لم تكن القاضية الأميركية فيكتوريا كولاكوفسكي بحاجة إلى مشهد خيالي لتواجه إحدى أكثر مشكلات الذكاء الاصطناعي تعقيداً.
كانت أمامها مقاطع فيديو قُدمت إلى محكمة في ولاية كاليفورنيا على أنها شهادات حقيقية. يظهر فيها شخص يتحدث إلى الكاميرا، لكن شيئاً بدا غير طبيعي.
حركات الوجه محدودة، التعبيرات شبه غائبة، ونبرة الكلام لا تتطابق مع ما ظهر في تسجيل آخر للشخص نفسه.
بعد مراجعة الأدلة ومقارنتها، خلصت المحكمة إلى أن مقطعين لم يكونا توثيقاً حقيقياً لكلام الشاهدة جيري هاس، بل نتاجاً للذكاء الاصطناعي التوليدي.
وفي 9 أيلول 2025، قررت المحكمة إسقاط الدعوى نهائياً كعقوبة على تقديم أدلة ملفّقة، في قضية Mendones v. Cushman & Wakefield.
كانت الواقعة إنذاراً مبكراً: لم يعد التزييف العميق محصوراً بمقاطع المشاهير والسياسيين المنتشرة على الإنترنت، بل وصل إلى مكان يُفترض أن تكون فيه الأدلة أساس إصدار الأحكام.
لكن ما حدث بعد ذلك كشف مشكلة أكبر.
ففي 15 تشرين الأول 2026، اجتمعت لجنة أميركية مختصة بقواعد الإثبات القضائي في بوسطن، لمناقشة كيفية تعامل المحاكم مع الصور والفيديوهات والتسجيلات التي قد يكون الذكاء الاصطناعي صنعها أو تلاعب بها.
وشارك في النقاش خبراء من شركات تكنولوجيا، بينها OpenAI وMeta، وسط تحذيرات من أن التقدم السريع في صناعة المحتوى الاصطناعي يجعل التمييز بين الحقيقي والمزيف أكثر صعوبة.
إذا كان بالإمكان اختلاق دليل يبدو حقيقياً، فكيف نحمي الأبرياء من الإدانة؟ وإذا أصبح بالإمكان التشكيك في أي تسجيل، فكيف نحمي الحقيقة من الإنكار؟
مقاطع فيديو ملفّقة تصل إلى قاعة المحكمة
تعود إحدى الوقائع البارزة إلى محكمة مقاطعة ألاميدا في كاليفورنيا.
فخلال قضية مدنية، قدّم المدّعون مجموعة من الملفات التي تضمنت تسجيلات مصورة وصوراً ومستندات.
وعندما راجعت القاضية بعض التسجيلات، لاحظت اختلافات بين مقاطع نُسبت إلى الشاهدة نفسها.
وبحسب قرار المحكمة، افتقرت بعض المقاطع إلى التعبيرات الطبيعية، وظهرت فيها حركات غير متناسقة للفم ونبرة كلام آلية.
كما كشفت مراجعة مواد أخرى مؤشرات إلى التعديل والتلاعب.
وفي قرارها الصادر في أيلول 2025، اعتبرت المحكمة أن المقطعين المعنيين من إنتاج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنهما لا يعكسان كلام الشاهدة وصورتها الحقيقيين.
لم تكتفِ المحكمة باستبعاد تلك المواد، بل فرضت عقوبة إجرائية أدت إلى إسقاط الدعوى نهائياً.
وهذا مثال محدد على ثبوت تقديم أدلة مصطنعة أمام محكمة، وليس دليلاً على انتشار الظاهرة في جميع القضايا.
لكنه يكشف مدى خطورة انتقال التكنولوجيا من بيئة الترفيه إلى فضاء الإثبات القانوني.
فالمشكلة هنا لا تتعلق بشخص صدّق مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بمادة كان يمكن أن تدخل في عملية قضائية وتؤثر في حقوق أطراف حقيقيين.
القضاء الأميركي يبحث تغيير قواعد اللعبة
في 15 تشرين الأول 2026، خصصت اللجنة الاستشارية لقواعد الأدلة التابعة للقضاء الفيدرالي الأميركي جزءاً من اجتماعها لمناقشة التزييف العميق.
