جائزتان… ومخرج غائب عن المسرح
مساء الجمعة 23 تشرين الأول 2026، أعلن مهرجان الجونة السينمائي نتائج مسابقات دورته التاسعة.
وكان فيلم «المواطن أسامة»، للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، من أبرز الأعمال المتوّجة، بعدما حصل على جائزتين في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة.
الأولى، نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي طويل، وقيمتها 30 ألف دولار أميركي. والثانية، جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي، وقيمتها 10 آلاف دولار.
الفيلم إنتاج فلسطيني فرنسي مشترك، من إنتاج لاورا نيكولوف ورشيد مشهراوي، وتدور أحداثه في شمال قطاع غزة.
لكنّ اللحظة الأكثر دلالة جاءت عندما تسلّم رشيد مشهراوي الجوائز، وأوضح أن أحمد حسونة يتابع الحفل من داخل القطاع.
لم يكن غياب المخرج تفصيلًا بروتوكوليًا.
فالفيلم الذي حصل على التكريم صُنع في بيئة تتقاطع فيها مخاطر التصوير مع مخاطر الحياة اليومية، حيث لا تنفصل تجربة السينمائي عن تجربة الأشخاص الذين يوثّقهم.
وأهدى مشهراوي التكريم إلى الصحافيين الذين قُتلوا أثناء عملهم في غزة، وإلى زملائهم الذين يواصلون التغطية.
وكان ذلك تذكيرًا بأن الفيلم الوثائقي لا يولد دائمًا في ظروف إنتاج مستقرة، وأن وصوله إلى شاشة مهرجان قد يخفي وراءه صعوبات استثنائية.

أسامة العشي… المصوّر الذي صار موضوعًا للفيلم
لا يقدّم «المواطن أسامة» قصة الحرب من خلال متابعة الجبهات والأحداث العسكرية وحدها.
بل يضع في مركزه المصوّر الفلسطيني أسامة العشي، الذي انتقل من التصوير الفني إلى توثيق الحياة تحت الحرب.
في شمال غزة، يحمل أسامة كاميرته ويسعى إلى تسجيل ما يحدث حوله، بينما يحاول في الوقت نفسه حماية أسرته والتعامل مع مسؤوليات الأبوة الجديدة.
يتابع الفيلم تفاصيل من هذه الحياة: القلق على الطفل الرضيع، والخوف الذي يرافق العمل الصحافي، وصعوبة الحصول على الطعام، وحركة النزوح، ومحاولات الاستمرار في ممارسة الحياة وسط الانهيار.
ومن خلال هذه المقاربة، يتحوّل المصوّر من شخص ينقل أخبار الآخرين إلى إنسان يحمل هو أيضًا تجربة تستحق التوثيق.
وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار أهمية في العمل.
فنحن معتادون على مشاهدة ما تلتقطه عدسة الصحافي، لكننا نادرًا ما نعرف ماذا يحدث عندما يضع الكاميرا جانبًا ويعود إلى عائلته.
مَن يعتني بأطفاله؟ وما الذي يشعر به عندما يخرج للتصوير؟ وكيف يتعامل مع الخوف على أسرته عندما يكون مطالبًا بتوثيق معاناة الآخرين؟
هذه الأسئلة تمنح «المواطن أسامة» بُعدًا مختلفًا عن التقرير الإخباري التقليدي.
عندما تصبح صناعة الفيلم جزءًا من الحكاية
يقول المخرج أحمد حسونة في تعريفه الرسمي بالفيلم، الذي عرضه مهرجان البندقية السينمائي، إن علاقته الشخصية بأسامة كانت أحد الدوافع الأساسية لإنجاز العمل.
فأسامة ليس مجرد شخصية تعرّف إليها المخرج لأغراض التصوير، بل صديق يعرفه عن قرب.
وهذه العلاقة تمنح العمل إمكانية الاقتراب من حياة بطله الخاصة، لكنها تفرض في المقابل مسؤولية أخلاقية تتعلق بطريقة تمثيله وحماية خصوصيته.
فالمخرج الوثائقي ليس شاهدًا محايدًا خارج الأحداث دائمًا.
إنه يختار ما الذي يصوّره، وأي المقاطع يضعها في النسخة النهائية، وما الذي يتركه خارج الفيلم.
وفي ظروف الحرب، تصبح هذه القرارات أشد حساسية.
فإظهار الخوف والألم قد يساعد الجمهور على فهم حجم المعاناة، لكنه يحتاج إلى وعي بكرامة الأشخاص الذين يظهرون أمام الكاميرا.
ولهذا يكتسب اختيار التفاصيل اليومية قيمة فنية وإنسانية.
فاللقطات التي تتناول الأبوة والصداقة والمزاح والرغبة في الطعام لا تقل بالضرورة أهمية عن مشاهد القصف والدمار.
إنها تذكّر بأن البشر لا يتحوّلون إلى ضحايا مجردين من شخصياتهم عندما يعيشون الحرب.

من البندقية إلى الجونة… فيلم يعبر الحدود
لم يكن نجاح «المواطن أسامة» في الجونة أول حضور دولي له.
فقد شارك الفيلم في برنامج مهرجان البندقية السينمائي لعام 2026 خارج المسابقة الرسمية، كما ظهر ضمن برامج مهرجانات دولية أخرى.
واختير كذلك ليكون التقديم الفلسطيني الرسمي للتنافس على فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار لعام 2027.
