في وقت تتعرض فيه مناطق واسعة من جنوب لبنان لأضرار طالت مبانيها ومواقعها التراثية، برزت مبادرات ثقافية تسعى إلى حماية الذاكرة الوطنية والحفاظ على الإرث المعرفي والتاريخي للمنطقة، عبر توثيق الأرشيف وترميم المكتبات المتضررة وإنقاذ ما تبقى من وثائق ومخطوطات.
وأعلنت الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي في لبنان إطلاق حملة “مليون كتاب” لإعادة ترميم وبناء المكتبات العامة والخاصة التي تضررت في الجنوب، بمشاركة الأهالي، على أن تبدأ الحملة مطلع أيلول/سبتمبر المقبل.
التوثيق في مواجهة المحو
جاء الإعلان خلال ندوة توعوية نظمتها الشبكة تحت عنوان “التوثيق في مواجهة المحو”، حيث شدد المشاركون على أهمية جمع الأدلة وتوثيق الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الثقافية والمواقع التاريخية منذ عام 2024.
ويرى القائمون على المبادرة أن استهداف المكتبات والمواقع التراثية لا يمثل خسارة مادية فقط، بل يهدد ذاكرة المجتمعات وهويتها الثقافية، باعتبار أن الكتب والمخطوطات والوثائق تشكل سجلاً حياً لتاريخ المناطق وسكانها.
ووصف أحد المشاركين ما يحدث بأنه شكل من أشكال “العنف الأرشيفي”، مشيراً إلى أن تدمير الوثائق والمعالم التاريخية يؤدي إلى قطع الصلة بين الإنسان وماضيه، خصوصاً أن بعض الأرشيفات تعود إلى فترات تاريخية قديمة سبقت العهد العثماني.
خسائر طالت المكتبات والمواقع الأثرية
وثقت الشبكة أضراراً أصابت عدداً من المكتبات العامة والخاصة، من بينها مكتبة بلدية بنت جبيل ومكتبة بلدية الطيبة، إضافة إلى أضرار لحقت بمواقع تراثية بارزة مثل قلعة الشقيف والمباني التراثية في مدينة النبطية.
كما شملت عمليات التوثيق خسائر طالت مكتبات شخصية لمفكرين وعلماء، بينها مكتبات احتوت على مخطوطات ووثائق علمية وفقهية نادرة، ما جعل فقدانها خسارة تتجاوز أصحابها لتطال جزءاً من الذاكرة الفكرية اللبنانية.
الأهالي يحفظون ما تبقى من التاريخ
لم تبدأ محاولات حماية الوثائق والكتب مع الأحداث الأخيرة فقط، إذ يشير المشاركون إلى أن سكان المناطق الحدودية لجأوا عبر عقود إلى أساليب مختلفة لحماية مقتنياتهم الثقافية، ومنها إخفاء الوثائق والرسائل القديمة داخل صناديق ودفنها في الحدائق المنزلية خوفاً من فقدانها خلال فترات التوتر والاقتحامات.
هذه التجارب تعكس ارتباط الأهالي العميق بتراثهم، واعتبار الوثائق والمخطوطات جزءاً من هويتهم الجماعية وليس مجرد مقتنيات قديمة.
رقمنة التراث لحمايته من الضياع
في إطار جهود الإنقاذ، تعمل الشبكة بالتعاون مع جهات ثقافية على رقمنة محتويات المكتبات الجنوبية وحفظ نسخ إلكترونية من الكتب والمخطوطات النادرة.
ويجري العمل على توثيق مكتبات الجنوب التي يبلغ عددها نحو 183 مكتبة، إضافة إلى مشروع إنشاء مكتبة متخصصة بتراث جبل عامل، بهدف حماية الإنتاج الفكري والتاريخي للمنطقة وإتاحته للأجيال القادمة.
اعتراف دولي بقيمة التراث الجنوبي
يحظى التراث اللبناني باهتمام دولي متزايد، إذ أُدرجت مواقع قلاع جبل عامل على قوائم التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر، تقديراً لقيمتها التاريخية والحضارية، والتنبيه إلى المخاطر التي تواجهها.
وبينما تستمر جهود التوثيق والترميم، يؤكد العاملون في المجال الثقافي أن حماية التراث ليست مجرد حفاظ على الماضي، بل دفاع عن هوية المجتمع وذاكرته ومستقبله.





