دراسة حديثة تشير إلى أن المرض لا يضعف القدرة على الشم فحسب، بل قد يغيّر الطريقة التي يدرك بها الدماغ الروائح ويستجيب لها، ما يفتح الباب أمام تطوير اختبار أكثر دقة لدعم التشخيص.
لم يعد فقدان حاسة الشم مجرد عرض جانبي لمرض باركنسون. دراسة حديثة كشفت أن المرض قد يترك «بصمة شمية» مميزة، لا تظهر فقط في ضعف القدرة على تمييز الروائح، وإنما في كيفية إدراكها وطريقة استجابة الجسم لها أثناء الشهيق.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة npj Parkinson’s Disease في 29 تموز/يوليو 2026، توصلت إلى أن الجمع بين تقييم الشخص للروائح وتحليل نمط الشهيق يمكن أن يساعد في التمييز بين مرضى باركنسون وأشخاص يعانون من اضطرابات في حاسة الشم لأسباب أخرى.
94 مشاركاً.. وثلاث مجموعات
شملت الدراسة 94 شخصاً، توزعوا على ثلاث مجموعات: 33 مصاباً بمرض باركنسون، و33 شخصاً سليماً من الفئة العمرية نفسها، و28 شخصاً يعانون من ضعف في حاسة الشم غير مرتبط بباركنسون.
وخضع المشاركون لاختبارات شمية، تضمنت تقييم شدة روائح مختلفة ومدى استساغتها، فيما سجّل الباحثون في الوقت نفسه خصائص الشهيق واستجابة الجهاز التنفسي عند التعرض للروائح.
وكان الهدف معرفة ما إذا كان مرض باركنسون يسبب مجرد تراجع عام في القدرة على الشم، أم أنه يؤدي إلى تغير أكثر تعقيداً في الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات الشمية.
النتائج رجّحت الاحتمال الثاني.
الروائح لا تصبح أضعف فقط.. بل «مختلفة»
أظهرت الاختبارات التقليدية أن مرضى باركنسون والأشخاص الذين يعانون من ضعف الشم لأسباب أخرى سجلوا أداءً متراجعاً مقارنة بالأشخاص الأصحاء. لكن هذه الاختبارات لم تكن قادرة على تحديد سبب فقدان الشم أو التمييز بصورة واضحة بين المجموعتين.
أما عند تحليل طريقة إدراك الروائح إلى جانب نمط الشهيق، فقد ظهرت فروق أكثر وضوحاً.
فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون أن الأشخاص الأصحاء والمصابين باضطرابات شمية غير مرتبطة بباركنسون كانوا يميلون إلى تقليص مدة الشهيق عند التعرض لرائحة كريهة، بينما ظهرت لدى مرضى باركنسون استجابة مختلفة، إذ لم يتراجع زمن الشهيق بالطريقة نفسها، بل ازداد بصورة طفيفة في المتوسط.
كما برز اختلاف في تقييم مدى استساغة بعض الروائح، وهو ما دفع الباحثين إلى اعتبار أن باركنسون قد يرتبط بـتحول في الإدراك الحسي للروائح، وليس فقط بتراجع قوة حاسة الشم.
بمعنى آخر، قد لا تكون المشكلة أن المريض «يشم أقل» وحسب، بل إن دماغه قد يبدأ في تفسير بعض الروائح بطريقة مختلفة.
دقة تصل إلى 94%.. ولكن ماذا تعني؟
عند دمج بيانات الإدراك الشمي مع نمط الشهيق في نموذج تحليلي، تمكن الباحثون من التمييز بين مرضى باركنسون والأشخاص المصابين بضعف شم غير مرتبط بالمرض بدقة بلغت نحو 88% في المجموعة الأساسية.
وعندما أعاد الفريق التحليل باستخدام مجموعتين أصغر متطابقتين بصورة أكبر من حيث العمر والجنس، ارتفعت الدقة إلى 94%، مع حساسية بلغت 100% ونوعية بلغت 88%.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها لأن ضعف حاسة الشم شائع في باركنسون، لكنه ليس خاصاً بالمرض؛ إذ يمكن أن ينتج أيضاً من التقدم في العمر، أو العدوى، أو أمراض عصبية وحالات صحية أخرى. ولذلك فإن مجرد اكتشاف ضعف الشم لا يكفي لتشخيص باركنسون.
المقاربة الجديدة تحاول تجاوز هذه المشكلة عبر البحث عن نمط إدراكي وحركي خاص بالمرض، بدلاً من الاكتفاء بقياس قوة حاسة الشم.
لماذا تهم حاسة الشم في باركنسون؟
يُعد تراجع حاسة الشم أحد العلامات المبكرة المعروفة المرتبطة بمرض باركنسون، وقد يظهر قبل الأعراض الحركية المعروفة، مثل الرعاش وبطء الحركة وتيبس العضلات، بسنوات لدى بعض المرضى.
ولهذا تحظى الاختبارات الشمية باهتمام متزايد في الأبحاث التي تبحث عن مؤشرات حيوية يمكن أن تساعد على التعرف إلى المرض في مراحل مبكرة.
غير أن الدراسة الحالية لا تعني أن العلماء باتوا يمتلكون اختباراً قادراً بالفعل على تشخيص باركنسون قبل ظهور أعراضه بسنوات. فالمشاركون المصابون في الدراسة كانوا مرضى مشخصين بالفعل، وكان معظمهم في المرحلة الثانية من المرض، وفق بيانات الباحثين.
وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للنتائج تكمن في تقديم أساس علمي لاختبار محتمل يحتاج إلى مزيد من التحقق قبل اعتماده سريرياً للكشف المبكر.
خطوة واعدة.. وليست اختباراً تشخيصياً بعد
أقر الباحثون بعدد من القيود، من بينها صغر حجم العينة وعدم تضمين مجموعة منفصلة من المرضى المصابين بأمراض تنكسية عصبية أخرى يمكن أن تسبب هي أيضاً اضطرابات في حاسة الشم. كما ضمت الدراسة عدداً أكبر من الرجال مقارنة بالنساء.
وستكون الخطوة الحاسمة مستقبلاً اختبار هذه «البصمة الشمية» على مجموعات أكبر وأكثر تنوعاً، والأهم على أشخاص معرضين لخطر الإصابة بباركنسون ولم تظهر لديهم بعد الأعراض الحركية الواضحة.
وإذا أثبتت الأبحاث اللاحقة النتائج نفسها، فقد يصبح تحليل إدراك الروائح ونمط الشهيق أداة بسيطة وغير جراحية تضاف إلى وسائل تقييم المرض، وتساعد الأطباء على التمييز بين باركنسون والأسباب الأخرى لاضطراب حاسة الشم.
الدراسة لا تقدم بعد اختباراً حاسماً لباركنسون، لكنها تغيّر السؤال العلمي نفسه: فبدلاً من السؤال «هل تراجعت حاسة الشم؟»، قد يصبح السؤال الأكثر أهمية مستقبلاً: «كيف أصبحت رائحة العالم مختلفة بالنسبة إلى المريض؟»