ولم يكن الاجتماع الأول من نوعه؛ إذ تشير الوثائق الرسمية إلى أن اللجنة ناقشت المسألة خلال سبعة اجتماعات سابقة.
المشكلة المركزية هي تحديد المسؤول عن إثبات صحة المحتوى الرقمي عندما يطعن فيه أحد أطراف القضية بدعوى أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي.
في القواعد الأميركية القائمة، تنص المادة 901 على ضرورة تقديم أدلة كافية تدعم الاستنتاج بأن المادة المعروضة هي فعلاً ما يدّعي مقدّمها أنها تمثله.
لكن مع تطور أدوات التوليد، أصبح النقاش يدور حول مدى كفاية هذا المعيار عندما تكون المادة قابلة للتزييف بدرجة عالية من الواقعية.
ولهذا ناقشت اللجنة مسودة مادة جديدة تُعرف باسم Rule 901(c).
وتقوم الفكرة المطروحة على مرحلتين:
أولاً، لا يكفي أن يقول أحد أطراف القضية إن الفيديو مزيف؛ عليه تقديم أساس أو مؤشرات كافية تجعل احتمال التزييف جدياً.
ثانياً، إذا نجح في ذلك، يصبح على الطرف الذي يريد تقديم الفيديو إثبات أن أصالته أرجح من عدمها، أمام القاضي.
هذا المقترح قد يرفع مستوى التدقيق في بعض الأدلة المتنازع عليها، لكنه لم يصبح قاعدة نافذة حتى تاريخ إعداد هذه المقالة.
والنقاش لا يزال مفتوحاً بشأن كيفية تعريف التزييف العميق، وما الأدلة المطلوبة لإثارة الشك، ومدى تأثير القاعدة المقترحة على سير المحاكمات.
931 قاضياً… و15 فقط واجهوا هذا النوع من الاعتراضات
رغم القلق المتزايد، تكشف البيانات القضائية صورة أكثر تعقيداً مما توحي به العناوين المثيرة.
ففي استطلاع أجراه المركز القضائي الفيدرالي الأميركي، شارك 931 قاضياً، قال 15 منهم فقط إنهم واجهوا اعتراضاً على دليل بحجة أنه مزيف باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ويمثل ذلك نحو 1.6% من القضاة المشاركين.
لكن يجب التعامل مع الرقم بحذر.
فالاستطلاع بلغت نسبة الاستجابة إليه 45% تقريباً، وهو يقيس خبرة القضاة الذين أجابوا، لا العدد الإجمالي للمواد المزيفة التي وصلت إلى جميع المحاكم الأميركية.
كذلك لا يعني أن كل اعتراض من الاعتراضات المسجلة كان صحيحاً أو انتهى بإثبات وجود تزييف.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاعتراضات القضائية من هذا النوع لم تكن واسعة الانتشار بين المشاركين في الاستطلاع، لكنها أصبحت قضية تستحق الدراسة قبل أن تتطور المشكلة أكثر.
وهذا تحديداً ما يقسم الخبراء القانونيين.
فبعضهم يرى أن القواعد الحالية، التي تعاملت لعقود مع التزوير والتلاعب بالمستندات، ما زالت قادرة على استيعاب الأدلة الاصطناعية.
في المقابل، يرى آخرون أن القدرة الجديدة على صناعة مواد شديدة الواقعية تستدعي معايير إضافية، لأن أثر التسجيل المصوّر على القاضي أو هيئة المحلفين قد يكون كبيراً.
حين يصبح الفيديو الحقيقي ضحية للذكاء الاصطناعي
تخيل أن كاميرا مراقبة سجّلت واقعة اعتداء حقيقية.
يُقدَّم الفيديو إلى المحكمة، فيدّعي الشخص الذي يظهر فيه أن التسجيل صُنع بالذكاء الاصطناعي.
في الماضي، كان التشكيك في الفيديو قد يحتاج إلى الادعاء بوجود مونتاج أو تعديل واضح.
