بين عزف موسيقي على مسرح الأوبرا، ورواية ترصد هشاشة الحياة اليومية، وأبحاث تناقش البلوك تشين والذكاء الاصطناعي، كشفت جوائز الدولة التشجيعية لعام 2026 عن مشهد ثقافي وعلمي متنوع، بعدما منح المجلس الأعلى للثقافة 28 جائزة وحجب أربعًا لعدم استيفاء الأعمال المرشحة معايير التحكيم.
أعلن المجلس الأعلى للثقافة في مصر أسماء الفائزين بجوائز الدولة التشجيعية لعام 2026، عقب اعتماد النتائج خلال اجتماعه الثامن والسبعين، في دورة جمعت تحت مظلتها الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والعلوم القانونية والاقتصادية.
ومن أصل 32 جائزة مخصصة، منحت اللجان 28 جائزة، فيما حجبت أربعًا؛ واحدة في مجال الآداب وثلاثًا في العلوم القانونية والاقتصادية. وحصل قطاعا الفنون والعلوم الاجتماعية على الجوائز الثماني المخصصة لكل منهما من دون حجب.
ولا تقتصر أهمية النتائج على عدد الفائزين، بل تظهر في اتساع الموضوعات التي باتت تعترف بها الجوائز الرسمية، من الموسيقى والمسرح والسينما والأدب والتراث الشعبي إلى الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي والرقمنة والشمول المالي.
الفنون… من أوركسترا القاهرة إلى «طبيخ الدلتا»
في مجال الفنون، ذهبت جائزة عزف الكمان إلى العازف عبادة أحمد علي، عن أدائه «كونشرتو كورن غولد» بمصاحبة أوركسترا القاهرة السيمفوني، بقيادة المايسترو نادر عباسي.
أما جائزة تصميم الأزياء السينمائية، فتقاسمتها دنيا عبد المعبود عن فيلم «وش × وش»، ونهال المصري عن فيلم «مقسوم»، في تكريم لدور تصميم الأزياء بوصفه جزءًا من بناء الشخصية والهوية البصرية للعمل السينمائي، لا مجرد عنصر تجميلي على الشاشة.
وفي الرسوم المتحركة الموجهة إلى أطفال ما قبل المدرسة، مُنحت الجائزة مناصفة بين نسرين محمد عبد الحليم عن فيلم «الشتاء»، وولاء مسلم عن أغنية «الحروف العربية للأطفال».
وفاز محمد زكي بجائزة الإخراج المسرحي عن مسرحية «الأرتيست»، بينما حصل المعماري محمد طنطاوي على جائزة العمل المعماري الأول عن مشروع «دار كاترين». كما فازت دينا البلتاجي عن كتاب «طبيخ الدلتا» في فرع المعارف الشعبية، وهو اختيار يلفت إلى أهمية الطعام باعتباره جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والتراث غير المادي للمجتمعات.
وذهبت جائزة الإناء الخزفي إلى رحاب رشدي عن عمل «آنية على شكل أنثوي»، فيما فاز عمر رأفت بجائزة النزعة الكاريكاتيرية في التصوير عن لوحة «الكوحيت».
الأدب يلتقط هشاشة اليوم العادي
في مجال الآداب، مُنحت سبع جوائز من أصل ثمانٍ، فيما حجبت جائزة الترجمة من العربية إلى اللغات اللاتينية.
وفاز عبد الكريم الحجراوي بجائزة رواية الواقع المعاصر عن «سيرة هشّة ليوم عادي»، وهي رواية تقوم أحداثها على يوم واحد وتتبنى بناءً تجريبيًا يسمح بقراءة أجزائها وفق أكثر من ترتيب، بحسب ما أوضحه مؤلفها عقب إعلان فوزه.
وحصلت آلاء أشرف عثمان على جائزة مجموعة القصة القصيرة جدًا عن «تحت جفن الحكاية»، بينما فاز يونس أبو سبع بجائزة شعر الفصحى عن ديوان «ضباب يا أبي»، وذهبت جائزة النص المسرحي الشعري إلى حسين سعيد عن «غصن السماء».
وفي الدراسات النقدية، فاز أحمد صلاح الشرقاوي عن كتاب «العلامة اللغوية والهوى الشعري»، فيما حصل أحمد محمد عبد الفتاح على جائزة دراسة المعاجم والظواهر اللغوية الجديدة عن بحث يناقش تيسير استخدام المعجم العربي لذوي الإعاقة البصرية.
أما جائزة الترجمة من اللغات اللاتينية إلى العربية، فكانت من نصيب محمد الفولي عن ترجمته رواية «رجال وقرى» للكاتب التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير.
العلوم الاجتماعية تلاحق تحولات المجتمع
شهد مجال العلوم الاجتماعية منح الجوائز الثماني كاملة، وتوزعت الأعمال الفائزة بين التاريخ والبيئة والفلسفة والتربية والإعلام والإدارة والوثائق والثقافة الرقمية.
