ارتفاع الإصابات إلى أكثر من 12 ألف حالة ودخول مئات المرضى إلى المستشفى، فيما تواصل السلطات الأميركية التحقيق في مصادر التفشي المرتبطة بمنتجات زراعية طازجة.
تواجه ولاية ميشيغان الأميركية موجة واسعة من الإصابات بداء السيكلوسبوريا (Cyclosporiasis)، بعدما أعلنت السلطات الصحية ارتفاع عدد الحالات المسجلة إلى 12,485 إصابة، مقارنة بـ10,773 حالة أُبلغ عنها في تحديث سابق، في وقت تواصل فيه الجهات الصحية تحقيقاتها لتحديد مصادر التلوث والحد من انتشار المرض.
وبحسب إدارة الصحة والخدمات الإنسانية في ميشيغان، فقد نُقل 279 شخصاً إلى المستشفى نتيجة مضاعفات الإصابة، ارتفاعاً من 193 حالة في تحديث سابق، فيما أُعلن أيضاً عن وفاة شخصين كانا يعانيان من مشكلات صحية كامنة كبيرة.
وأوضحت السلطات الصحية أن داء السيكلوسبوريا لا يُعد عادة من الأمراض المهددة للحياة، إلا أن الجفاف والمضاعفات المصاحبة له قد تشكل خطراً أكبر على كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو حالات صحية أخرى.
ما هو داء السيكلوسبوريا؟
ينجم المرض عن طفيلي مجهري يُعرف باسم Cyclospora cayetanensis، يصيب الأمعاء ويمكن أن يؤدي إلى نوبات شديدة ومطولة من الإسهال المائي.
وينتقل الطفيلي عادة عبر تناول الطعام أو شرب المياه الملوثة ببراز بشري يحتوي على الطفيل، فيما ترتبط كثير من حالات التفشي المسجلة تاريخياً باستهلاك منتجات زراعية طازجة تعرضت لمياه ملوثة خلال عمليات الري أو الغسل أو التحضير.
وتشمل الأعراض الأكثر شيوعاً الإسهال المائي المتكرر، وفقدان الشهية، ونقص الوزن، وتقلصات البطن، والانتفاخ، وزيادة الغازات، والغثيان والإرهاق.
وقد تظهر الأعراض بعد فترة تتراوح بين عدة أيام وأسبوعين تقريباً من التعرض للعدوى، ويمكن أن تستمر لفترات طويلة إذا لم يُشخّص المرض ويُعالج بصورة مناسبة.
إرهاق شديد وآثار تمتد إلى ما بعد التعافي
ويحذر متخصصون في الأمراض المعدية من أن تأثير المرض قد يكون أكبر مما توحي به تسمية «عدوى معوية».
وقال ديفيد ريلمان، الطبيب المتخصص في الأمراض المعدية والأستاذ في كلية الطب بجامعة ستانفورد، إن الإصابة يمكن أن تكون «منهكة للغاية» حتى لدى الأشخاص الأصحاء.
ويصف بعض المرضى تجارب تتضمن إرهاقاً شديداً وتقلصات معوية مؤلمة وفقداناً سريعاً للوزن، إضافة إلى حالة من القلق تجاه تناول الطعام قد تستمر أحياناً بعد انتهاء المرحلة الحادة من المرض.
وأدى اتساع دائرة الإصابات إلى زيادة القلق لدى المستهلكين، ولا سيما بشأن السلطات والخضروات الورقية التي تُستهلك عادة نيئة، مع تركيز التحقيقات الصحية على عدد من المنتجات الزراعية الطازجة.
إصابات في عشرات المقاطعات
وبحسب البيانات التي أعلنتها السلطات في ميشيغان، تم تسجيل حالات إصابة في 72 من أصل 83 مقاطعة في الولاية.
وسجلت مقاطعات واين وأوكلاند وواشتيناو وإنغهام وجينيسي بعضاً من أعلى مستويات الإصابة.
وكانت إدارة الصحة في الولاية قد أعلنت في الأول من تموز/يوليو فتح تحقيق موسع في تفشي المرض، بالتزامن مع تزايد أعداد الحالات وزيارات المرضى للمراكز الصحية وأقسام الطوارئ.
ومنذ ذلك الحين، بدأت السلطات إصدار تحديثات دورية تشمل أعداد الإصابات وحالات دخول المستشفى والتوزيع الجغرافي للمرض.
هل الخس والسلطات آمنة الآن؟
في المراحل الأولى من التفشي، أصدرت السلطات في ميشيغان توصيات احترازية شملت تفضيل شراء رؤوس الخس الكاملة بدلاً من أوراق السلطة المعبأة، وإزالة الطبقات الخارجية وغسل الأوراق الداخلية، وطهي المنتجات عندما يكون ذلك ممكناً.
لكن مع تباطؤ وتيرة تسجيل الحالات الجديدة وتراجع زيارات أقسام الطوارئ، خففت الولاية جانباً من تلك التوصيات.
وعادت السلطات إلى التأكيد على إجراءات سلامة الغذاء الأساسية، وفي مقدمتها غسل اليدين جيداً قبل تحضير الطعام، والفصل بين الأغذية النيئة والأطعمة الجاهزة للأكل، وغسل المنتجات الزراعية وفق الإرشادات المناسبة، وطهي الأطعمة التي تتطلب ذلك عند درجات حرارة آمنة.
