بين مبادرة سياحية محلية ومشهد رسمي واسع، يطرح إطلاق قطار كهربائي صغير أسئلة تتجاوز حجمه ومساره، لتصل إلى أولويات الدولة ومعايير الإنجاز في بلد أنهكته الأزمات.
في بلد تتراكم فيه الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية، وتتسع فيه احتياجات إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية، قد يبدو إطلاق قطار سياحي صغير خبراً إيجابياً يستحق الاهتمام. لكن حين يتحوّل هذا المشروع إلى مناسبة رسمية يحضرها وزراء ونواب ومسؤولون، وتواكبها تغطية إعلامية واسعة، يصبح من المشروع طرح سؤال يتجاوز القطار نفسه: هل يعكس حجم الاحتفاء حجم الإنجاز، أم يعكس تراجع المعايير التي باتت تُقاس بها إنجازات الدولة؟
في التاسع من تشرين الأول 2026، شهدت بلدة البربارة في قضاء جبيل إطلاق مشروع القطار الكهربائي «BaraTrain»، بمشاركة المؤسسة العامة لسكك الحديد والنقل المشترك والبلدية، وبرعاية وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، وبحضور وزيرة السياحة لورا الخازن وعدد من النواب والمسؤولين والفاعليات المحلية.
المشروع، الذي يعيد الحركة إلى جزء من مسار سكة الحديد القديمة، يحمل طابعاً سياحياً وتراثياً، ويشكّل محاولة للاستفادة من بنية مهملة منذ عقود. غير أن المشهد الرسمي والإعلامي الذي رافق إطلاقه أثار تساؤلات حول طبيعة الإنجاز وحدود دلالاته في السياق اللبناني.
مبادرة محلية تستحق التقدير… ولكن
من الإنصاف الاعتراف بأن إعادة استخدام جزء من سكة الحديد القديمة خطوة إيجابية، خصوصاً في بلد عجز طويلاً عن حماية الكثير من مرافقه العامة وتطويرها. كما أن التعاون بين البلدية والمؤسسات الرسمية والجهات الداعمة قد يقدّم نموذجاً قابلاً للتكرار في مشاريع محلية أخرى.
ولا يجوز التقليل من جهود القائمين على المبادرة لمجرد أن القطار صغير أو أن استخدامه سياحي بالدرجة الأولى. فالمشاريع المحلية لا تُقاس دائماً بحجمها، بل بمدى ملاءمتها لأهدافها وقدرتها على الاستمرار وتحقيق منفعة فعلية للمجتمع.
لكن الاعتراف بهذه القيمة لا يعني منح المشروع أبعاداً وطنية لا يحتملها.
فالقطار السياحي، مهما كانت أهميته المحلية، لا يشكّل بحد ذاته عودة لشبكة السكك الحديدية اللبنانية، ولا يمثّل حلاً لأزمة النقل العام، ولا يمكن التعامل معه بوصفه تحوّلاً استراتيجياً في قطاع يحتاج إلى استثمارات وسياسات وتشريعات وبنى تحتية واسعة النطاق.
وهنا تحديداً يبدأ النقاش النقدي.
عندما يتجاوز المشهد الرسمي حجم المشروع
لم يقتصر إطلاق القطار على نشاط بلدي محدود، بل شهد حضوراً سياسياً وإدارياً واسعاً، سبقه إعلان إعلامي عن المناسبة ودعوة الصحافيين والمصورين إلى تغطيتها.
وخلال الحفل، تحدّث وزير الأشغال عن أهمية التعاون بين الدولة والبلديات والقطاع الخاص، وعن ضرورة تطوير النقل المشترك وتوسيع خدماته وتحسين الربط بين المناطق.
وهي أهداف يصعب الاختلاف على أهميتها، لكن السؤال يبقى عن العلاقة بين هذه الأهداف الوطنية الواسعة والمشروع الذي جرى افتتاحه.
