أثار مشروع أميركي جديد يحمل اسم «الخلود الرقمي» (Digital Immortality) اهتماماً واسعاً، بعدما تقدمت مؤسسة Veterans Recovery Network Inc بطلب للحصول على براءة اختراع لتقنية تقول إنها قد تتيح إنشاء نسخة رقمية شديدة التفصيل من الإنسان، يمكن الاحتفاظ بها لعشرات أو حتى مئات السنين.
ويحمل المشروع اسم «الحمض النووي الرقمي القائم على الحوسبة الكمية» (Quantum-based Digital DNA)، وتروج له المؤسسة بوصفه محاولة لبناء نموذج رقمي يحاكي جوانب من شخصية الإنسان وسلوكه وحركاته وبياناته الحيوية، على أن يكون قابلاً للاستخدام مستقبلاً داخل روبوت شبيه بالبشر أو عبر صورة ثلاثية الأبعاد «هولوغرام».
بدلة بـ40 مستشعراً
بحسب التصور الذي أعلنته الشركة، يرتدي المستخدم بدلة خاصة مجهزة بنحو 40 مستشعراً، تعمل على جمع كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بحركات الجسم، وردود الأفعال، وبعض المؤشرات الحيوية والسلوكية.
وتقول الشركة إن هذه البيانات ستستخدم لبناء ما تصفه بـ«الحمض النووي الرقمي» للشخص، بحيث تمثل النسخة الناتجة سجلاً رقمياً متطوراً لخصائصه وطريقة تفاعله.
وتطمح المؤسسة إلى أن تصبح هذه النسخة مستقبلاً قادرة على الظهور في هيئة هولوغرام أو العمل من خلال روبوت بشري الشكل، بما يمنح أقارب الشخص والأجيال اللاحقة وسيلة للتفاعل مع تمثيل رقمي له بعد وفاته.
لكن هذه الرؤية لا تزال، حتى الآن، في نطاق المفهوم النظري المعلن عنه، إذ لم تقدم الشركة نموذجاً تقنياً عاملاً يبرهن على قدرتها على إعادة إنتاج شخصية الإنسان بصورة كاملة، فضلاً عن عدم وجود دليل علمي يثبت إمكان نسخ الوعي البشري أو نقله إلى نظام رقمي.
مليون دولار لحفظ النسخة 500 عام
وعلى الرغم من أن المشروع لم يصل بعد إلى مرحلة إثبات قدراته التقنية، أعلنت الشركة أسعاراً أولية لخدمة الاحتفاظ بالنسخ الرقمية لفترات طويلة.
وبحسب الأسعار المعلنة، تبلغ تكلفة حفظ النسخة الرقمية لمدة 100 عام نحو 300 ألف دولار، فيما ترتفع إلى 600 ألف دولار لمدة 250 عاماً، وتصل إلى مليون دولار مقابل الاحتفاظ بها لمدة 500 عام.
وفي بيان صحفي، قالت الشركة إن الزمن وحده سيحدد المدى الذي سيصل إليه مستقبل البشرية، معتبرة أن المشروع قد يفتح الباب أمام ما تصفه بظهور «الإنسان السيبراني».
وأضافت أنها تعتزم تقديم رسوم ومزايا مخفضة لفئات محددة، بينها المحاربون القدامى من ذوي الإعاقات، وموظفو خدمات الطوارئ المتقاعدون، والناجون من الحروب، إلى جانب الأساتذة.
300 مدينة ذكية ومليون مشارك
ولا يقتصر المشروع على إنشاء النسخ الرقمية للأفراد، إذ تتحدث الشركة عن خطة أوسع تعرف أيضاً باسم «البلدية الرقمية»، تتضمن إنشاء نحو 300 مدينة ذكية صغيرة.
ومن المقرر، وفق الخطة المعلنة، أن تستهدف هذه المجتمعات بصورة خاصة المحاربين القدامى الذين يعانون اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، إضافة إلى أشخاص يعانون من الإدمان أو اضطرابات طيف التوحد.
وتقول الشركة إن سكان هذه المدن سيشاركون في تطوير ما تسميه «الوعي السيبراني» لدى الروبوتات، من خلال احتكاك الآلات بالبشر والتعلم من تفاعلات الحياة اليومية.
ولم تبدأ عملية اختيار المشاركين بعد، إلا أن المؤسسة تتوقع، وفق رؤيتها، أن يصل عدد المنضمين إلى المشروع في نهاية المطاف إلى نحو مليون شخص، مع إعطاء أولوية للمحاربين القدامى.
مصانع روبوتات خارج الصين
ويتضمن المشروع كذلك خططاً لإنشاء مصانع لإنتاج روبوتات شبيهة بالبشر في غرب أفريقيا وغرب أستراليا، بحيث تستخدم هذه الروبوتات مستقبلاً كأجسام مادية يمكن أن تستضيف النسخ الرقمية التي يجري تطويرها.
وترى الشركة أن توزيع عمليات التصنيع على هذه المناطق من شأنه أن يقلل الاعتماد على الصين في قطاع الروبوتات والتقنيات المرتبطة بها.
بين حفظ الذكريات ونسخ الوعي
ورغم استخدام مصطلح «الخلود الرقمي»، فإن الفارق يبقى كبيراً بين إنشاء نموذج ذكاء اصطناعي قادر على تقليد طريقة حديث شخص وسلوكه اعتماداً على بيانات جُمعت عنه، وبين إثبات أن وعي الإنسان أو إدراكه الذاتي يمكن نقله فعلياً إلى آلة.
فالتقنيات الحالية قادرة بالفعل على بناء شخصيات رقمية تحاكي الصوت والصورة وأنماط الكلام بدرجات متفاوتة، إلا أن الانتقال من محاكاة الشخص إلى استمرار الشخص نفسه رقمياً يظل سؤالاً علمياً وفلسفياً لم تحسمه التكنولوجيا.
وبذلك، يقدم مشروع Veterans Recovery Network تصوراً طموحاً لمستقبل يتداخل فيه الإنسان مع الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لكن المسافة لا تزال واسعة بين الوعود الواردة في التصور المعلن وبين إثبات أن «الخلود الرقمي» يمكن أن يصبح حقيقة علمية قابلة للتطبيق.