ومع ذلك، يبقى التحذير سارياً بالنسبة إلى المنتجات التي شملتها عمليات السحب الرسمية من الأسواق.
سحب خس «آيسبرغ» مستورد من المكسيك
وفي 17 تموز/يوليو، أعلنت شركة Taylor Farms de Mexico سحباً طوعياً لمنتجات من خس الآيسبرغ المستورد من وسط المكسيك، على خلفية مخاوف صحية مرتبطة بالتحقيق في حالات الإصابة.
وبعد أسبوع، أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأميركية أنها تواصل التحقيق في الإصابات المرتبطة بخس الآيسبرغ القادم من تلك المنطقة، بالتعاون مع المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها والجهات الصحية على مستوى الولايات والسلطات المحلية.
وتشير بيانات السلطات الصحية في ميشيغان إلى أن الجزء الأكبر من المنتجات الزراعية التي يُشتبه في تعرضها للتلوث لم يعد متاحاً على الأرجح للاستهلاك في الأسواق، إلا أنها لا تزال تدعو المستهلكين إلى تجنب أي منتجات مدرجة بصورة صريحة ضمن قرارات السحب.
تفشٍ يمتد إلى 15 ولاية
ولا تقتصر التحقيقات على ميشيغان وحدها، إذ تتابع المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها عدداً من بؤر تفشي السيكلوسبوريا في أنحاء البلاد.
ومن بين تلك التحقيقات تفشٍ واسع مرتبط بخس الآيسبرغ شمل 15 ولاية أميركية، هي أركنساس وإلينوي وإنديانا وأيوا وكانساس وكنتاكي وميشيغان وميسوري ونبراسكا ونيو هامبشاير وكارولينا الشمالية وأوهايو وأوكلاهوما وبنسلفانيا وفيرجينيا الغربية.
وأعادت الأزمة تسليط الضوء على صعوبة تعقب مصدر التلوث في سلاسل توريد المنتجات الطازجة، وخصوصاً عندما تنتقل الخضروات بين المزارع ومراكز التعبئة والموزعين والمتاجر في ولايات متعددة خلال فترة قصيرة.
كما أن فترة حضانة المرض وإمكانية استمرار الأعراض لأسابيع تجعل عملية الربط بين الحالات ومصدر غذائي واحد أكثر تعقيداً.
المستهلكون يتجهون إلى المنتجات المحلية
ورغم تخفيف بعض التحذيرات الرسمية، ما زال القلق حاضراً بين المستهلكين في ميشيغان.
وأفاد بعض بائعي الخضروات والفواكه الذين يعتمدون على المزارع المحلية بأن الأزمة دفعت عدداً من المشترين إلى تفضيل الأسواق الشعبية والمنتجات المحلية، اعتقاداً منهم بأنها أسهل من حيث معرفة مصدرها ومسار توريدها.
لكن الخبراء يشددون على أن كون المنتج محلياً لا يعني تلقائياً خلوه من مخاطر التلوث، وأن سلامة المنتجات الزراعية تعتمد أساساً على جودة المياه المستخدمة في الزراعة والغسل، وظروف الحصاد والتعبئة والنقل والتخزين.
لماذا يصعب القضاء على «السايكلوسبورا»؟
تختلف السايكلوسبورا عن عدد من مسببات الأمراض المعروفة في الغذاء؛ إذ إن غسل الخضروات بالماء وحده قد يقلل بعض الملوثات الموجودة على سطحها، لكنه لا يضمن التخلص الكامل من الطفيل.
كما أن المنتجات الورقية التي تُستهلك نيئة تطرح تحدياً إضافياً، لأنها لا تمر بمرحلة الطهي التي يمكن أن تقلل مخاطر كثير من مسببات الأمراض.
وتصبح الوقاية لذلك مسؤولية مشتركة تبدأ من مصدر مياه الري والممارسات الزراعية، مروراً بالتعبئة والنقل، وصولاً إلى تداول الغذاء في المتاجر والمنازل.
متى ينبغي طلب الرعاية الطبية؟
يُنصح الأشخاص الذين يعانون إسهالاً شديداً أو مستمراً، أو علامات جفاف، أو فقداناً ملحوظاً للوزن، أو إرهاقاً غير معتاد، بمراجعة مقدم رعاية صحية، ولا سيما إذا كانوا قد تناولوا منتجات شملتها تحذيرات أو عمليات سحب غذائي.
وتزداد أهمية التدخل الطبي بالنسبة إلى كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو ضعف في المناعة، بسبب احتمال تعرضهم لمضاعفات أكبر نتيجة فقدان السوائل والعناصر الغذائية.
وبينما تشير المعطيات الأخيرة في ميشيغان إلى تباطؤ نسبي في وتيرة الحالات الجديدة، فإن التحقيقات لم تُغلق بعد، ولا تزال الجهات الصحية الأميركية تراقب سلسلة الإمداد الغذائي وتحلل الحالات المسجلة بحثاً عن روابط مشتركة.
وبالنسبة إلى المستهلكين، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين تجنب الذعر والالتزام بالتحذيرات الرسمية: ليست كل الخضروات الورقية مصدراً للعدوى، لكن المنتجات المشمولة بسحب رسمي أو تحذير صحي يجب عدم استهلاكها حتى انتهاء التحقيقات أو صدور توجيهات جديدة.





