في لبنان، لا يحتاج خبر الإفراج عن شخصية معروفة إلى وقت طويل ليتحوّل إلى حديث الناس.
صورة واحدة خارج السجن، وبعض مقاطع الفيديو، وتعليقات متضاربة بين مؤيد ومستنكر، تكفي لإشعال نقاش واسع حول القضاء والقوانين والمحاسبة.
لكن وسط الضجيج الذي رافق خروج «دكتور فود»، تكاد تضيع المسألة الأهم.
ليست القضية إن كان الرجل محبوباً أو مكروهاً، ولا إن كان يملك ملايين المتابعين أو مجموعة من الشركات والمنتجات.
المسألة تتعلق بفكرة العدالة نفسها.
فكيف ينتقل ملف قضائي من حكم غيابي بعقوبة تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إلى قرار بكفّ التعقبات استناداً إلى قانون عفو عام؟
وهل يفهم المواطن العادي الفرق بين أن تثبت المحكمة براءة شخص، وأن تتوقف ملاحقته بسبب نص تشريعي؟
الأمران مختلفان تماماً.
والخلط بينهما لا يخدم المتهم، ولا يخدم القضاء، ولا يطمئن المجتمع.
فإذا كان الشخص بريئاً، فمن حقه أن تثبت براءته بأدلة واضحة وإجراءات عادلة. وإذا كانت هناك أفعال جرمية تستوجب المساءلة، فمن حق المجتمع أن يعرف كيف جرى التعامل معها وفق القانون.
أما العفو العام، فله طبيعة مختلفة: إنه يتدخل لإسقاط الملاحقة أو العقوبة في الجرائم المشمولة بأحكامه، وليس حكماً جديداً يثبت أن الوقائع موضوع الاتهام لم تحدث.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.
هل العدالة مجرّد نص قانوني؟
لا يمكن اتهام المحكمة بمخالفة القانون لمجرد أنها طبّقت قانون عفو نافذاً.
فالقاضي لا يستطيع أن يتجاهل التشريع لأن الرأي العام غير مرتاح إلى نتيجته، كما لا يجوز احتجاز إنسان إذا انتفى السند القانوني لاستمرار توقيفه.
هذه من أبسط ضمانات دولة القانون.
لكن احترام القرار القضائي لا يمنع من مناقشة القانون الذي أنتج هذه النتيجة.
بل إن النقاش يصبح ضرورياً حين يترك تطبيق القانون لدى المواطنين أسئلة جدية عن حدود المحاسبة وأثر العفو في القضايا الخطيرة.
قانون العفو العام رقم 70 لسنة 2026 لم يُسنّ خصيصاً من أجل «دكتور فود». وهو يشمل فئات من الجرائم وفق شروط زمنية وقانونية محددة، مع استثناءات صريحة.
وقد أقرّه مجلس النواب، ثم خضع لمراجعة المجلس الدستوري، الذي أبطل أجزاء منه وفرض تحفظات تفسيرية ملزمة قبل تطبيقه.
إذن، نحن أمام مسار تشريعي وقضائي، وليس أمام قرار شخصي اتُخذ لمصلحة شخص بعينه، وفق المعلومات المتاحة.
لكن السؤال المشروع يبقى: هل وُضعت حدود العفو بصورة تحقق التوازن بين معالجة أزمة السجون، وحماية المجتمع، وصون حقوق الأشخاص المعنيين بالقضايا؟
فالقانون لا يكتسب ثقة الناس من كونه مكتوباً في الجريدة الرسمية فقط، بل من وضوح مبرراته وعدالة تطبيقه وإمكان تفسير نتائجه للرأي العام.
من يحمي المجتمع إذا انتهت الملاحقات بالعفو؟
لا أحد ينكر الواقع الصعب للسجون اللبنانية، أو معاناة الموقوفين الذين ينتظرون سنوات طويلة قبل حسم قضاياهم.
فالتوقيف المديد دون محاكمة عادلة وسريعة مشكلة حقيقية، ومعالجتها واجب على الدولة.
لكن هل يكون العفو الواسع بديلاً عن إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات؟
وهل تكفي معالجة الاكتظاظ بإسقاط الملاحقات، إذا بقيت الأسباب التي أدّت إليه قائمة؟
هذه أسئلة ينبغي أن تكون في صلب النقاش حول العفو العام.
