لم تنتهِ تبعات مونديال 2026 مع صافرة نهائي إسبانيا والأرجنتين، إذ فتح الاتحاد الدولي لكرة القدم إجراءات تأديبية واسعة طالت الاتحاد الأرجنتيني وعددًا من لاعبيه وأعضاء جهازه الفني، إضافة إلى لاعب المنتخب الإسباني غافي، على خلفية مخالفات سياسية وسلوكية شهدتها الأدوار الحاسمة من البطولة.
أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» فتح إجراءات تأديبية بحق الاتحاد الأرجنتيني، على خلفية مجموعة من المخالفات المزعومة التي رافقت مشاركة المنتخب في مونديال 2026، ولا سيما خلال مواجهة إنكلترا في الدور نصف النهائي والمباراة النهائية أمام إسبانيا.
وتتوزع القضية على مسارين منفصلين: الأول يتعلق بمسؤولية الاتحاد الأرجنتيني عن سلوك المنتخب والجمهور والتنظيم المحيط بالمباريات، والثاني يطاول لاعبين وأفرادًا بأسمائهم، على خلفية الاشتباكات التي اندلعت عقب النهائي الذي انتهى بتتويج إسبانيا بطلةً للعالم بعد فوزها على الأرجنتين بهدف دون رد عقب التمديد.
لافتة سياسية تشعل المواجهة
تصدرت لافتة حملت عبارة «جزر مالفيناس أرجنتينية» ملف الاتهامات، بعدما رفعها عدد من لاعبي المنتخب الأرجنتيني عقب الفوز على إنكلترا في نصف النهائي.
وتستخدم الأرجنتين تسمية «مالفيناس» للإشارة إلى جزر فوكلاند التي تديرها بريطانيا وتطالب بوينس آيرس بالسيادة عليها، ما جعل ظهور اللافتة في إحدى أبرز مباريات كأس العالم يتجاوز إطار الاحتفال الرياضي إلى نزاع سياسي وتاريخي شديد الحساسية.
واعتبر «فيفا» أن الواقعة قد تشكّل مخالفة للمادة 13 من قانون الانضباط، التي تحظر استخدام المناسبات الرياضية لتنظيم تظاهرات أو تمرير رسائل ذات طبيعة غير رياضية.
ولم يحصر الاتحاد الدولي تحقيقه باللافتة، بل أشار إلى احتمال ارتكاب الاتحاد الأرجنتيني مخالفات أخرى، من بينها الهتافات والإشارات التمييزية، وتأخير مواعيد انطلاق بعض المباريات، وعدم الالتزام بالبروتوكولات الأمنية والتنظيمية، وعرض رسائل غير ملائمة من جانب الفريق والجماهير، إضافة إلى رمي مقذوفات من المدرجات.
وتضع هذه الاتهامات الاتحاد الأرجنتيني أمام ملف ثقيل، لأن المسؤولية التأديبية لا تقتصر دائمًا على إثبات صدور تعليمات مباشرة من إدارة الاتحاد، بل قد تشمل أيضًا مسؤوليته عن سلوك لاعبيه وأجهزته وجماهيره خلال البطولة.
اشتباكات ما بعد النهائي
أما المسار الثاني، فيتعلق بالأحداث التي أعقبت نهائي إسبانيا والأرجنتين، حيث تحولت حالة التوتر بعد صافرة النهاية إلى مشادات واحتكاكات جسدية بين لاعبين وأفراد من الجهاز الفني.
وبناءً على تقرير المدعي المختص بالشؤون التأديبية والأخلاقية، فتح «فيفا» إجراءات بحق الأرجنتيني لياندرو باريديس بتهم الاعتداء في ثلاث وقائع منفصلة، فيما يواجه زميله ناهويل مولينا تهمتين تتعلقان باعتداء مكتمل ومحاولة اعتداء.
كما طالت تهمة الاعتداء روبرتو أيالا، عضو الجهاز الفني للمنتخب الأرجنتيني، في واقعة واحدة. أما تهم السلوك غير الرياضي، فشملت مولينا مرة إضافية، إلى جانب زميله تياغو ألمادا ولاعب المنتخب الإسباني بابلو مارتن باييز غافيرا، المعروف باسم غافي.
