توصية بريطانية جديدة تفتح الباب أمام استخدام «إفسيتورا ألفا» مرة واحدة أسبوعياً لمرضى السكري من النوع الثاني، بعد تجارب أظهرت قدرة على ضبط السكر بمستوى مماثل للأنسولين القاعدي اليومي، لكن العلاج لا يزال بانتظار الترخيص التنظيمي قبل طرحه عبر هيئة الخدمات الصحية الوطنية.
قد يكون ملايين المصابين بالسكري على أعتاب تحول مهم في طريقة استخدام الأنسولين، بعدما أوصى المعهد الوطني البريطاني للتميز في الصحة والرعاية NICE بعلاج أنسولين طويل المفعول لا يحتاج إلى الحقن سوى مرة واحدة أسبوعياً، في خطوة قد تقلص بصورة كبيرة العبء اليومي للعلاج لدى بعض المصابين بالسكري من النوع الثاني.
العلاج الجديد يحمل الاسم العلمي «أنسولين إفسيتورا ألفا» (Insulin efsitora alfa)، ويُعرف تجارياً باسم «أونسويك» (Onswik)، وتطوره شركة الأدوية الأميركية «إيلي ليلي». وبدلاً من تلقي الأنسولين القاعدي كل يوم، صُمم الدواء ليحافظ على تأثيره طوال أسبوع كامل، ما يخفض عدد الحقن من نحو 365 حقنة سنوياً إلى 52 حقنة فقط لدى المرضى الذين يناسبهم هذا النوع من العلاج.
وفي 20 آب/أغسطس 2026، أعلن NICE توصيته بالعلاج ضمن إرشادات نهائية مسودة لمرضى السكري من النوع الثاني، معتبراً أن الانتقال إلى جرعة أسبوعية يمكن أن يقدم فائدة عملية للمرضى، إلى جانب كونه استخداماً مقبولاً لموارد النظام الصحي. إلا أن هذه الخطوة لا تعني أن العلاج أصبح متاحاً بالفعل في المستشفيات والصيدليات البريطانية؛ إذ لا يزال «إفسيتورا ألفا» بحاجة إلى موافقة هيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية MHRA قبل إمكان طرحه على نطاق واسع عبر هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS.
من الحقنة اليومية إلى جرعة كل سبعة أيام
يُعد الأنسولين القاعدي أحد المكونات الأساسية لعلاج عدد من المصابين بالسكري من النوع الثاني عندما لا تصبح الأدوية الأخرى كافية لإبقاء مستويات الغلوكوز ضمن النطاق المطلوب. وفي العلاجات التقليدية، يُعطى الأنسولين طويل أو متوسط المفعول عادة مرة أو مرتين يومياً، وقد يحتاج بعض المرضى أيضاً إلى جرعات سريعة المفعول مرتبطة بالوجبات.
أما «إفسيتورا ألفا»، فهو أنسولين قاعدي صُمم ليبقى فعالاً مدة أطول بكثير، بحيث يمكن إعطاء الجرعة على فاصل زمني أسبوعي.
ولا تكمن أهمية هذا التطور في تقليل عدد الإبر فحسب. فالالتزام بالعلاج يمثل تحدياً حقيقياً لدى بعض المرضى، ولا سيما كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون ضعف البصر أو محدودية حركة اليدين أو صعوبات معرفية، إضافة إلى من يعتمدون على أفراد أسرهم أو مقدمي الرعاية للحصول على الحقن.
وقالت هيلين نايت، مديرة تقييم الأدوية في NICE، إن الانتقال من الحقن اليومية إلى جرعة واحدة أسبوعياً يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً في الحياة اليومية للأشخاص المصابين بالسكري من النوع الثاني، خصوصاً أولئك الذين يحتاجون إلى مساعدة مقدم رعاية أو أحد أفراد الأسرة أو أحد العاملين الصحيين للحصول على الأنسولين.
ماذا أظهرت التجارب السريرية؟
الاهتمام بالعلاج الأسبوعي لا يستند إلى سهولة الاستخدام وحدها، بل إلى برنامج واسع من الدراسات السريرية حمل اسم QWINT، وقارن «إفسيتورا ألفا» بأنواع من الأنسولين القاعدي المستخدمة يومياً.
ومن أبرز هذه الدراسات تجربة QWINT-2 من المرحلة الثالثة، التي شملت 928 بالغاً مصابين بالسكري من النوع الثاني ولم يسبق لهم استخدام الأنسولين.
وبعد 52 أسبوعاً، انخفض متوسط الهيموغلوبين السكري HbA1c لدى المشاركين الذين تلقوا «إفسيتورا» من 8.21% إلى 6.97%، مقابل انخفاضه من 8.24% إلى 7.05% لدى المجموعة التي استخدمت أنسولين «ديغلوديك» اليومي.
وخلص الباحثون إلى أن الأنسولين الأسبوعي كان غير أدنى من حيث الفعالية مقارنة بالعلاج اليومي في السيطرة على HbA1c، وهو المقياس الذي يعكس متوسط مستوى السكر في الدم خلال الأشهر السابقة. كما كانت معدلات الأحداث الجانبية متشابهة إجمالاً بين المجموعتين.
وأظهرت دراسة أخرى ضمن برنامج QWINT أن نظاماً أسبوعياً بجرعات محددة من «إفسيتورا» حقق كذلك نتائج مماثلة لأنسولين «غلارجين» اليومي في خفض HbA1c لدى أشخاص لم يستخدموا الأنسولين سابقاً.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن نجاح أنسولين أسبوعي لا يتطلب فقط إطالة مدة تأثير الدواء، بل الحفاظ على مستوى كاف من التحكم بالغلوكوز من دون زيادة غير مقبولة في مخاطر انخفاض السكر.