أما اليوم، فأصبح الادعاء بأن التسجيل «ديب فيك» تفسيراً جاهزاً قد يلجأ إليه بعض الأطراف حتى عندما يكون المحتوى أصلياً.
تُعرف هذه المشكلة في الأبحاث باسم Liar’s Dividend، أي المكسب الذي قد يجنيه الكاذب من انتشار الشك في أصالة الأدلة.
الفكرة بسيطة وخطيرة: كلما أصبح التزييف أكثر إقناعاً، أصبح من الأسهل التشكيك في مواد حقيقية.
وبذلك قد يجد القضاء نفسه أمام خطرين متعاكسين.
الأول هو قبول تسجيل مزيف باعتباره دليلاً أصلياً.
والثاني هو رفض تسجيل حقيقي أو التقليل من قيمته لمجرد إمكان إنتاج شيء مشابه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وهذا هو التحدي الذي يجعل القضية أكثر تعقيداً من مجرد تحسين برامج كشف التزييف.
فالهدف ليس حماية المحكمة من المحتوى المصطنع وحده، بل حماية الأدلة الأصلية أيضاً من الإنكار غير المستند إلى أساس.
شركات التكنولوجيا تحذّر… لكن أدواتها ليست الحل الكامل
خلال اجتماع بوسطن، شارك ممثلون عن شركات تقنية كبرى في النقاش.
ونقلت رويترز عن ممثلة OpenAI، شيرا أندرسون، تحذيراً من صعوبة الوصول إلى طريقة علمية مضمونة تستطيع كشف جميع المواد المولّدة بالذكاء الاصطناعي.
كما ناقش المشاركون القيود التي تواجه أدوات الكشف والعلامات المائية المستخدمة لتمييز المحتوى الاصطناعي.
فبعض الأنظمة تحاول رصد آثار إحصائية داخل الصور، بينما تعتمد أنظمة أخرى على علامات تُدمج في المحتوى أثناء إنشائه.
لكن هذه الأساليب ليست متكافئة، ولا يعمل جميعها على المحتوى الذي تنتجه الأدوات المختلفة.
وقد يؤدي تعديل الملف أو ضغطه أو إعادة تصويره إلى فقدان بعض الإشارات التي تعتمد عليها تقنيات التحقق.
لهذا لا ينبغي التعامل مع نتيجة أداة واحدة على أنها حكم نهائي بشأن صحة فيديو أو تسجيل.
فعبارة «لم تكتشف الأداة وجود ذكاء اصطناعي» لا تعني بالضرورة أن المحتوى حقيقي.
كما أن النتيجة الإيجابية قد تحتاج إلى تفسير فني وتحقق إضافي، بدلاً من اعتبارها دليلاً قاطعاً على التزوير.
لماذا لا تكفي العلامة المائية؟
أصبحت العلامات المائية والتوقيعات الرقمية من الحلول التي تُطرح لمواجهة التضليل.
ومن أبرز المعايير التقنية في هذا المجال نظام C2PA، الذي يتيح تسجيل معلومات موثقة رقمياً عن مصدر المحتوى وتاريخ بعض التعديلات التي طرأت عليه.
وقد يساعد هذا النوع من الأنظمة في معرفة ما إذا كان ملف معين قد ارتبط بجهة أو أداة إصدار معروفة، وما إذا كانت معلومات مصدره قد عُدلت لاحقاً.
لكنه لا يثبت وحده أن المشهد المصوّر وقع فعلاً كما يبدو.
فالكاميرا قد تسجل مشهداً حقيقياً لكنه مُعدّ بطريقة مضللة، أو قد يُقتطع التسجيل من سياقه.
كذلك يمكن أن تغيب معلومات المصدر عن ملفات أصلية لأسباب تقنية، من بينها استخدام أجهزة أو برامج لا تدعم هذا النظام.
وهذا يعني أن غياب شهادة رقمية لا يثبت التزييف، وأن وجودها لا يثبت صحة القصة التي تُروى عن المحتوى.
وفي تقرير أصدره المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا NIST حول مخاطر المحتوى الاصطناعي، ناقش الباحثون مجموعة من الوسائل التقنية، تشمل التحقق من المصدر، والعلامات المائية، والكشف، والتقييم المستقل.