لكن ينبغي التمييز بين اختيار الفيلم ممثلًا رسميًا لفلسطين وبين حصوله على ترشيح نهائي للأوسكار، وهو أمر لم يكن قد أُعلن عند إعداد هذا المقال.
هذه المشاركات تُظهر قدرة الفيلم على الوصول إلى جمهور دولي، رغم الظروف التي رافقت إنتاجه.
كما أنها تفتح نقاشًا حول وظيفة المهرجانات السينمائية: هل تقتصر على تكريم الأعمال الجيدة، أم تستطيع المساهمة في دعم استمرار صناعتها؟
فالفيلم الوثائقي يحتاج إلى تمويل ومعدات ومونتاج وترجمة وتوزيع، وقد تصبح هذه الحاجات أكثر تعقيدًا عندما يتوزع فريق الإنتاج بين مناطق مختلفة.
والجوائز قد تساعد في زيادة الانتشار وفتح فرص جديدة، لكنّها لا تعالج وحدها جميع العقبات التي تواجه صانعي الأفلام في غزة.
السينمائي ليس مجرد ضحية
من النقاط التي برزت في كلمة رشيد مشهراوي خلال حفل الجونة تأكيده أن الفلسطينيين يواصلون صناعة الأفلام، وأن حضورهم السينمائي لا ينبغي اختزاله في كونهم ضحايا للحرب.
وهذه مسألة ثقافية جوهرية.
فالحديث عن السينما الفلسطينية ينحصر أحيانًا في السؤال عن حجم الألم الذي تنقله، بينما تتراجع المناقشة الفنية لأدواتها وأساليبها وطرق بناء شخصياتها وحكاياتها.
لكنّ العمل الفلسطيني، مثل غيره من الأعمال السينمائية، يستحق أن يُناقش من حيث اللغة البصرية والمونتاج والصوت والبناء السردي، لا من حيث قيمة القضية التي يتناولها فقط.
ولا يعني ذلك فصل الفيلم عن الظروف السياسية والإنسانية لإنتاجه.
بل يعني الاعتراف بأن صاحبه فنان يتخذ قرارات إبداعية، وليس مجرد ناقل صور من منطقة حرب.
فإذا أصبح معيار الاهتمام الوحيد هو قسوة الأحداث التي يوثّقها، فقد نخسر القدرة على اكتشاف التنوع الفني في السينما الفلسطينية.
وهنا تبدو أهمية عمل مثل «المواطن أسامة»، الذي يحاول الانتقال من صورة الصحافي وهو يحمل الكاميرا إلى حياته بوصفه أبًا وصديقًا وإنسانًا.
الجائزة ليست نهاية الحكاية
قد يشكّل التتويج في الجونة محطة مهمة في مسيرة الفيلم، لكنه لا يحسم الأسئلة المتعلقة بمستقبل السينما الفلسطينية.
فنجاح عمل واحد لا يعني أن منظومة الإنتاج أصبحت مستقرة، أو أن جميع صانعي الأفلام يستطيعون الوصول إلى فرص التمويل والعرض نفسها.
كما أن اعتراف المهرجانات بأهمية فيلم لا يضمن بالضرورة وصوله إلى جمهور واسع في الصالات أو عبر المنصات.
ولهذا ينبغي التمييز بين الحضور في المهرجانات والانتشار الجماهيري الفعلي.
فالمهرجان يمنح العمل فرصة للاكتشاف والنقاش، لكنه ليس بديلًا عن شبكة توزيع قادرة على إيصاله إلى المشاهدين.
ويبقى السؤال عن كيفية دعم صانعي الأفلام أنفسهم، وحفظ أعمالهم وموادهم الأصلية، وتوفير فرص مهنية تسمح باستمرار الإنتاج.
فالذاكرة المصورة التي تُنتج اليوم ستكون جزءًا من المواد التي ستعتمد عليها الأجيال المقبلة لفهم هذه المرحلة.
مَن يحمل الكاميرا عندما يخاف الجميع؟
في نهاية المطاف، تتجاوز أهمية «المواطن أسامة» الجوائز التي حصل عليها.
فالعمل يطرح سؤالًا عن الشخص الذي اعتدنا أن نرى العالم من خلال عدسته، من دون أن نراه هو.
أسامة العشي يصوّر الحياة في غزة، بينما يصوّره أحمد حسونة وهو يحاول التوفيق بين مهنته وعائلته.
وهكذا يصبح الفيلم شهادة على الحدث وشهادة على من يوثّقه في الوقت نفسه.
قد تنتهي الأمسية السينمائية بتسليم الجوائز والتقاط الصور، لكنّ حياة الشخصيات التي ظهرت على الشاشة تستمر خارج القاعة.
وفي تلك المسافة بين العرض السينمائي والحياة الواقعية، تتضح قيمة الفيلم وحدود ما تستطيع السينما تحقيقه.
لقد استطاع «المواطن أسامة» أن يصل من غزة إلى منصات التكريم الدولية، لكنّ السؤال الأهم ليس عدد الجوائز التي سيجمعها، بل كيف يستطيع صانعوه مواصلة العمل الذي جعل وصوله ممكنًا.
فحين يرفع المصوّر كاميرته في مكان يتعرض للدمار، لا يوثّق ما يحدث فقط؛ بل يحاول أن يحفظ دليلًا على أن الحياة كانت هناك، وأن أصحابها لم يفقدوا وجوههم وأسماءهم وحكاياتهم.


