواد والخدمات مطابقة للمواصفات، وأن الإدارة تسلمتها بعد الفحص المطلوب.
كما ينبغي مراقبة التعديلات على العقود والمبالغ الإضافية ومواعيد التسليم.
وهنا تظهر فجوة في النقاش العام حول المشتريات.
فالإعلان عن اسم الفائز وقيمة العقد يوضح نتيجة مرحلة التلزيم، لكنه لا يقدم صورة مكتملة عن التنفيذ.
ولا يمكن معرفة ما إذا كانت الدولة حصلت على القيمة المطلوبة مقابل المال الذي دفعته إلا بالعودة إلى محاضر الاستلام والفواتير وتقارير الرقابة والإنجاز.
هل يمكن استخدام المنصة لكشف الصفقات غير التنافسية؟
نظرياً، يمكن للبيانات المنشورة أن تسمح بتتبع مؤشرات تستحق التدقيق.
ومنها تكرار فوز شركة معينة ضمن الجهة العامة نفسها، أو وجود مناقصات يشارك فيها عارض واحد بصورة متكررة، أو ارتفاع الفارق بين القيمة التقديرية والنتيجة النهائية، أو كثرة إجراءات الشراء التي لا تعتمد المنافسة المفتوحة.
لكن تحويل هذه المؤشرات إلى أدلة يحتاج إلى تحليل كل ملف على حدة.
فقد توجد أسباب قانونية وفنية مشروعة لاستخدام طريقة شراء معينة، أو لاقتصار المنافسة على عدد محدود من الموردين المتخصصين.
ولذلك، فإن التحقيق الاستقصائي الجدي لا يكتفي بوضع علامة اشتباه على صفقة بسبب طريقة تلزيمها.
بل يفحص شروطها ومبرراتها والأسعار المرجعية والمستندات، ثم يطلب توضيحاً من الجهة الشارية والشركة المعنية.
ماذا عن البلديات والمؤسسات العامة؟
لا تقتصر المشتريات على الوزارات والإدارات المركزية.
فجهات عامة مختلفة، بينها مؤسسات وبلديات بحسب نطاق تطبيق القانون، تحتاج إلى شراء خدمات ومعدات وتنفيذ أشغال محلية.
وتزداد أهمية الرقابة هنا لأن بعض الصفقات ترتبط مباشرة بحياة السكان، مثل إنارة الطرق وجمع النفايات وصيانة شبكات المياه وتأهيل المباني العامة.
لكن بيانات المنصة الإجمالية لا تكفي وحدها لتحديد مدى التزام كل جهة محلية بالقانون.
فالمطلوب مقارنة ما تنشره الجهة الشارية بخططها وقراراتها المالية والعقود التي نفذتها فعلياً.
وبالنسبة إلى بلديات الجنوب، يمكن أن تشكل هذه المقارنة نقطة انطلاق لتحقيقات محلية حول الأشغال الممولة من الموازنات البلدية أو المساعدات العامة.
ومن غير المنصف افتراض وجود مخالفات في أي بلدية من دون فحص ملفاتها بصورة مستقلة.
سبعة أسئلة تستحق الإجابة
تطرح «المسمار» على الجهات المعنية بالشراء العام أسئلة محددة:
أولاً: كم بلغت القيمة الفعلية المدفوعة من العقود المحالة والمسجلة على المنصة، مقارنة بقيمتها عند التلزيم؟
ثانياً: ما نسبة المناقصات التي تقدم إليها عارض واحد، وما القطاعات التي تتركز فيها هذه الحالات؟
ثالثاً: هل توجد بيانات منشورة توضح تكرار فوز الشركات وتوزع العقود بحسب الجهة الشارية؟
رابعاً: ما عدد العقود التي خضعت لتعديلات مالية أو تمديدات زمنية بعد إحالتها؟
خامساً: ما وضع هيئة الاعتراضات في تشرين الأول 2026، وما حصيلة القرارات والاعتراضات خلال السنة؟
سادساً: هل تُنشر محاضر الاستلام وتقارير إنجاز الأشغال بصورة تسمح بالتحقق من النتائج؟
سابعاً: ما الإجراءات المستخدمة لمقارنة الأسعار المدفوعة بالقيمة السوقية والبدائل التنافسية المتاحة؟
هذه الأسئلة لا تنطلق من افتراض أن الصفقات المنشورة مخالفة للقانون.
بل من الحاجة إلى الانتقال من قياس شفافية الإجراءات إلى قياس كفاءة الإنفاق وسلامة التنفيذ.
الخلاصة: الشفافية تبدأ بالإعلان ولا تنتهي عنده
حقق لبنان تقدماً في إنشاء إطار قانوني لنشر عمليات الشراء العام وتنظيمها عبر منصة مركزية.
وتشير أرقام تشرين الأول 2026 إلى اتساع المعلومات المنشورة عن العمليات والإحالات.
لكن هذه الأرقام لا تثبت وحدها انخفاض الفساد، أو زيادة المنافسة، أو تحسن جودة الخدمات العامة.
فالصفقات لا تُقاس فقط بعدد الإعلانات أو بالقيمة الإجمالية للعقود، بل أيضاً بكيفية اختيار الشركات، والأسعار التي دُفعت، والأعمال التي أُنجزت، وما إذا كانت المؤسسات الرقابية قادرة على التدخل عند وقوع مخالفات.
وحتى الآن، لا توفر المؤشرات الإجمالية التي تناولها هذا التحقيق أساساً لتوجيه اتهامات إلى شركات أو جهات عامة محددة.
لكنها تتيح صياغة اختبار رقابي واضح للمرحلة المقبلة.
فالمواطن لا يستفيد من إعلان المناقصة بحد ذاته، بل من الطريق الذي يُنجز بالمواصفات المطلوبة، والمستشفى الذي يتسلم تجهيزاته، والخدمة التي تصل إليه بالكلفة العادلة.
ويبقى سؤال «المسمار»:
إذا كانت الدولة قد نشرت صفقات بقيمة مليارات الدولارات، فهل تستطيع أن تُظهر للمواطنين، بالوضوح نفسه، ماذا تسلّمت مقابل هذه الأموال؟