فازت ياسمين عماد بجائزة التاريخ والآثار وحفظ التراث عن كتاب «اليهودية والإسرائيلية»، بينما حصل وائل الطنبولي على جائزة الجغرافيا والبيئة ونظم المعلومات الجغرافية عن بحث يتناول التلوث بالمعادن الناتج عن التعدين غير القانوني للذهب والمخاطر الصحية المرتبطة به في إدفو.
وفي الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، تقاسمت ولاء أسعد عبد الجواد وشيماء سمير عباس الجائزة عن دراستين تبحثان الديستوبيا في الرواية المصرية المعاصرة وصورة الفن المصري في الاستشراق خلال القرن التاسع عشر.
وفازت فيروز رمضان الوكيل في العلوم التربوية وعلم النفس، فيما ذهبت جائزة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلى محمد مسعد عن مشروع «تنوير».
وحصلت هبة عاطف إبراهيم على جائزة العلوم الإدارية عن كتاب يناقش الجدارات الإدارية وتميز المؤسسات في ظل الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على حضور التحول التكنولوجي داخل الدراسات الإدارية والاجتماعية الحديثة.
وفي مجال الوثائق والمكتبات والمتاحف والنشر، تقاسم مينا عبد الرؤوف وإهداء صلاح ناجي الجائزة عن بحثين يتناولان تطبيقات الصحة المحمولة وإدارة البيانات التراثية.
أما جائزة الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فذهبت إلى أحمد إيهاب الخولي وإبرام أنور زاهي عن تطبيق «مانيتو» MANETHO.
الذكاء الاصطناعي يدخل القانون والاقتصاد
كان حضور التكنولوجيا واضحًا أيضًا في جوائز العلوم القانونية والاقتصادية، حيث مُنحت خمس جوائز من أصل ثمانٍ.
فاز أحمد دهشان بجائزة الرقمنة والشمول المالي عن بحث يناقش المعاملة الضريبية لأنشطة الاقتصاد الرقمي باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وذهبت جائزة تقنية البلوك تشين إلى بحث مشترك لأحمد محمد عبد الوهاب وحسام محمد شريف وشريف عادل عبد العليم، يتناول إطارًا مقترحًا لاستخدام التقنية داخل المؤسسات المالية.
وحصل سمير صالح على جائزة الحماية القانونية لنتاج الذكاء الاصطناعي عن دراستين تبحثان تأثير استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في بناء الأحكام القضائية وأعمال الخبرة القضائية.
كما فاز محمود زكريا إبراهيم عن دراسة حول مستقبل الدور الإقليمي لمصر في إدارة الصراعات وتسويتها في أفريقيا، فيما ذهبت جائزة المجتمع المدني وحقوق الإنسان إلى أحمد هشام فرحات عن كتاب «اللغة والدين جوهر الوطنية المصرية».
أربع جوائز محجوبة… صرامة أم فجوة؟
حجبت اللجان جائزة الترجمة من العربية إلى اللغات اللاتينية، إلى جانب ثلاثة فروع في العلوم القانونية والاقتصادية تتعلق بالتنظيم القانوني للخيارات المصرفية، وعلاقات دول الخليج بإيران، وأثر التوظيف السياسي للدين في قضية المواطنة.
ويمكن النظر إلى الحجب بوصفه مؤشرًا إلى تمسك اللجان بمستوى علمي وفني محدد، بدل منح الجوائز لمجرد استكمال العدد. لكنه يطرح أيضًا أسئلة عن مدى وجود برامج كافية لدعم الترجمة من العربية، وتشجيع الباحثين الشباب على خوض موضوعات قانونية وسياسية معقدة وفق منهجيات تستوفي متطلبات التحكيم.
فالجوائز التشجيعية لا تؤدي وظيفة التكريم فقط، بل يفترض أن تكشف مجالات القوة والضعف في الإنتاج الثقافي والبحثي، وأن تساعد المؤسسات على تحديد الفروع التي تحتاج إلى مزيد من التدريب والتمويل والنشر.
صورة متعددة للإبداع المصري
تكشف نتائج دورة 2026 أن مفهوم الثقافة لم يعد محصورًا في الرواية والشعر والمسرح والفنون التشكيلية، بل أصبح يشمل البيانات والذكاء الاصطناعي والبيئة والصحة الرقمية والإدارة والحقوق.
ويظهر إلى جانب الكتاب والموسيقيين والمخرجين جيل من الباحثين والمطورين الذين يعملون عند نقطة التقاء العلوم الإنسانية بالتكنولوجيا، وهي مساحة مرشحة لأن تشغل حيزًا أكبر في الدورات المقبلة.
وبين «سيرة هشّة ليوم عادي» و«طبيخ الدلتا» وتطبيق «مانيتو» والأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والبلوك تشين، قدمت جوائز الدولة التشجيعية خريطة واسعة للإبداع المصري المعاصر؛ خريطة تجمع الذاكرة الشعبية بأسئلة المستقبل، وتمنح الشباب اعترافًا رسميًا قد يكون بداية لمسارات أكبر، لا مجرد محطة تكريمية عابرة.