لمن قد يكون العلاج أكثر فائدة؟
وفق الطرح البريطاني، يمكن أن تكون الفائدة العملية الأكبر لدى المرضى الذين يمثل إعطاء الحقن اليومية عبئاً عليهم أو على الأشخاص الذين يعتنون بهم.
وتشمل هذه الفئات كبار السن والأشخاص المصابين بضعف البصر أو محدودية حركة اليدين، ومن يحتاجون إلى مساعدة لتنفيذ خطوات الحقن بصورة صحيحة، فضلاً عن المرضى الذين يجدون صعوبة في الالتزام بجرعة يومية منتظمة.
وقال دوغلاس توينفور، رئيس القسم السريري في جمعية السكري البريطانية Diabetes UK، إن التوصية تمثل خطوة مهمة باتجاه منح مرضى السكري من النوع الثاني مرونة أكبر في إدارة حالتهم، مشدداً في الوقت نفسه على أن أي تطبيق للعلاج داخل NHS ينبغي أن يرافقه تدريب واضح للموظفين، وإرشادات مناسبة، وضمان الوصول العادل إليه بين المرضى.
ويرى مختصون أن تقليل الاعتماد على جرعة يومية قد لا يفيد المريض فقط، بل يمكن أن يخفف أيضاً جزءاً من العبء الذي تتحمله الأسر ومقدمو الرعاية والفرق الصحية عندما يكون المريض غير قادر على إعطاء نفسه الأنسولين.
لكنه لا يعني نهاية جميع الحقن اليومية
ورغم الأهمية المحتملة للعلاج، فإن وصفه بأنه «ينهي الحقن اليومية لجميع مرضى السكري» سيكون مبالغة طبية.
فـ«إفسيتورا ألفا» هو أنسولين قاعدي طويل المفعول، وليس بديلاً تلقائياً لجميع أنواع الأنسولين التي قد يحتاج إليها المريض.
بعض المصابين بالسكري من النوع الثاني يستخدمون الأنسولين القاعدي وحده، فيما يحتاج آخرون إلى أنسولين سريع أو قصير المفعول قبل الوجبات، أو إلى أنظمة علاجية تجمع عدة أنواع من الأنسولين. وبالتالي فإن مريضاً يحتاج إلى جرعات مرتبطة بالطعام قد يستمر في تلقي حقن إضافية حتى إذا تحول الأنسولين القاعدي لديه إلى جرعة أسبوعية.
كما أن اختيار نوع الأنسولين وجرعته لا يمكن أن يتم بصورة موحدة لجميع المرضى، بل يتحدد وفق مستويات السكر، واحتمال حدوث نقص سكر الدم، والأدوية الأخرى المستخدمة، والحالة الصحية والعمر ونمط الحياة.
ويبقى انخفاض السكر في الدم أحد أهم المخاطر المرتبطة باستخدام الأنسولين عموماً، وهو ما يجعل ضبط الجرعة والمتابعة والتثقيف حول علامات «الهبوط» جزءاً أساسياً من العلاج، بغض النظر عن عدد مرات الحقن.
لماذا يمثل ضبط السكر مسألة تتجاوز الراحة اليومية؟
يحدث السكري من النوع الثاني عندما لا ينتج الجسم كمية كافية من الأنسولين أو عندما لا يستجيب له بصورة طبيعية، وهي الحالة المعروفة بمقاومة الأنسولين، ما يؤدي إلى تراكم الغلوكوز في الدم.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع السكر إلى أضرار تطال الأوعية الدموية والقلب والكلى والأعصاب والعينين والقدمين، مع زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية ومشكلات الكلى واعتلال الشبكية. ولهذا لا يقتصر الهدف من علاج السكري على تحسين الأرقام في فحوص الدم، بل على تقليل خطر المضاعفات التي قد تظهر بعد سنوات.
من هنا، فإن القيمة المحتملة للأنسولين الأسبوعي ستعتمد في النهاية على قدرته على الجمع بين ثلاثة عناصر: ضبط السكر بفعالية، والحفاظ على مستوى مقبول من الأمان، وجعل الالتزام بالعلاج أسهل بالنسبة إلى المريض.
الخطوة التالية: انتظار الترخيص
على الرغم من توصية NICE، يبقى القرار التنظيمي البريطاني الحلقة الحاسمة قبل وصول «أونسويك» إلى المرضى.
فهيئة الخدمات الصحية الوطنية لم تبدأ حتى الآن طرح العلاج على نطاق واسع، فيما ينتظر مسؤولو الصحة قرار MHRA بشأن ترخيصه.
وقال مسؤولون في NHS England إن الأنسولين الأسبوعي قد يتحول مستقبلاً إلى خيار مهم بالنسبة إلى كثير من المرضى، لكنه لن يدخل الاستخدام الروتيني قبل اكتمال المسار التنظيمي وتحديد كيفية تطبيقه داخل الخدمات الصحية.
وفي حال حصوله على الموافقات المطلوبة، يمكن أن يمثل «إفسيتورا ألفا» تحولاً لافتاً في تاريخ العلاج بالأنسولين: ليس لأنه يلغي الحاجة إليه، بل لأنه يعيد صياغة واحدة من أكثر جوانب العلاج إرهاقاً، محولاً جزءاً من الروتين اليومي لمرض مزمن إلى جرعة واحدة كل سبعة أيام.
ومع ذلك، تظل الفائدة الحقيقية مرتبطة باختيار المريض المناسب، وضبط الجرعة بدقة، وتوفير التدريب والمتابعة الطبية، وهي عوامل ستحدد ما إذا كانت الحقنة الأسبوعية ستنتقل من نجاح التجارب السريرية إلى تغيير ملموس في حياة مرضى السكري.