والخلاصة العملية هي أن التحقق من المحتوى يحتاج إلى أكثر من إشارة واحدة.
من الصورة إلى مصدرها… كيف يُفحص الدليل؟
عندما يصبح محتوى رقمي موضع نزاع، يمكن لفحصه أن يشمل سلسلة من الإجراءات، وليس مجرد النظر إليه.
من هذه الإجراءات تحديد الجهاز أو النظام الذي أنتج الملف، وفحص النسخة الأصلية، والبيانات التقنية المصاحبة لها، وتاريخ انتقالها بين الأشخاص أو المؤسسات.
وقد يلجأ الخبراء إلى مقارنة التسجيل بمواد أخرى مستقلة، وفحص التوقيت والموقع والتغييرات التي طرأت عليه.
كذلك تصبح سلسلة حيازة الدليل عنصراً مهماً: من حصل على الملف أولاً؟ ومن احتفظ به؟ وهل يمكن إثبات أنه لم يتغير خلال انتقاله؟
وفي بعض الحالات، قد يساعد وجود تسجيلات أخرى أو شهادات متطابقة أو سجلات مستقلة على تقييم صحة الادعاءات المتعلقة بالمحتوى.
لكن نجاح هذه الوسائل يعتمد على طبيعة الملف ومدى توافر الأدلة المساندة.
ولا توجد طريقة واحدة مضمونة تصلح لجميع السيناريوهات.
ولهذا فإن مستقبل التحقيقات الرقمية قد يحتاج إلى الجمع بين الخبرة التقنية والإجراءات القانونية والرقابة القضائية، بدلاً من الاعتماد على برامج كشف التزييف وحدها.
القضية لا تتوقف عند المحاكم الأميركية
قد تبدو هذه النقاشات بعيدة عن العالم العربي، لكنها تلامس مسألة أكثر اتساعاً: دور الصور والتسجيلات الرقمية في إثبات الوقائع.
ففي قضايا الاحتيال والابتزاز والتشهير والنزاعات التجارية والاعتداءات، قد تشكل الرسائل الصوتية والصور والفيديوهات جزءاً مهماً من الأدلة المقدمة.
كما تعتمد المؤسسات الإعلامية ومنظمات حقوق الإنسان على المحتوى الرقمي لتوثيق أحداث قد تكون محل نزاع.
ومع ازدياد القدرة على إنتاج أصوات ووجوه اصطناعية، يصبح التحقق من المصدر ضرورياً لحماية الأشخاص من الاتهامات الكاذبة، ولحماية الضحايا من إنكار الأدلة الأصلية.
لكن لا يجوز افتراض أن المقترحات القضائية الأميركية تنطبق تلقائياً على الدول العربية.
فلكل دولة تشريعاتها وإجراءاتها المتعلقة بالإثبات والخبرة الفنية والجرائم المعلوماتية.
والمقارنة هنا تقنية ومؤسساتية، وليست ادعاءً بوجود قانون عربي موحد أو قواعد مطابقة للنظام الأميركي.
ما يمكن استخلاصه هو أن المؤسسات القضائية والإعلامية ستحتاج بصورة متزايدة إلى خبرة رقمية موثوقة وإجراءات واضحة للتعامل مع المحتوى المتنازع عليه.
ماذا يحدث إذا سبق الذكاء الاصطناعي القانون؟
في اجتماع اللجنة الأميركية، لم يكن الخلاف بشأن وجود التكنولوجيا أو إمكان إساءة استخدامها.
بل بشأن توقيت التدخل التشريعي وطبيعته.
فإقرار معايير صارمة جداً قد يؤدي إلى تعقيد تقديم أدلة صحيحة وتأخير الإجراءات، خصوصاً إذا استطاع أحد الأطراف إثارة اعتراضات متكررة دون أساس قوي.
وفي المقابل، فإن تأجيل تحديث الإجراءات قد يترك المحاكم أمام أدلة يصعب التحقق من صحتها بوسائلها التقليدية.