من الطبيعي أن يشارك المسؤولون في تشجيع المبادرات المحلية، إلا أن الحضور الرسمي لا ينبغي أن يتحوّل إلى بديل عن تقديم نتائج ملموسة في الملفات الأساسية التي تقع ضمن مسؤولياتهم.
فالمواطن الذي ينتظر شبكة نقل عام آمنة ومنتظمة، أو طريقاً صالحاً للاستخدام، أو إعادة تأهيل مرفق حيوي، من حقه أن يسأل عن الأولويات وعن التقدّم المحقق في المشاريع التي تمسّ حياته اليومية.
ولا يكمن الإشكال في مشاركة وزير أو مسؤول في افتتاح مشروع محلي، بل في احتمال أن يطغى المشهد الاحتفالي على النقاش الجدي حول السياسات العامة.
لبنان المنهك ومعايير الإنجاز
تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة في الواقع اللبناني.
فالبلاد تواجه تداعيات سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي، إلى جانب الأضرار التي خلّفتها الحروب والتوترات الأمنية، وما ترتّب عليها من ضغوط اجتماعية واحتياجات متزايدة لإعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية.
وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن فصل أي احتفال رسمي عن السياق العام الذي يجري فيه.
ليست المشكلة أن الدولة تحتفي بمشروع صغير، بل أن هذا الاحتفاء قد يبدو منفصلاً عن حجم الأزمات التي ينتظر المواطنون معالجتها.
وهذا لا يعني أن تتوقف المشاريع السياحية والثقافية إلى حين انتهاء الأزمات، أو أن تُحصر الموارد العامة في قطاع واحد. فالتنمية المتوازنة تحتاج إلى مبادرات متعددة، صغيرة وكبيرة.
لكنها تحتاج أيضاً إلى وضوح في ترتيب الأولويات، وشفافية في توزيع الموارد، وقدرة على التمييز بين المشاريع ذات الأثر المحلي المحدود وتلك التي تُحدث تغييراً بنيوياً في حياة المواطنين.
إن تحويل كل خطوة إيجابية إلى مناسبة استثنائية قد يؤدي، ولو من دون قصد، إلى إعادة تعريف الإنجاز العام على أساس ما يُفتتح ويُصوَّر، لا على أساس ما يتحقق فعلياً.
الإعلام بين نقل الحدث وصناعة الانطباع
يطرح إطلاق «BaraTrain» سؤالاً آخر يتعلق بالتغطية الإعلامية.
فبعض العناوين التي قدّمت المشروع باعتباره إطلاقاً لأول قطار كهربائي في لبنان تحمل قيمة خبرية واضحة، لكنها تحتاج إلى سياق يشرح طبيعة القطار ووظيفته وحدود المشروع.
فثمة فرق جوهري بين قطار سياحي يعمل على جزء من مسار قديم، وبين منظومة نقل حديدي قادرة على نقل الركاب يومياً بين المدن والمناطق.
والاكتفاء بالعنوان اللافت، من دون توضيح هذا الفرق، قد يخلق لدى الجمهور انطباعاً لا يتناسب مع الواقع التقني والوظيفي للمشروع.
ليست وظيفة الإعلام التقليل من الإنجازات، كما ليست وظيفته تضخيمها. مسؤوليته الأساسية وضع الوقائع في حجمها الصحيح، وطرح الأسئلة التي تساعد الجمهور على فهم ما تحقق فعلاً وما لم يتحقق بعد.
وفي بلد يعاني أزمة ثقة عميقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، تصبح الدقة في توصيف الإنجازات ضرورة مهنية، لا مجرد تفصيل لغوي.
السخرية بوصفها تعبيراً عن فجوة الثقة
من السهل تفسير التعليقات الساخرة على صورة القطار باعتبارها استهزاءً بأي محاولة للتطوير، أو دليلاً على ميل اللبنانيين إلى انتقاد كل شيء.