فالعدالة لا تعني العقوبة دائماً، لكنها تعني أن تكون هناك آلية واضحة لمعرفة المسؤوليات، وحماية الحقوق، وضمان المحاكمة العادلة.
والمجتمع لا يستفيد من إبقاء أبرياء خلف القضبان، مثلما لا يستفيد من نظام يعجز عن الوصول إلى أحكام قضائية واضحة ضمن مهلة معقولة.
ومن هنا، ينبغي ألا ينحصر النقاش فيمن خرج من السجن، بل في الذين ما زالوا ينتظرون أحكاماً، وفي المتضررين الذين ينتظرون إنصافاً، وفي قدرة القضاء على إنجاز الملفات دون أن تتحول الاستثناءات التشريعية إلى وسيلة متكررة لمعالجة تراكم القضايا.
إن المشكلة ليست في وجود العفو كأداة قانونية مشروعة، وإنما في ضرورة إخضاع نطاقه ونتائجه لرقابة ومساءلة واضحتين.
الشهرة لا تصنع البراءة… ولا تثبت الإدانة
في قضية «دكتور فود»، دخلت مواقع التواصل الاجتماعي على خط النقاش كما يحدث غالباً مع الشخصيات المشهورة.
انقسمت ردود الفعل بين من احتفل بخروجه، ومن اعتبر الإفراج مثيراً للتساؤلات، ومن أعاد تداول الاتهامات السابقة وكأنها أحكام نهائية غير قابلة للنقاش.
لكن العدالة لا تُقاس بعدد التعليقات.
فالمتهم لا يصبح مذنباً لأن الناس غاضبون منه، ولا يصبح بريئاً لأن جمهوره يحتفل بعودته.
والحكم الغيابي الذي سبق توقيف ديب لا يجوز التعامل معه بمعزل عن حقوق الدفاع والإجراءات اللاحقة. كما أن قرار العفو لا يجوز تقديمه بوصفه حكماً أثبت براءته من أساس الاتهامات.
ومن حق الدفاع أن يقدّم أدلته، وقد تحدثت تقارير إعلامية بالفعل عن مستندات قدّمها وكيل ديب لنفي تورطه.
لكن تقييم تلك المستندات يختلف عن تطبيق قانون العفو، ولا ينبغي دمج الأمرين في رواية واحدة.
المطلوب ليس معاملة المشهور بقسوة أكبر من غيره، ولا منحه امتيازاً بسبب شهرته.
المطلوب قاعدة واحدة للجميع.
فإذا استفاد شخص من قانون يستوفي شروطه، يجب أن تنطبق القواعد نفسها على كل من تتوافر لديه الشروط القانونية ذاتها.
وإذا كانت نتيجة القانون تثير قلقاً اجتماعياً، فإن موضع النقاش هو القواعد التشريعية ومعايير تطبيقها، لا شعبية المستفيد منها.
وماذا عن حقوق المتضررين؟
في خضم الاحتفال بالإفراج أو الاعتراض عليه، غالباً ما يُنسى طرف أساسي في أي منظومة للعدالة: الأشخاص الذين قد يكونون تضرروا من الأفعال موضوع الملاحقة.
فالعفو العام يتعلق بالحق العام، لكنه لا يلغي بالضرورة الحقوق المدنية والشخصية الناجمة عن الجرائم المشمولة به.
وقد نص القانون الجديد على استمرار النظر في هذه الحقوق أمام المراجع القضائية المختصة.
وهذا التمييز مهم في قضية ارتبط اسم صاحبها بملفات قضائية متعددة.
فشكوى زوجته السابقة، التي تضمنت ادعاءات بالتعنيف، ملف منفصل عن قضية المخدرات، وكان قد صدر بشأنها قرار إخلاء سبيل بكفالة وفق التقارير المنشورة.
كما أن القانون يستثني جرائم العنف الأسري من العفو.
لذلك، لا يجوز القول إن الإفراج في قضية المخدرات يثبت سقوط جميع القضايا الأخرى، أو يثبت صحة الادعاءات المتعلقة بها أو عدم صحتها.
فلكل ملف مساره ووقائعه وحقوق أطرافه.