ويزداد التحدي لأن عملية تعديل قواعد الإثبات تحتاج إلى مشاورات ومراجعات وإجراءات رسمية، بينما يمكن لتقنيات توليد الصور والأصوات أن تتطور خلال أشهر.
وهذه الفجوة الزمنية تجعل تنظيم الذكاء الاصطناعي قضية متحركة.
فالقانون يسعى إلى بناء قواعد مستقرة، بينما تتغير قدرات التكنولوجيا والتهديدات المرتبطة بها باستمرار.
ولذلك لا يقتصر النقاش على إصدار قاعدة جديدة، بل يشمل تصميم إجراءات تستطيع التعامل مع تطورات لم تظهر بعد.
الصحافة أيضاً أمام اختبار الحقيقة
لا تواجه المحاكم هذا التحدي وحدها.
فالصحافة، التي تعتمد منذ عقود على الصور والتسجيلات لتوثيق الوقائع، أصبحت مطالبة بإعادة النظر في كيفية التعامل مع المواد الرقمية.
فقد تنتشر صور وفيديوهات تبدو موثوقة، ثم يتبين أنها مولّدة بالكامل.
وقد تنتشر أيضاً اتهامات بالتزييف ضد مواد أصلية، بهدف نزع المصداقية عن توثيق حدث فعلي.
وهنا تصبح مسؤولية المؤسسات الإعلامية مزدوجة.
فهي مطالبة بعدم نشر الأدلة المزيفة، وبألا تتحول في الوقت نفسه إلى أداة لإنكار الأدلة الصحيحة لمجرد وجود ادعاء بأنها مصطنعة.
ويزداد هذا التحدي في تغطية النزاعات والحروب، حيث تكون الصور والتسجيلات أحياناً من أبرز الأدلة المتاحة للجمهور.
لكن التحقق الصحافي لا يقوم على إصدار حكم نهائي من لقطة واحدة.
بل على تتبع مصدر المادة، ومقارنتها بمعلومات مستقلة، والتصريح بحدود ما يمكن التثبت منه.
فالثقة لا تُبنى بالادعاء أن كل صورة صحيحة أو أن كل فيديو قابل للتزييف، بل بتقديم الأدلة التي تتيح للقارئ فهم ما هو معروف وما لا يزال موضع شك.
عصر لم تعد فيه العين شاهداً كافياً
لم يكن التزوير اختراعاً جديداً.
فقد عرفت المحاكم وثائق مزيفة وشهادات كاذبة وصوراً معدلة قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بزمن طويل.
لكن التطور الحالي يغيّر السرعة والكلفة والواقعية التي يمكن بها إنتاج مواد مضللة.
فإنتاج مقطع يوحي بأن شخصاً قال شيئاً لم يقله، أو ظهر في مكان لم يذهب إليه، أصبح أسهل مما كان عليه قبل سنوات.
ومع استمرار تطور هذه الأدوات، ستزداد أهمية التمييز بين ما يظهر في التسجيل وبين ما يمكن إثباته بصورة مستقلة.
وما كشفته المناقشات القضائية الأميركية ليس أن العدالة فقدت قدرتها على معرفة الحقيقة، بل أن الوسائل التي اعتُمد عليها طويلاً تحتاج إلى تطوير.
فالقضاة والخبراء والمشرعون يواجهون اليوم تحدياً تتداخل فيه التكنولوجيا مع حقوق المتهمين والضحايا وصدقية الأدلة.
ولا يمكن حسم هذا التحدي بالثقة المطلقة في الصور، ولا بالشك المطلق فيها.
المشكلة الكبرى ليست فقط أن الذكاء الاصطناعي يستطيع اختلاق دليل على جريمة لم تحدث، بل أنه يستطيع خلق بيئة يصبح فيها إنكار الجريمة الحقيقية أسهل أيضاً.
وبين خطر تصديق المزيف وخطر تكذيب الحقيقي، تقف العدالة أمام سؤال قد يحدد شكل الإثبات في السنوات المقبلة:
إذا لم تعد أعيننا تكفي للحكم على صدق ما نراه، فمن يملك الأدوات والمعايير التي تحمي الحقيقة؟