لكن هذا التفسير يتجاهل جانباً أساسياً من المسألة.
فالسخرية في المجتمعات المأزومة قد تكون وسيلة للتعبير عن الإحباط من الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
حين يرى المواطن احتفالاً رسمياً بمشروع محدود، بينما لا تزال ملفات كبرى تنتظر حلولاً، قد لا يكون اعتراضه موجّهاً إلى المشروع نفسه، بل إلى المفارقة التي يجسدها المشهد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين النقد المشروع للاحتفاء السياسي والإعلامي، وبين السخرية من العاملين والمبادرين الذين بذلوا جهداً لتنفيذ المشروع.
فالمبادرات المحلية ليست مسؤولة عن الإخفاقات المتراكمة للدولة، ولا يجوز تحميلها وحدها عبء التوقعات الوطنية غير المحققة.
النقد الأكثر جدية لا يسأل لماذا صُنع هذا القطار، بل لماذا تبدو مثل هذه الخطوة المحدودة حدثاً استثنائياً في بلد امتلك تاريخياً شبكة سكك حديدية، ولم ينجح حتى اليوم في إعادة بناء منظومة نقل عام متكاملة.
من الافتتاح إلى المساءلة
بعيداً عن الجدل حول الصورة والاحتفال، يفتح المشروع باباً لأسئلة عملية تستحق المتابعة.
ما الكلفة الإجمالية لتنفيذ القطار؟ وما مصادر تمويله؟ وكيف ستُدار عمليات التشغيل والصيانة؟ وما المعايير المعتمدة لضمان سلامة الركاب؟ وهل توجد خطة واضحة لاستدامة المشروع وقياس أثره السياحي والاقتصادي؟
وعلى المستوى الوطني، ما موقع هذا المشروع ضمن أي استراتيجية أوسع لإحياء السكك الحديدية وتطوير النقل المشترك؟ وما الجداول الزمنية والموارد المخصصة للمشاريع التي يمكن أن تخفف فعلياً أعباء التنقل عن المواطنين؟
هذه الأسئلة لا تتضمن اتهاماً بوجود مخالفات أو هدر، بل تمثّل الحد الأدنى من المساءلة التي ينبغي أن ترافق أي مشروع ذي صلة بالمؤسسات العامة.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بلحظة التدشين، بل بما يحدث بعد مغادرة المسؤولين وانتهاء التغطية الإعلامية.
الإنجاز ليس صورة تذكارية
يمكن لقطار البربارة أن يكون مشروعاً سياحياً ناجحاً، وأن يشكّل إضافة إيجابية للبلدة، وربما حافزاً لمبادرات أخرى تستعيد أجزاء من الذاكرة العمرانية والاقتصادية للبنان.
لكن نجاحه المحلي المحتمل لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن البلاد تحتاج إلى ما هو أبعد بكثير من مشاريع رمزية متفرقة.
تحتاج إلى رؤية وطنية للنقل، وإلى إعادة إعمار مدروسة، وإلى مؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات ومحاسبة نفسها أمام المواطنين، وإلى خطاب رسمي يضع كل إنجاز في حجمه الحقيقي.
ليس المطلوب أن تتوقف الدولة عن الاحتفال بما يتحقق، بل أن تتناسب احتفالاتها مع النتائج، وأن تكون قدرتها على الإنجاز أكبر من قدرتها على تنظيم مراسم الافتتاح.
في النهاية، ليست السخرية من قطار صغير يسير على سكة قديمة، بل من المفارقة بين مشهد رسمي كبير وبلد لا تزال حاجاته الأساسية أكبر بكثير مما يُنجز على الأرض.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد انتهاء الاحتفال ليس: كم مسؤولاً حضر افتتاح القطار؟
بل: متى يصبح وجود نقل عام فعّال في لبنان خبراً عادياً، بدلاً من أن يكون حلماً مؤجلاً؟