ومن حق كل مدعٍ أو متضرر أن تُصان حقوقه، كما أن من حق كل مدعى عليه أن يتمتع بقرينة البراءة وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
هذه ليست مواقف متعارضة.
إنها شروط العدالة ذاتها.
المشكلة أكبر من «دكتور فود»
قد ينتهي الجدل حول هذه القضية بعد أيام، وتنتقل مواقع التواصل إلى خبر آخر، وتصبح صور الإفراج جزءاً من أرشيف الأخبار.
لكن الأسئلة التي أعادت القضية طرحها ستبقى.
هل يستطيع القضاء اللبناني إنجاز الملفات المعقدة في وقت معقول؟
هل يعرف المواطنون على أي أساس تُشمل بعض الجرائم بالعفو وتُستثنى أخرى؟
وهل تُشرح القرارات القضائية الحساسة بما يكفي لمنع انتشار الاستنتاجات الخاطئة؟
وكيف يمكن ضمان حقوق المتضررين، بحيث لا يشعرون بأن انتهاء الدعوى العامة يعني انتهاء قدرتهم على المطالبة بالإنصاف؟
هذه الأسئلة لا تخصّ جورج ديب وحده.
إنها تخصّ كل شخص قد يجد نفسه يوماً أمام القضاء، بصفة مدعى عليه أو مدعٍ أو متضرر.
فالثقة بالقضاء لا تُبنى من خلال إدانة كل متهم، ولا من خلال إطلاق سراح كل موقوف، بل من خلال إجراءات عادلة وشفافة تضمن الحقوق وتوضح أسباب النتائج.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي في الجدل العام ليس أن يُفرج عن شخص وفق القانون، بل أن تتحول الأحكام والاتهامات وقرارات العفو إلى مفاهيم مختلطة لا يستطيع الناس التمييز بينها.
عندها يصبح القانون بالنسبة إلى المواطن مجموعة قرارات مفاجئة، لا منظومة حقوق وضمانات يمكن فهمها والاحتكام إليها.
من حق الناس أن تسأل
ليس من واجب اللبنانيين أن يحتفلوا بكل قرار قضائي، كما ليس من حقهم أن يصدروا أحكام إدانة بدلاً من المحاكم.
لكن من حقهم المطالبة بتفسيرات واضحة للقوانين وآثارها، ومناقشة ما إذا كانت تحقق الغايات التي شُرّعت من أجلها.
ومن حقهم أيضاً أن يسألوا عن العدالة في بلد يعاني تأخير المحاكمات واكتظاظ السجون وتراجع الثقة بالمؤسسات.
هل يُفترض أن تكون الاستجابة الدائمة لهذه الأزمات عبر قوانين عفو، أم عبر إصلاح يضمن الفصل السريع والعادل في القضايا؟
وأين تقع مصلحة المجتمع وحقوق المتضررين في هذه المعادلة؟
إن السؤال ليس ما إذا كان «دكتور فود» يستحق الحرية أكثر من غيره أو أقل منه.
ولا ما إذا كانت الشهرة قد جعلته يستفيد من القانون؛ فلا دليل منشور يثبت ذلك.
السؤال هو كيف تستطيع الدولة أن تطبّق العفو حين تتوافر شروطه، وفي الوقت نفسه تحافظ على ثقة المواطنين بأن العدالة لا تزال قادرة على الفصل في القضايا الخطيرة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.
فليس كل من خرج من السجن بريئاً بحكم قضائي، وليس كل من دخل إليه مذنباً بحكم نهائي. وبين الحالتين، لا يجوز أن تضيع الحقيقة وسط ضجيج العفو والاتهامات.
خرج «دكتور فود» من السجن بقانون نافذ. وهذه حقيقة قانونية.
أما القضية التي يجب ألا تنتهي بخروجه، فهي النقاش حول عدالة القوانين، وحقوق الأفراد والمجتمع، وقدرة القضاء اللبناني على الوصول إلى الحقيقة قبل أن يأتي تشريع استثنائي وينهي الملاحقة.
فالسؤال ليس: كيف خرج دكتور فود؟ وحده، بل: كيف نبني قضاءً لا يضطر اللبنانيون معه إلى انتظار قانون عفو كي تنتهي قضاياهم؟