ويوضح توزيع الاتهامات أن لجنة الانضباط لا تتعامل مع الاشتباك باعتباره حادثة جماعية واحدة، بل تفككه إلى أفعال فردية، بحيث يخضع كل لاعب أو مسؤول للمحاسبة وفق طبيعة التصرف المنسوب إليه وعدد الوقائع التي يشتبه في تورطه فيها.
ما العقوبات المحتملة؟
لم يصدر «فيفا» حتى الآن أي عقوبات نهائية، كما لا يعني فتح الإجراءات ثبوت المخالفات بصورة تلقائية. فقد منح الاتحاد الدولي جميع الأطراف المعنية حق تقديم دفوعها والرد على التقارير والأدلة قبل صدور القرارات.
وفي حال ثبوت التهم، قد تتراوح العقوبات الفردية، بحسب جسامة كل واقعة، بين الغرامات المالية والإيقاف لعدد من المباريات والمنع من ممارسة أي نشاط مرتبط بكرة القدم لفترة محددة.
أما العقوبات بحق الاتحاد الأرجنتيني، فقد تشمل الغرامات وفرض قيود على الجماهير أو إقامة مباريات بشروط خاصة، إضافة إلى تدابير تنظيمية وتأديبية أخرى. لكن تحديد العقوبة يبقى مرتبطًا بالمواد التي ستثبت مخالفتها، وسوابق الأطراف، وتقييم لجنة الانضباط للأدلة والظروف المحيطة بكل حادثة.
ومن غير الدقيق الحديث في هذه المرحلة عن استبعاد الأرجنتين من البطولات المقبلة أو سحب نتائجها، إذ لم يشر البيان الرسمي إلى إجراءات من هذا النوع، واقتصر على إعلان فتح التحقيق وتحديد المخالفات المحتملة.
كرة القدم والسياسة… حدود قديمة تتجدد
أعادت لافتة فوكلاند طرح السؤال القديم المتعلق بالحدود بين الرياضة والسياسة. فالمباريات الدولية، خصوصًا تلك التي تجمع دولًا تحمل تاريخًا من النزاعات، نادرًا ما تنفصل بالكامل عن الذاكرة الوطنية والخلافات السياسية.
لكن «فيفا» يتمسك، من الناحية القانونية، بمبدأ منع استغلال المباريات والبطولات لعرض الرسائل السياسية، حتى عندما تعدّها الجهة التي ترفعها جزءًا من قضيتها الوطنية.
ولا ينظر الاتحاد الدولي في صحة المطالبة السياسية أو مشروعيتها، بل في ما إذا كان الحدث الرياضي استُخدم منصةً لترويج رسالة غير رياضية. ومن هنا، فإن جوهر الملف التأديبي لا يتعلق بحسم النزاع على الجزر، بل بتحديد ما إذا كان الاتحاد الأرجنتيني أخفق في منع استخدام كأس العالم للتعبير عنه.
خسارة تتجاوز نتيجة النهائي
دخل المنتخب الأرجنتيني النهائي باحثًا عن الاحتفاظ بلقبه، لكنه خرج بخسارة أمام إسبانيا، قبل أن تتوسع تداعيات المواجهة إلى خارج الملعب.
فبدل أن ينحصر النقاش في الجوانب الفنية للنهائي، أصبحت تصرفات اللاعبين والجهاز الفني وسلوك الجماهير في صلب المشهد، ما يهدد بفرض إيقافات قد تؤثر في الاستحقاقات المقبلة للمنتخب.
كما أن توجيه تهمة إلى غافي يمنع اختزال القضية في إدانة طرف واحد، ويشير إلى أن لجنة الانضباط ستبحث المسؤوليات الفردية على جانبي الاشتباك، بصرف النظر عن نتيجة المباراة أو هوية المنتخب الفائز.
وبين اللافتة السياسية التي ظهرت بعد نصف النهائي والفوضى التي أعقبت المباراة النهائية، يجد الاتحاد الأرجنتيني نفسه أمام معركة جديدة، لكن هذه المرة داخل المكاتب القانونية لـ«فيفا».
لقد خسر المنتخب اللقب على أرض الملعب، إلا أن الخسارة قد تصبح أثقل إذا انتهت الإجراءات إلى إيقاف لاعبين بارزين وفرض عقوبات على الاتحاد. وحتى صدور الحكم النهائي، تبقى الوقائع في دائرة الاتهام، ويبقى على لجنة الانضباط أن تحدد أين انتهى الانفعال الرياضي، وأين بدأت المخالفة التي تستوجب العقاب.





